سجلوا عندكم

التوظيفُ غير المباشر للإيديولوجيا في رواية “يوتوبيا” لـ أحمد خالد توفيق

Views: 514

إبراهيم رسول

“يوتوبيا” لأحمد خالد توفيق، روايةٌ مكتوبةٌ بعنايةٍ فائقةٍ من حيثِ اِعتمادها على أسلوبٍ بنائيٍّ مشوّقٍ، هذا الأسلوبُ الذي يكسرُ الرتابةَ ويجعل الفعل السردي في حالةِ الاستمرارية الحرّكية الفاعلة في عالمِ الرّواية، الأسلوبُ التناوبيُّ المُضمن بأسلوبِ التسلسلي، مكّن الروائيّ من أنْ ينتقلَ من فكرةٍ إلى أخرى دونَ أنْ نقفَ معه قليلًا لنسأله عن هذه الفكرة التي بثّها ومضى إلى موضوعٍ ثانٍ! 

الرّواية تحكي قصّة غير نمطية من حيث فكرتها، بالإضافةِ إلى أنَّها تستعملُ الأشياءَ من اماكن وفواعل أخرى بمسمّياتها الأصلية، واِنطلاقًا من رأي إميل زولا في كتابه “في الرواية ومسائل أخرى مقالات نقدية” (الصادر عن هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة مشروع كلمة وترجمه حسين عجّة عن الفرنسية) حيث يقول: في الماضي كان أجمل ثناء يمكن أن نخصّ به روائيًا يتمثل في القول: إنه يتمتع بمخيلة. أما اليوم، فقد يُعدّ مثلُ هذا الثناء انتقادًا. ذلك أنّ جميع شروط الرواية قد تغيرت. ولم تعد المخيلة هي الخاصية الرئيسة للروائي (الكتاب بطبعتهِ الأولى سنة 2015: 12). هذا القولُ الذي نوّهنا أننا ننطلق منه في قراءة هذه الرّواية، نستطيع أنْ نقولَ: إنَّ الرّوائيَّ لديه قدرة واقعية بديعة في خلقِ عالمٍ سرديٍّ من واقعٍ وجوديٍّ! فالمخيلةُ غير الواقعية لمْ تكن فاعلة هنا في هذا العمل الإبداعيّ، هذه التنقية ترجعُ إلى أسبابٍ كثيرة، لتكن منها، هيمنة الواقع ومشاكله على عقل ووعي المبدع، فيجعله يتفاعل معه التفاعل التام، فتجيء سرديته من واقعٍ مُعاش.

الكتابةُ تعربُ عن مضمونِ مبدعها، وفي هذه الرّواية اِنكسفت ملامح شخصيّة الكاتب، وطريقته ونمط حياته، من خلال توظيف الأدلجة التي يتفق معها في الرّوايةِ ويجعل منها ثيمة مهمة يضرب بها السائد الشائع في أوساط كثيرة ومنها الوسط الذي ينتمي إليها عامة الشعب، الذين هم طبقةٌ أدنى من حيث الثقافة والوعي والدخل الاقتصادي، ما نلحمهُ بإشاراتٍ ضمنيةٍ هو العامل الاقتصادي الذي يشتغلُ عليه. 

 

عالمٌ مثاليّ فاضل

البدايةُ من العنوان الذي يرمز إلى عالمٍ مثاليٍّ فاضلٍ، وميزةُ هذا العالم أنَّه يعيش بنمط أفضل من كافة النواحي من باقي العوالم الأخرى، فاليوتوبيا المصطلح العام يتفق مع الخاص في الرّواية، لأنَّ الحديثَ عن وسطٍ يتصف بكلِّ صفاتِ الامتياز، يكون ندًّا لوسطٍ آخر! التوظيفُ اعتمد على مهارة الكاتب في طرح الفكرة ومواصلة السرد بثيمة أخرى! هذه الطريقة تجعل الأثر يكونُ أخفُ على المتلقيِ، لأَنَّ المُباشرة تستهلك العمل مهما بلغتْ قوّته، لهذا لجأ الساردُ إلى هذه التقنية التي لا ينصدم مع المتلقي فيها، إذ هي تقنية تُعطي الفكرة عرضًا أو أثناء فكرة طارئة، فهذه الأفكار التي ينقدها وينتقدها الكاتب بأسلوبهِ السخري، قدْ جعلت العمل الإبداعي يبدو مثيرًا للجدلِ عند طبقةِ القُرّاء الذين يغوصونَ في العالمِ المُبطن للغةِ، لأنَّ مهارة الكاتب في اللّغةِ تجعله يوّظفها لصالحِ أفكارهِ مما يجعل وصولها إلى الآخر بسرعة. 

الكاتبُ الذكيُّ هو الذي يستطيع انْ يُعقلنَ الأشياء التي تغيب فيها العقلانيّة، فالرِّوائيُّ مطلوبٌ منه أنْ يوظفَ معارفَ علومٍ مختلفة في عالمهِ الرِّوائي، لأنَّ العملَ السرديّ يستحضر كافة الميادين الحياتيّة، كون الشخصيات هي كائناتٌ لها روحُ إنسانٍ وهذا الإنسانُ كائنٌ حيٌّ ومن صفاتِ الكائنِ هذا، الشعورُ والإحساس، لهذا نتساءلُ عن التوظيف المعرّفي والثقافيّ الذي يوظفه الكاتب في روايتهِ ليجعل منها رواية أفكار وحكايات!

يُشيرُ الكاتبُ إشارات عديدة، هذه الإشاراتُ تُعربُ عن قلقهِ الوجوديّ الذي يؤرقه آناء الليل وأطراف النهار، ومن خلالِ معرفة الخلفية المعرفية والثقافية التي ينطلق منها الكاتب المُبدع، ستتضح أشياء من شخصيته الطبيعية وأثرها في نصوصهِ السرديّة، إذن، القراءةُ للشخصية لا يُستغنى عنها لأسباب تتصل بالعملِ الإبداعي بصورةٍ مُباشرةٍ! 

 

كاتب/طبيب

الكاتب هو في الأصلِّ طبيبٌ ويعملُ في المجالِ الطبيّ، وهذه المعرّفة جعلته يستحضرها في العمل السرديّ، إذ اِستطاعَ انْ يجيءَ بمصطلحاتِ من عملهِ ويحشرها في النصِّ، يتضحُ من شخصيته أنَّه ناقدٌ اِجتماعيٌ للحالةِ المجتمعية المصرية، واستثمر طاقاته الثقافية والطبية في طرح رؤاه، إذ يقول: إنَّ الناس يجب ألا تتزوج إلا لكي تأتي للعالمِ بمن هو أفضل، طفلٌ أجمل منك، أغنى منك، أقوى منك.( الرِّواية: 72).

هذه المقولةُ المنطقيةُ تتضمن النقد في باطنها، النقدُ المضمرُ لما وصلت إليه الحياة في مصر، من زيادة مفرطة بعدد السكان تقابلها زيادة باِنعدام فرص الحياة الحرّة الكريمة والعمل الذي يوفر الدخل الماديّ! لاحظ كيفَ وظفَ النقد بهذه الصورة الإيجابية، إذ لمْ يقلْ بسخرية مباشرة ولا بتهجم مباشرة، بلْ لجأ إلى الأسلوبِ التحفيزي غير المباشر، هو التأمّل الذي يجعلك تستدركَ عن المصير المستقبلي لهذه الزيجة، أي هي دعوة للإدراك والوعي في الوضعِ الرّاهنِ.

يستعملُ الساردُ لُغة تعتمد أكثر من وجهِ للمعنى، وهي برأيي اللّغة الأدبية الإبداعية الواجبة في العملِ الإبداعي، لأنَّ الموضوعَ مهما بلغتْ أهميته في مخيلة المبدع عليه إلّا يعبّر عنها بلُّغةٍ مُباشرةٍ وإلّا فسيكون مُستهلكًا ولا قراءة أخرى له!

هذه القراءةُ الناقدةُ، تشتغلُ على كافةِ القضايا التي تعالجها الرواية، منها القضايا العقائدية والتاريخية والسياسية، فهو يقول: لا أعرف لماذا _ في حقبةٍ ما_ كان المصريون يكرهون الإسرائيليين، لكني لا أهتم بفهم هذه الأمور (الرواية: 14)، فلوْ تأمّلَ القارئ في مفردةِ (في حقبة ما)، لوجدَ انَّها تعني عودة وإحالة إلى تاريخِ طويل وقديم موغل في القدمِ، وفي الوقتِ عيْنه، يُثير التساؤل المنطقيّ وهو: هل كانت هناك علاقة بين الاثنين؟ والعلاقةُ ما نوعها؟ حتَّى يستدرج التاريخ لمعرفةِ سبب الكراهيةِ هذه، والإشارة التي تقولها هذه المفردة (حقبة) تجيء مفردة ( يكرهون)، ويخص بها الشعب المصري فقط وليس الإسرائيلي، والمعنى انَّ الكراهيةَ من المصريين لا من الإسرائيليين! هنا يبدو النص ينفتح أكثر وأكثر على وجوهٍ مُتعددة، وكلّها تُحيل القارئ إلى علومٍ أخرى منها التاريخ ليجب على هذه الأسئلة، فأنت تقرأ قوله: لا أعرف سبب الخصوبة التي رزقتني بها الطبيعية (الرواية: 18)، إحالة إلى مبحث العقائد الدينية والبداية بمبحث التوحيد وهكذا يستدرك إلى قضايا أخرى يُحيلك الساردُ إليها بصورةٍ لا تعرف كيفَ وصلتَ إليها! 

 

لعبٌ فنيٌّ في الشعر والرِّواية

 هذه القدرةُ التخيلية المدعومة برؤية عقلانية، تمكّن الرِّواية من الانفتاح على عالمها السردي بصورةٍ مُتكاملةٍ، فأنت تقرأ الكثير من الرِّوايات الكلاسيكية التي لا جميل فيها إلّا في لغتها وقصصها وأسلوب الكاتب فيها، أما الموضوع الذي تعالجها وتدور حوله فيكاد أنْ يكونَ هامشيًا أو صارَ في عِداد المواضيع التي انتهت، هنا نقرأ الرواية بموضوعها الرّاهن الذي نعيشه، ولكن لوْ تأمّل القارئ في الموضوعِ الذي تبحثه الرِّواية، فإن كانَ موضوعًا إنسانيًّا يحكي أوجاع وهموم وقضايا الإنسان، فإنَّ الموضوعَ سيقاوم الذاكرة ويبقى عالقًا في الذهنِ الإنسانيّ، كون قضايا الإنسان باقيّة حيّة وستبقى ما شاء الله لها أنْ تبقى!

يقدمُ الساردُ مادته السرديّة، بأسلوبٍ يعتمد تقنية بث الخِطاب عبر اللّغة، واِعتبار اللّغة وسيلة لعب فنيّ، فهي لعبٌ فنيٌّ في الشعر والرِّواية على حدٍ سواء! لأنَّها وسيلة الجذب والتشويق والشد والتأثير في الآخرِ، نحن نقرأ هذه الرِّواية، فنجد أنَّ المبدعَ اِستطاع أنْ يقولَ ما يُريد أنْ يقولَ دون تكلّفٍ أو عناءٍ، إذ عبّر بلغتهِ غير المباشرة وتقنية الأسلوب البنائي التناوبي الخاطف، الذي يتحوّل بسرعة من حكاية إلى حكاية ومن صدمة إلى أخرى بسرعة البرق، لأنَّ الأسلوب التقني يعتمدُ على قدرةِ السارد في أنْ يعبّر ويسردَ بصورةٍ لا تستهلكه! التوظيفُ يعني في ضمن ما يعنيه أنَّ الكاتب لا بُدَّ أنْ يتأنّى ويُكثر من التأنّي لأنَّ العالم البنائيّ ليسَ بهذه السهولة التي يتصوّرها القارئ، فبناءِ الرِّواية لا يختلفُ عن بناء عمارة أو منزل، فكلاهما صناعةُ مخيلة خلّاقة، هذه المخيّلة المُبتكرة تتأثر وتعطي ما تتأثر به عبر الأحداث التي تحصل في العالم الرِّوائيّ. 

 

إنَّ عقلانيةَ ما قدّمه السارد في هذه الرِّواية، هو التساؤلُ الذي سيبحث عنه القارئ، لأنَّ فكرةَ الوخز عبر الأسئلة يجعل المتلقي يتأمّل في هذه القضايا التي تلقاها من الكاتبِ، لهذا فالتوظيفُ الذي اِعتمده الأديب أحمد خالد توفيق هو التوظيف غير المُباشر وغير المُستهلك للقضايا المؤدلجة التي ذكرها في العمل السرديِّ، قدْ تشعر وأنت لا بُدَّ لكَ أنْ تشعرَ بشخصيةِ الكاتب، هلْ هو مؤمنٌ بهذه القضايا أم هي محض توظيف لشخصية يُريد أنْ يجعلها هكذا تكون! لأنَّ مهارةَ المُبدع تكمنُ في ألّا يُقدّمَ نفسه كاملًا إلى القارئ، بلْ الواجب عليه أنْ يُبقيَ الكثير منه مجهولًا، وهذا ما تجدهُ في رواية يوتوبيا، التي تُحيلكَ إلى أنَّ ثمةَ مدينة كاملة فاضلة وأشخاصها فضلاء، يعيشونَ في برنامجٍ حياتيٍ مثاليٍّ، وهؤلاءِ يزدرونَ غيرهم وينتقدونهم ولا يريدونهم أنْ يدخلوا مدينتهم المثالية، هذا التوظيف المؤدلج لنقدِ حالة الفُوضى العارمة التي تعيشها البلاد المصرية وغياب التخطيط والتنظيم للحياة الشخصية والعامة.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *