غسان كنفاني القضية والوطن
نيسان سليم رأفت
قامت إسرائيل باغتيال الصحافي والأديب والفنان والسياسي الفلسطيني الشهير غسان كنفاني، بطريقة بشعة، عكست اجرام المنفذين وحقدهم ورغبتهم، ليس فقط في قتله، بل محيه إلى الأبد، حيث قُتل بطريقة غير مسبوقة، فهي المرة الأولى التي يلجأ فيها الموساد لاستخدام التفخيخ في القتل، وبشكل فجائعي أيضا، لأن الشاب ابن السادسة والثلاثين، الزوج المحب والأب لطفلين، المريض بالسكّري، لم يكن رجل حرب ميداني بل كان سياسياً، رجل أدب وفن، روائي ورسام، وصحافي، لم يطلق النار على الاحتلال، لم يفجّر به عبوة ناسفة، ولا شارك في خطف طائرة أو جنود، لم يقتحم موقعا عسكريا، كان يكتب، فهل إلى هذه الدرجة أخاف قلم غسان كنفاني وفكره الاحتلال ومخابراته؟!
لقد كان أدب كنفاني، وما زال، المظلة الحامية للقراء الذين لم يجدوا أصدق منه قولا وتعبيرا عن القضية، وستظل أفكاره وروحه آتية من زمن القلق والرعب الاحتلالي، من الكلمة والموقف الفلسطيني الثوري.
حين لا تهدأ ولا تستسلم ولا تتراجع، يكون مصيرك سيارة مفخخة أو كمين أو طلقة من كاتم صوت، ليعلو صوتك في الجبال والوديان والتلال والأرياف والمدن وأزقة المخيمات، في الأدب والكتب والأغنيات.
لم ينفجر جسد غسان كنفاني في بيروت وحدها، ولم تتناثر أشلاءه في الحقول والبساتين القريبة، بل إنها تعدت كل الأسلاك الشائكة وأبراج المراقبة والنقاط الحدودية وإجراءات التفتيش وتعدت أعين المخبرين لتصل إلى فلسطين، كامل فلسطين.
الثامن من تموز عام 1972
لقد غاب كنفاني عن عمر العطاء المطلق بعد أن أنجز الكثير وترك وراءه شعباً مكلوماً ومشاريع عظيمة لم يقدر لها الاكتمال.
في الثامن من تموز عام 1972 هز انفجار ضخم منطقة الحازمية في بيروت، ليتبين في ما بعد أنها سيارة غسان كنفاني، الذي تطاير جسده في الأرجاء، مع ابنة أخته التي كانت برفقته، فيما كانت ابنته ليلى تجلس على درج البناية مع صديقاتها تأكل الشوكولاتة التي أعطاها اياها قبل دقيقتين.
في مكان الانفجار عثر المحققون على قصاصة ورق عليها شعار اسرائيل، نجمة داود السداسية، وكتب عليها “مع تحيات سفارة اسرائيل في كوبنهاجن”، واذا كانت اسرائيل رسميا قد التزمت الصمت، فيما احتفلت صحافتها بموت “ارهابي كبير” على حد تعبيرها، فان شخصية القتيل ووقائع القتل لا تترك مجالاً للشك في هوية القتلة.
عند استشهاده، كان غسان كنفاني، اضافة إلى قيمته الأدبية والفنية والصحافية الرفيعة، عضواً في المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والأهم أنه كان رئيس تحرير مجلتها المركزية (“الهدف”) مما منحه فرصة للإطلالة على العالم الخارجي والاتصال به ومنح هذا العالم أيضا فرصة الاطلاع على الواقع الداخلي الفلسطيني من خلال شخص غسان.
وهنا علينا أن نسأل لماذا قتلوه؟
أرض بلا شعب
عندما احتلت العصابات الصهيونية فلسطين عام 1948 نفذت عملية تدمير منهجي للمجتمع والشعب الفلسطيني، فطردت الاغلبية الساحقة منه خارج الوطن ودمّرت البنى الثقافية والاقتصاد وفككت أواصر المجتمعات المحلية وبددتها في المنافي.
كل ذلك لإثبات صحة ادعائها بأن فلسطين أرض بلا شعب وإذا “صادف” وجود سكان في هذا البلد فهم لا يرتقون إلى مستوى “شعب”، بل جماعات من البدو التائهين المتخلفين.
غسان كنفاني وجيله من فلسطينيي ما بعد النكبة (ولد غسان كنفاني عام 1936 وكان في الثانية عشرة عند وقوع النكبة) شكّلوا رداً ساحقاً على الادعاء الاسرائيلي وأعادوا احياء شعبهم من رماد الحريق ونقلوه من التشرد والهامشية الى بؤرة اهتمام العالم، من لاجئين الى مقاومين يسعون إلى العودة وهذا ما عبر عنه غسان في عبارة حاسمة ”كن رجلاً تصل إلى عكا في غمضة عين، أما إذا كنت لاجئاً فقط فلن تراها أنت ولن يراها أحفادك”.
وإذا كانت غولدا مائير –رئيسة وزراء اسرائيل في مطلع السبعينيات- قد قالت: ”لايوجد شيء اسمه شعب فلسطين” و”الكبار سيموتون والصغار سينسون”، فقد كان غسّان وجيله الرد البليغ على هذه الأمنية الصهيونية، عاش الصغار الذين لم ينسوا وتحول القصة لمن بعدهم، وهذا ما كان يفعله غسان ببساطة في قصصه ورواياته.
ولأن اسرائيل تضيق بكل انجاز وصوت فلسطيني مناهض لها ومسموع عالمياً، فقد كان من الطبيعي أن يكون غسان هدفاً ولكن هناك أسباب أخرى مباشرة عدا عن السبب الجوهري أعلاه..
عملية مطار اللد والانتقام
العالم لن ينسى وجه غولدا مائير وهي تجهش بالبكاء أثناء تفقدها قتلى عملية مطار اللد عام 1972، ففي الـ 30 من أيار/مايو هاجمت مجموعة من المناضلين في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجيش الأحمر الياباني بقيادة المناضل الأممي كوزو أكوموتو مطار اللد. وقد جاءت العملية رداً على عملية الكوماندوس الاسرائيلي ضد مطار بيروت وطائرات شركة طيران الشرق الأوسط، حيث ألقت المجموعة الفدائية خمس قنابل يدوية، ثلاث منها على الطائرات الجاثمة في المطار وواحدة على قسم الجمارك في المطار والخامسة على السيارات الموجودة في المطار، وقد أسفر ذلك عن قتل 26 إسرائيلياً وجرح أكثر من 80 آخرين.
بعد إلقاء القنابل قامت المجموعة بالانسحاب من المطار واشتبكت في طريقها مع دورية إسرائيلية قرب سجن الرملة حيث أسفر الاشتباك عن إصابة 5 أفراد من الدورية.
وهناك معلومات مؤكدة عن مقتل عالم اسرائيلي كبير، وربما شقيق رئيس اسرائيل حينها أفرايم سوتير، وكرد على ذلك أقسمت غولدا مائير على قتل أكبر رأس مفكر في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ووضعت لائحة ضمت على رأسها غسان كنفاني وقياديين آخرين في الجبهة.
وثمة خطأ شائع يربط اغتيال غسان كنفاني بقائمة الثأر التي وضعتها غولدا مائير رداً على عملية ميونيخ، وهذا الخطأ تبناه صحافيون عرب عن الصحافي الاسرائيلي ايتان هابر، الذي كتب تقريراً عام 2005 في يديعوت أحرونوت، حول كشف جديد مرتبط بـ “حملة الثأر” أعقاب مقتل رياضيين اسرائيليين في ميونيخ. وتم زج اسم غسان كنفاني في التقرير من دون سبب، أو بشكل ملتبس، كون التسلسل الزمني للأحداث يجعل اغتيال كنفاني سابقاً على حملة الثأر، بل مرتبط بقائمة أخرى تماما، إذا لاحظنا أن عملية مطار اللد وقعت في أيار، وأغتيل كنفاني بعدها بشهر تقريبا في تموز، بينما وقعت عملية ميونيخ لاحقا في أيلول.
في جميع الأحوال كان اغتيال غسان كنفاني ضربة قاسية للجبهة الشعبية وللعمل الوطني الفلسطيني عموما، ومن الواضح أن الاسرائيليين كانوا يعرفون بالضبط من يكون وماذا يمثل غسان كنفاني، ومن أجل هذا قتلوه.