سجلوا عندكم

الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ وَالكَلِمَةُ الحَاقِدةُ

Views: 636

العميد الركن المتقاعد صلاح جانبين

كَثِيرٌ مِنَّا يَكْتُبُ عَلَى وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الاجْتِمَاعِيِّ كَلَامًا رَاقِيًا، جَامِعًا، مُوَجَّهًا، هَادِفًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكْتُبُ كَلَامًا جَانِبِيًّا، حَاقِدًا، مُشَوِّشًا، مُفَرِّقًا. وَمَا أَحْوَجَنَا فِي هَذَا الزَّمَنِ الَّذِي نَعِيشُهُ إِلَى الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ المُحِبَّةِ المُعْطَاءَةِ، الكَلِمَةِ الَّتِي يَعْبُرُ بِهَا النَّاسُ نَحْوَ الخَيْرِ، لَا أَنْ تَكُونَ كالفَأْسِ تَهْدِمُ صُرُوحَ الإِنْسَانِيَّةِ. فَكُلُّ كَلِمَةٍ تَنْطِقُ بِهَا هِيَ اخْتِيَارٌ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ بَانِيًا أَوْ هَدَّامًا، وَلِذَلِكَ قَالَ الحُكَمَاءُ: “اللِّسَانُ لُغَةُ القَلْبِ”، فَأَصْلِحْ قَلْبَكَ تُصْلِحْ كَلِمَاتِكَ.

فَمَا هِيَ مُمَيِّزَاتُ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ؟ وَمَا هُوَ الفَرْقُ فِيمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الكَلِمَاتِ الشَّاذَّةِ؟

مِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّ الفَرْقَ بَيْنَ الكَلِمَتَيْنِ جَوْهَرِيٌّ وَشَاسِعٌ، كالفَرْقِ بَيْنَ البِنَاءِ وَالهَدْمِ، أَوْ كالفَرْقِ بَيْنَ النُّورِ وَالظَّلَامِ، وَالخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَالصَّالِحِ وَالطَّالِحِ، وَ… .

فَالكَلِمَةُ البِنَائِيَّةُ هَدَفُهَا البِنَاءُ وَالإِصْلَاحُ وَالتَّقْرِيبُ بَيْنَ القُلُوبِ وَنَشْرُ الخَيْرِ، أَمَّا الكَلِمَةُ الحَاقِدَةُ فَغَايَتُهَا العَدَائِيَّةُ وَالإِهَانَةُ وَالهَدْمُ وَالإِيذَاءُ وَبَثُّ الفُرْقَةِ وَإِشْبَاعُ الغِلِّ وَالحَسَدِ.

وَمِنَ المَنْطَلَقِ النَّفْسِيِّ: الهَدَفُ مِنَ الأُولَى هُوَ الرَّحْمَةُ وَإِسْدَاءُ النُّصْحِ، كَمَا الإِخْلَاصُ وَالحِرْصُ عَلَى المَصْلَحَةِ العَامَّةِ، أَمَّا الثَّانِيَةُ فَهَدَفُهَا السُّخْرِيَةُ وَالحِقْدُ وَالغِلُّ وَالأَنَانِيَّةُ، كَمَا الرَّغْبَةُ فِي الانْتِقَامِ وَالإِقْصَاءِ.

وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ مَوْضُوعِيَّةٌ، تُعَبِّرُ عَنِ الحَقِّ وَالعَدْلِ، وَالتَّشْجِيعِ وَالتَّقْدِيرِ، بِالاِضَافَةِ إِلَى تَقْدِيمِ الحُلُولِ العَمَلِيَّةِ لِلمَشَاكِلِ العَالِقَةِ. فِيمَا الكَلِمَةُ الحَاقِدَةُ فِيهَا الافْتِرَاءُ وَالتَّجْرِيحُ وَالتَّشْوِيهُ وَالتَّحْرِيضُ وَالتَّهْوِيلُ.

وَمِنْ نَاحِيَةِ الأُسْلُوبِ: فَالأُولَى تَعْبِيرٌ صَادِقٌ وَلُطْفٌ وَاحْتِرَامٌ وَحِكْمَةٌ، كَمَا تُقَدِّرُ مَشَاعِرَ الآخَرِينَ. غَيْرَ أَنَّ الثَّانِيَةَ تُعَبِّرُ عَنِ اللُّغَةِ العَدَائِيَّةِ وَالعَصَبِيَّةِ وَالاِسْتِفْزَازِ وَالسُّخْرِيَةِ وَالتَّحْقِيرِ.

كَمَا أَنَّ الكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ تَقُومُ عَلَى قِيَمِ الصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ وَالمَسْؤُولِيَّةِ، وَتُقَوِّي الرَّوَابِطَ الاجْتِمَاعِيَّةَ، وَتَنْشُرُ الثِّقَةَ، وَتُشَجِّعُ التَّعَاوُنَ وَإِصْلَاحَ ذَاتِ البَيْنِ. فِي المُقَابِلِ: الكَلِمَةُ العَشْوَائِيَّةُ المُنْحَرِفَةُ تَقُومُ عَلَى الكَذِبِ وَالغَدْرِ وَالتَّنَمُّرِ وَالاِسْتِغْلَالِ، بِالاِضَافَةِ إِلَى أَنَّهَا تُمَزِّقُ العَلَاقَاتِ الاجْتِمَاعِيَّةَ، وَتَنْشُرُ الشُّكُوكَ، وَتُعَمِّقُ الخِلَافَاتِ، وَتُثِيرُ الفِتَنَ.

فَمَا أَحْوَجَنَا إِلَى الكَلِمَةِ المُعْطِيَةِ الهَادِفَةِ البِنَائِيَّةِ المُوَحِّدَةِ، بِهَدَفِ الوَحْدَةِ وَالاِسْتِقْرَارِ وَالتَّقَدُّمِ المُجْتَمَعِيِّ. وَإِلَّا فالفُرْقَةُ وَالصِّرَاعَاتُ وَالتَّرَاجُعُ الأَخْلَاقِيُّ وَتَرَاكُمُ السَّلْبِيَّاتِ.

فَالاخْتِلَافُ لَا يُفْسِدُ لِلْوُدِّ قَضِيَّةً، فَلْنَتَحَاوَرْ بِحُبٍّ لِلْوُصُولِ إِلَى أَفْضَلِ حَلٍّ يُرْضِي الجَمِيعَ.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *