حين يُهزَم الرجاء ولا ينكسر
فيصل طالب
المدير العام السابق لوزارة الثقافة
عندما يُثقل السماءَ غيمٌ جَهام لا يحمل غير الانتظار المخذول، ندرك أنه غيم بلا ذاكرة، أو غيم الظنّ الكاذب الذي يلوّح بالعطاء ويستبطن الخواء. إنّه غيم الوهم الذي تعلّم فنّ الخداع والإغراء المضلّل من السراب الذي يشعل في القلب نار الوعد، ثم يحيله إلى رماد النكث، ويومئ بوهج الماء، ثم يمدّ صحراء السعي إليه من غير جدوى، ويقف كساحر قديم يُخرِج من ظلال الغموض خيوطاً يحيك بها ما ليس موجوداً.
بين الحقيقة والسراب مسافةٌ من الأحلام المؤجّلة والأمال المعلّقة. السراب يخدع البصر، والحقيقة تصدق البصيرة. السراب يلمع والحقيقة تضيء؛ لأن المعنى لا يُقاس بما تلمحه العين، بل بما يتبصّره القلب، وليس بما يمرّ بنا عابراً، بل بما يبقى فينا متجذرّاً حيّاً في الأعماق.
الحقيقة لا تجاري، بل تجرف، كالنهر الجاري، ما لا يجاريها كأوراق الخريف، تاركةً وراءها فراغاً صامتاً يشبه صمت الأشجار بعد عريها. لكن هذا الصمت ليس موتاً، بل استعداد لبداية أخرى. فكما تتجرّد الأشجار من اوراقها، فإنّها تخفي في أعماقها براعم الحياة المتجدّدة، ولأنّ ما تجرفه الحقيقة يحمل دائماً بذور الأحلام الجديدة، ولأن الغيم العقيم لا بدّ أن تعقبه مُزْن الخير العميم!
ومن غير الرجاء يُبقي جذوةَ الحياة في القلب، ويحوّل الأحلام إلى حقائق؟! إنه القوّة التي لا تُبنى على اليقين، بل على الإيمان بأنّ “على هذه الأرض ما يستحق الحياة”. ما أصدقَ هذا الرجاء، وما أعظمه، حين يُخفق مرّات ولا يستسلم، كالموج الذي يحجم في جزره ثمّ يُقْدِم في مدّه، أو كطائر يتوارى بين الأجَمَة من شدة الريح، ثم ينهض مع أوّل همسة للسكون ليحلّق من جديد، أو كنسمة تبحث عن واحة خفية في صحراء قاحلة لا تراها العين، بل يهتدي إليها القلب، أو كشمعة ترتجف على حافة الريح، لكن نورها لا ينطفئ. الرجاء هو الوعد القديم بالخلاص، والقصيدة التي تنبض في قلب شاعرها، والزهرة التي تشقّ طريقها إلى النور بين شقوق الصخر، والفراشة التي ترقص على حافة الضوء، وتلامس الحلم رغم نذير الاحتراق. هو نبض القلب الذي لا يعرف كيف يطفئ صوته الأخير، والحبل السري الذي يربطنا بالغد، من غير أن يقطعه يأس أو يفكّكه شكّ، لأنّه منسوج من خيوط الشمس التي تولد من رحم الظلام.
هكذا يبقى الرجاء كالنجمة التي تختلسها السحب، فتظنّها العين قد انطفأت، وهي في الحقيقة لمّا تزل تضيء من وراء الحُجُب. فالحياة كلّها ليست سوى رجاء يتجدّد بعد كل إخفاق، كالسنبلة التي تنحني تحت ثقل المطر، ثمّ ترفع رأسها بعد انحساره، وكالطير الذي لا يتوقف عن بناء عشّه مهما رقصت به الريح، لأنّه يعلم أنّ هدوء العاصفة ليس وهماً، بل موعداً لا يُخلف.



