رحيل الشاعر شوقي أبي شقرا (1935-2024)… كم كانت القصيدة صعبة لولا الخيال والحياة مستحيلة لولا الأمل

Views: 172

سليمان بختي

رحل  الشاعر الصديق شوقي ابي شقرا  عند الفجر. نادته نسمة مهاجرة من الحقل القريب الى سماء بيضاء ناصعة. التحق بوالده العسكري مجيد الذي مات متدهورا الى الصخور الملونة في عين تراز ووالدته منيرة مخايل. ترك الجسد ليلتحق بقصيدة لم تكملها الطبيعة.  لم يكن الشاعر عليلا قبل شهر منذ تخثرت نقطة دم في الشريان. كان يحاول الكلام والاستجابة.  يحاول الحياة. ولكن اصابته بالتهاب رئوي مفاجئ ارهق الجسد المتعب.

امسك غير مرة بالقلم ولم يفلته بسهولة كما أخبرتني زوجته حلوة. كان شوقي ابي شقرا عليلا بالرقة ولبث مقيما على العهد.

عرفته عن قرب منذ العام 1982 منذ بدات النشر في “النهار” البيروتية . كان هو قد انجز الكثير وبات  علما  مستحقا في تاريخ الشعر والثقافة في لبنان. كنت اقدم له مادتي بيد ترتجف.وعندما أجدها منشورة كنت أتعجب بقدرته على الاختزال والحذف والمحو . وتزيد دهشتي حين اجد ان الجملة التي اوجعتني في المقال هي العنوان. كان ساحر العناوين المختلفة والمفاجئة والغريبة في الجريدة لكل المقالات التي تمر تحت قلمه الاحمر .

ولد شوقي ابي شقرا في محلة نهر بيروت عام 1935 وتعود أصول العائلة الى مزرعة الشوف. ملاعبه الاولى في رشميا جبل لبنان حيث الطبيعة والحياة الريفية البكر وفيها تلقى دروسه الاولى في دير مار يوحنا رشميا. توفي والده العسكري مجيد متدهورا في عين تراز. دخل معهد الحكمة (القسم الداخلي) في بيروت  وأكمل دروسه فيها حتى العام 1952 وكانت بداياته الادبية في مجلة “الحكمة”  التي كانت بإشراف فؤاد كنعان. مارس التعليم في مدرسة بيت شباب.

مارس الصحافة في جريدة الزمان وجريدة البيرق. ساهم بتأسيس حلقة الثريا عام 1956 مع ادمون رزق وجورج  غانم  وميشال نعمه . وكان مع المؤسسين في مجلة “شعر” وكتب وترجم وشغل منصب سكرتير التحرير (1958-1964). اطلق عليه الشاعر محمد الماغوط لقب مرشدنا الجمالي. حرر مع ادونيس كتاب “أنشودة المطر” للشاعر بدر شاكر السباب وقبل السياب كل المقترحات المقدمة منهما قبل النشر. حاز جائزة مجلة “شعر” على كتابه “ماء الى حصان العائلة ” وكان الثالث في نيلها بعد السياب وادونيس . هو اول من كتب قصيدة التثر عام 1959 ونشرها في “النهار” تحت ترويسة قصيدة نثر وناقشها خميس مجلة “شعر” كما ورد في كتاب  الباحث جاك اماتاييس. وقد ذكر ذلك في مقابلته الاخيرة في موقع المدن في 18/ 8/ 2024.

ترك شوقي ابي شقرا اوراقه وقصيدته على الطاولة في البيت على صهوة الامل. ولكن الايام بخيلة على الاحلام. له في الكتب والمؤلفات: “اكياس الفقراء” 1959، و “خطوات الملك” 1960، و”ماء الى حصان العائلة”1962حاز جائزة مجلة “شعر”  وطبعة ثانية 1974، و “سنجاب يقع من البرج” 1971 وطبعة ثانية 2024 (دار نلسن) ، و”يتبع الساحر ويكسر السنابل راكضا” 1979 و “حيرتي جالسة تفاحة على الطاولة” 1983،  و”لا تاخذ تاج فتى الهيكل” 1992، و”صلاة الاشتياق على سرير الوحدة” 1995، و”ثياب سهرة الواحة والعشبة” 1998، و “سائق الامس ينزل من العربة “2000، و” نوتي مزدهر القوام” 2003 ، و”تتساقط الثمار وليس الورقة” 2005، و”ابجدية الكلمة والصورة” (نصوص التكريم في انطلياس) 2009، و”شوقي ابي شقرا يتذكر”2017، “عندنا الاهة  والأغنية وجارنا الصدى” 2019، و”انت والانملة تداعبان خصورهن “2020، “حبر ترجمات كالخمر يعتق” 2023. وهناك كتاب قيد الاصدار ويضم المقالات التي كتبها شوقي في “النهار” في وداع الراحلين المبدعين الكبار في لبنان ودنيا العرب وهو بعنوان “حتى ينام الراقدون-  نتسامر نحن والفرقد والشمعة ابنة الارض” (أعذرني يا معلمي انها المرة الاولى التي اذكر فيها العنوان قبل صدور الكتاب). 

خاض شوقي ابي شقرا في مساره الشعري في رحلة وجودية غتائية جمالية عمرها اكثر من نصف قرن . كان لديه قاموسه الخاص. لم يستعن باسطورة من الداخل ولا بمرجعية من الخارج. انتمى الى المكان الى القرية الى الجغرافية اللبنانية كما عاشها وارتوى منها. اعطى للكلمات المهملة في قاموس اللغة خضورا أوفى ودلالات. واستخدم كلمات اللاهوت والمسميات الكنسية في سياق شعري جميل. وظف المفردات القروية في القصيدة. وغرف من تاريخه الشخصي الحزن والطرافة والدهشة والغرابة. وتعلم كيف يكتب القسوة من خلال الطرافة.

تصرف شوقي في اللغة تصرف الكبار . اتقن الاصول اولا ثم راح يجدد ويبتكر ولبث على اصالته. واذا وجد ان القصيدة ستشبه غيرها سارع الى بناء منطق لغوي مغاير يتوهج في صياغة التركيب. يريد ان يفتح النص زهوة وشعلة.

لبث شوقي حتى اخر أيامه منفتحا على التجارب ويسأل عن قصائد جديدة واصوات نضرة. كأنه يريد ان يتجسس على المسار واتجاهه. وكان يحزن اذا قرأ قصيدة غير ناجحة . ويسأل كيف تنجو  القصيدة. اه يا شوقي كم كانت القصيدة صعبة لولا الخيال. ظل شوقي ابي شقرا في العبارة الشعرية والنثرية صنو نفسه. واذا كتب جملة او مطلعًا نعرف انه شوقي. شعره صلة وصل بين الذات والمكان والروح بين القرية والمدينة والكون. اختصر في تجربته جوهر المدرسة اللبنانية  في الشعر والمفتوحة على الاختيار والنقد والتسامح والجمالية. واكتشفنا في صوته صوت التطهر من الاثام  والمرارات. صوت الطفولة التي تسكننا كالملح فلا نفسد. صدى الكلمة التي ترن بين الصحو والغمام وبين الجمال و المستحيل. كان همه ان يعيد الشعر باستمرار الى الحياة.

ينقل شتراوس عن ديدرو هذا الكلام ان على الشاعر التمتع بصفتين اساسيتين الى جانب علاقته المستمرة بالطفولة :الاخلاق والافاق. وهذه العبارة تختصرسوقي ابي شقرا فيما كتب ولعب وسما.

ها انا على مدى نصف قرن من الصداقة ارثي الصديق الكبير الذي خسرته . وكنت اتصل به كلما بحثت عن صواب في الصرف والنحو. وكلما استشرته بأمر او قضية ومدني بالرأي  الحكيم. وكلما ضاع مفتاح في هذا الكون. كتاب مفتوح هو شوقي  عين مياه صافية. عفوي . خفر مع دماثة ريفية رهبانية. تقرأه في القامة الفارعة وصفاء السريرة وطيبة القلب.

في حواري الاخير معه قال: الشعراء وهم من هم . لا بد من قصر لهم . والتراب هو من هو. وهو الارأف  بنا بالقصائد واصحابها . لا يمكن ان تشفي طعنة الشعر الا بالغفران .

ولكن يا الحبيب شوقي لا يمكن ان تشفي طعنة  الغياب الا بالأمل. كم كانت الحياة مستحيلة لولا القصيدة لولا الامل لولا الحب.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *