قصة قصيرة/ أرضي ليست للبيع
ديانا جورج حنّون
وقف “الرّيّس فريد” في صحنِ الدّار، وحدّج “أمّ سمير” بنظرات حادّة، وسألها:
– ألنْ تقبلي عرضي لكِ؟
– يا “ريّس”، ألمْ تتعبْ من سماع كلمة “لا” طوال هذه السّنوات؟ لنْ أبيعكَ أرضي ولو أعطيتَني مال الكون كلّه.
– حدّدي الرّقم الذي يناسبك وأنا مستعد لإعطائك إيّاه على الفور.
– لِمَ أنتَ مُصرّ على شراء أرضي؟
خفّف من حدّة لهجته، وقال:
– أشفقُ عليك، يا “أمَّ سمير”، وأريدُ مساعدتك بعد أنْ تركك ابنك وحدك وسافر إلى بلاد بعيدة.
مضى على غيابه عشر سنوات، لمْ يرسل لك خلالها رسالة واحدة يُطمئنكِ فيها عن أحواله. بيعيني الأرض وعيشي بثمنها في رخاء وطمأنينة بقيّة عمركِ.
وقفت سلوى قبالته، وقالت بحزم:
– أرضي ليستْ للبيع. خُذْ مالَكَ وغادرْ منزلي حالاً.
بعد خروجه انفجرَتْ سلوى باكيةً. “يا لقسوة قلبك، يا ولدي، تركتَني من دون علم وخبر عنك.”
ودُقّ الباب بقوّةٍ. “ألنْ تتركَني بسلام؟”، قالَتْ، وتوجّهَتْ إلى الباب تفتحه وهي تتوعّده. رأتْ شاباً نحيلاً، طويل القامة، أشعثَ الشّعر، تتدلّى لحيتُه إلى منتصف صدره، ينظر إليها بعينينِ سوداوينِ لامعتينِ، بيده حقيبة صغيرة. هتفَتْ:
– ولدي!
– أمّي، قال بغصّة، وضمّها إلى صدره بقوّة وهو يبكي كطفل صغير، ودخلا معاً الدّار، وجلس إلى جانبها على الأريكة، وقال:
– سامحيني، يا أمّي، على غيابي القسريّ عنك. بعد شهر على سفري إلى ذلك البلد الإفريقي وإقامتي في أحد أحياء العاصمة، عمّتِ الفوضى والعنف وحاول الثّوار المحلّيون الاستيلاء على السّلطة، لكنّهم فشلوا في تحقيق هدفهم. فقُتِلَ منهم الكثيرون، وزُجَّ آخرون في السّجون. ومن سوء حظّي، أعتُقِلْتُ معهم ورُميتُ في زنزانة مدّة عشر سنوات، لمْ يسألني أحد من أكون..
وبعد أنْ تغيّر الحكم أُطلِقَ سراحُ المعتقلين، وأنا من ضمنهم، وعدْتُ إليكِ. لمْ أنسكِ، يا أمّي.
تنهّدَتْ وقالَتْ:
– حمداً لله على عودتكَ سالماً إلى بيتك، يا بنيّ. تألّمتُ لبعادكَ عنّي، لكنّني لم أفقدِ الأملَ بعودتكَ. وفي انتظارك فلحتُ جزءاً من الأرض التي تركها لنا والدك، وزرعتُها وعشتُ من بيع محاصيلها. حافظْتُ عليها رَغم إصرار “الرّيّس فريد” طوال هذه السّنوات على شرائها.
– لا شكّ في أنّ الرّيّس على علم…
– بماذا؟
– بالمال… وأنا في الأسر، تعرّفتُ برجل طاعن في السّنّ، اسمه خليل، من وطني، احتال على عدد كبير من سكّان البلد، وحُكِمَ عليه سنوات طويلة، وتصادقنا. وهو على فراش الموت اعترف لي بسرّ خطير. في شبابه احتال على شريكه وسرقَ منه أموالاً طائلة. طارده رجال الشّرطة، وأثناء هروبه منهم في الجبال، مرّ بأرض تكثر فيها أشجار السّنديان، دفن تحت إحداها صندوقاً من الحديد يحتوي على المال المسروق، بعد أنْ جوّف جزءاً من جذعها بسكينه وغرزه فيها كعلامة. وبمساعدة قريبه سافر إلى إفريقيا.. وأنا أسمعه تذكّرتُ خبرية والدي التي أخبرك إيّاها على مسمعي، وانا صغير، عن رجل، هو خليل بشحمه ولحمه، التجأ إليه ليحميه من شخص يطارده ويسعى إلى قتله. سمح له بالبقاء في أرضنا ثم اختفى تاركاً خلفه سكّيناً مغروزاً في جذع شجرة سنديان… “الرّيّس فريد” على علْم بالمال المدفون في أرضنا لكن أين تحديداً لا يعرفُ، لذا هو يلاحقك منذ سنوات لشرائها، وأنتِ فعلتِ خيراً برفضك ذلك. لنذهبْ.
حمل “سميرٌ” معولاً ورفشاً، وتوجّه وأمَّه إلى الشّجرة المنشودة. حفر تحتها ووجد الصّندوق الحديديّ. رفعه وكسر القفل بالمعول. فتحه وقال، وعيناه تبرقان:
– خذي هذا المال، وقولي لكلّ مَنْ يسألُكِ، ابني عاد مِن أفريقيا بثروة كبيرة.
دام نزف قلمك أستاذة