سجلوا عندكم

زِياد الرَّحْباني… مِنْ النَّوْمِ ساعَتَيْنِ إِلى نَوْمٍ أَبَدِيّ أَوِ استِكْمالِ دَرْبٍ فَنِّيّ؟

Views: 2574

بريجيت فضّول

أُسْبوعٌ مَضى عَلى رَحيلِ زِياد الرَّحباني.

قَدْ تَأَخَّرْتُ في الْكِتابَةِ كَثيرًا، وَأَعْتَرِفُ أَنَّ السَّبَبَ يَعودُ إِلى جُمودِ قَلَمي الْأَدَبِيِّ جُمودَ السَّيِّدَةِ فَيْروز في عَزاءِ وَلَدِها، وَإِلى غَزارَةِ الْمَشاعِرِ الْمُرْبِكَةِ الَّتي عَقَّدَتْ سَيْرَ الْعَمَلِيَّةِ التَّعْبيرِيَّةِ عِنْدي بِشَكْلٍ عامٍّ وَالْكِتابِيَّةِ بِشَكْلٍ خاصٍّ. لَمْ أَتَعَرَّفْ إِلى زِياد شَخْصِيًّا، وَلكِنَّني عَرَفْتُ زِياد شَخْصًا رَبَطَتْني بِهِ أُمورٌ بَسيطَةٌ، وَلكِنَّها غَيْرُ مُكْتَمِلَةٍ، مَشوبَةٌ كُلُّها بِالنَّقْصِ وَالتَّرَدُّدِ وَالْكَسَلِ وَالتَّأْخيرِ.

الْأَمْرُ الْأَوَّلُ: قَراري التَّعَمُّقُ في حَياةِ السَّيِّدَةِ فَيْروز وَعائِلَتِها الصَّغيرَةِ، مِنْ خِلالِ الْغَوْصِ في الْإِرْثِ الْفَنِّيِّ الَّذي تَرَكوهُ لِلُبْنان وَالْعالَمِ. وَقَدْ أَخْبَرَني أَحَدُ الْأَصْدِقاءِ أَنَّ زِياد بَدَأَ رِحْلَتَهُ الْفَنِّيَّةَ في عُمْرٍ صَغيرٍ، مِمّا زادَ حماسي وَرَغْبَتي في سَماعِ الْمَزيدِ وَحِفْظِ الْمَزيدِ، وَلكِنَّني لَمْ أَفْعَلْ شَيْئًا مِنْ هذا الْقَبيلِ، وَبَقِيَ أَرشيفي الْموسيقِيُّ الْخاصُّ بِالْعائِلَةِ الرَّحْبانِيَّةِ هَزيلًا وَقْتًا طَويلًا.

الْأَمْرُ الثّاني: رَغْبَتي في قِراءَةِ كِتابٍ وَجَدْتُهُ صِدْفَةً في إِحْدى الْمَكْتَباتِ الَّتي غالِبًا ما كُنْتُ أَرْتادُها في سَنَواتِ الْجامِعَةِ الْأولى. اشْتَرَيْتُ كِتابًا لَفَتَني بِهِ زِياد مَرْسومًا عَلى الْغِلافِ الْأَمامِيِّ، وَكانَ الْعُنْوانُ “زَمَن زِياد، قدَّيْش كانْ في ناس” لِلْكاتِبِ طَلال شتوي. لا أَذْكُرُ إِلّا أَنَّني كُنْتُ أَشُمُّ صَفْحاتِ الْكِتابِ كُلَّ لَيْلَةٍ – هذِهِ عادَتي عِنْدَ شِراءِ أَيِّ كِتابٍ جَديدٍ، لِأَنّني أُحِبُّ رائِحَةَ الْوَرَقِ وَالْحِبْرِ وَالْمُرَكَّباتِ الْمُتَطايِرَةِ الْأُخْرى – وَكُنْتُ أَتَأَمَّلُ الْكِتابَ كُلَّ مَساءٍ مِنْ دونِ أَنْ أَقْرَأَ صَفْحَةً مِنْهُ – كانَ هذا الْأَمْرُ جَديدًا نِسْبِيًّا. وَضَعْتُهُ حينَذاكَ بِجانِبِ وِسادَتي في الْمِساحَةِ الفارِغَةِ الَّتي تَفْصِلُ بَيْنَ طَرَفِ الْوِسادَةِ وَطَرَفِ السَّريرِ، وَذلِكَ حَتّى أَنْدَفِعَ وَأُباشِرَ بِقِراءَتِهِ صَباحًا أَوْ قَبْلَ النَّوْمِ، وَلكِنَّني لَمْ أَفْعَلْ شَيْئًا مِنْ هذا الْقَبيلِ أَيْضًا حَتّى صارَ الْيَوْمَ مَرْصوفًا بَيْنَ حُزْمَةِ كُتُبٍ مَقْروءَةٍ وَغَيْرِ مَقْروءَةٍ في بَلَدٍ أَبْعَدَ مِنْ حُدودِ ذاكِرَةٍ حَيَّةٍ.

الْأَمْرُ الثّالِثُ: أُمْنِيَتي أَنْ أَسْتَمِعَ إِلى زِياد في عَرْضٍ حَيٍّ عَلى أَرْضِ الْمَسْرَحِ، وَهُوَ يَعْزِفُ على آلَةِ الْبيانو في بَيْروتَ. لَمْ يَكُنِ الْوَضْعُ الْأَمْنِيُّ في الْبَلَدِ مُسْتَقِرًّا حينَها، فَفي كُلِّ مَرَّةٍ كُنْتُ أَتَرَدَّدُ في الْخُروجِ مِنَ الْبَيْتِ لَيْلًا خَوْفًا مِنْ حُصولِ أَيِّ مَكْروهٍ، وَلَمْ أَذْهَبْ، وَلَمْ أَفْعَلْ شَيْئًا مِنْ هذا الْقَبيلِ، حَتّى رَحَلَ زِياد مِنْ أَرْضِ بَيْروتَ وَأَرْضِنا، وَذَهَبَ الْمَسْرَحُ، وَتَحَشْرَجَ الْبيانو الْمُنْتَظِرُ عَلى أَمَلِ أَنْ تُحْيِيَهُ أَنامِلُهُ الََّتي اشْتاقَ لَمْسَ يَمينِها وَيُسْراها، وَاعْتِدالِها وَتَطَرُّفِها. 

وَلكِنْ، هَلْ رَحَلَ زِياد حَقًًّا أَمْ أَنَّهُ يُعَوِّضُ نَوْمًا ناقِصًا ازْدادَ نَقْصُهُ مَعَ تَقَدُّمِ الْأَيّامِ؟

أُسْبوعٌ مَرَّ وَمُقابَلاتُ زِياد، وَأَغاني زِياد، وَمَسْرَحِيّاتُ زِياد، وَأَقْوالُ زِياد، وَمَواقِفُ زِياد، وَآراءُ زِياد، وَرُؤْيَةُ زِياد تَجْتاحُ الْقُلوبَ اشْتياقًا، وَفُضولًا، وَفَرَحًا، وَأَسَفًا، وَعَظَمَةً صُعودًا وَهُبوطًا مَعَ نُوتَةِ قَلْبٍ هَمَد وَنَغَماتِ وَريدٍ شَرَد.

وَمِنَ الْجَديرِ ذِكْرُهُ أَنَّ زِياد صَرَّحَ في حَلْقَةٍ خاصَّةٍ في بَرْنامَجِ “بَعدنا مَع رابِعة” عامَ 2013 أَنَّهُ لا يَسْتَطيعُ النَّوْمَ أَكْثَرَ مِنْ ساعَتَيْنِ في الْيَوْمِ الْواحِدِ قائِلًا:

“مَثَلًا أَنا بْحِبِّ النّومِ كْتير، بَسْ بْنام ساعْتينْ… لَهَلَّأْ ماشي الْحالْ. بَسْ بَلَّش يْبَيّْنوا إِنّو مَنُّنْ كافْيينْ… يَعْني مِنْ وَرا شو؟ الْعُمِرْ”.

وَفي حَلْقَةٍ أُخْرى نُشِرَتْ عَبْرَ مِنَصَّةِ فيسبوك، مِنْ دونِ ذِكْرِ اسمِ الْبَرْنامَجِ وَلا تاريخِ الْبَثِّ، سَأَلَهُ الْمُذيعُ ماذا يَفْعَلُ وَهُوَ نائِمٌ، فَأَجابَ زِياد:

“كِلّْني نَشاط وْحَيَوِيَّة… بِتْضَلَّكْ مْكَفّي اْلِإْشيا الّلي صارِتْ مَعَكْ قَبِلْ ما تْنامْ… بْصيرْ كَفّي التِّعْليماتْ عَ الْعالي… في ناسْ بيحَدّْثوني أَنا وْنايِمْ… بيقولولي إنّو بيحَدّْثوني، بْجاوِبْ…” 

هذا هُوَ زِياد في سِباقِ الزَّمَنِ، يُكْمِلُ ما كانَ قَدْ بَدَأَ بِهِ قَبْلَ أُسْبوعٍ وَقَبْلَ نَوْمِهِ الطََّويلِ. أَراهُ يُكْمِلُ التَّعْليماتِ بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ وَبِثِقَتِهِ الْمَعْهودَةِ. أَرى النّاسَ يُحَدِّثونَهُ يَوْمِيًّا سِرًّا وَجَهْرًا، وَأَرى السَّيِّدَةَ فَيْروز تُحَدِّثُهُ وَهُوَ نائِمٌ بِجانِبِها، في تِلْكَ الْحَديقَةِ الْجَبَلِيَّةِ. هِيَ تُحَدِّثُهُ وَهُوَ يُجيبُ كَما كانَ يَفْعَلُ في السّابِقِ، وَيُكْمِلُ دَرْبَ التَّلْحينِ وَالتَّأْليفِ وَالْغِناءِ وَالنَّقْدِ البَنّاءِ وَالتَّمْثيلِ وَالتَّأْثيرِ بِالْأَجْيالِ. 

يَبْقى “زِيادُ الرَّحْباني” زِيادَ الرَّحْبَ الْباني، الَّّذي يُلَبّي النِّداءَ مِنْ نَوْمِهِ وَيَفْرَحُ وَيَحْلُمُ “بَلا وَلا شي” وَبِكُلِّ شَيْءٍ. زِياد الظّاهِرَةُ الْكَوْنِيَّةُ، الَّذي تَرَقّى فَجْأَةً في السّادِسِ وَالْعِشْرينَ مِنْ شَهْرِ تَمّوز (يوليو) مِنْ ميزَةِ النَّوْمِ ساعَتَيْنِ إِلى نَوْمٍ لَيْسَ بِأَبَدِيٍّ، إِلى نَوْمٍ أَدَبِيٍّ فَنِّيٍّ نابِضٍ مُقاوَمَةً في ثَوْرَتِها سَلامٌ وَمَحَبَّةٌ. 

2 آب (أغسطس) 2025

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *