“ما بين الماضي والحاضر”: حنين يعبر القارات

ابتسام غنيمه
بين الماضي والحاضر، بين الأمس واليوم، بين بارحة تعبق بأريج الطّفولة والذّكريات، وحاضر يضجّ بصخب الحياة وألم النّاس… بين أرض دافئة في أحضان أهل وأصحاب، وغربة باردة تدفئها الذّكريات، خطّت الطّبيبة ماري نخّول بالقلم والرّيشة، أصداءَ روحها المبعثرة بين الهّنا والهناك، وحنينها المشتعل أبدًا حبًّا وشوقًا ووفاء.
“ما بين الماضي والحاضر”، وجدانيّات نخّوليّة، غرفَتها الكاتبة من عمق أعماق قلبها، كَمشة حكي وشويّة كلمات، مختصرة مشاعرها، خزنتها في ثمانين صفحة مزيّنة برسوم تعبيريّة، وأبَتْ إلّا أن تشارك القرّاءَ كنوزَها الذّاتيّة، فصدرت عن دار الجيل في حلّة أنيقة ومتميّزة.
أهدَت ماري كتابها إلى “الياس وهند ونبيل: الشّعلة والصّمت والبذرة”، واستهلّته بالصّمت، بهند التي رحلَت وأقامت “في قلب السّماء”.
ولأنّ الذّكرى تبقى “كالصّلاة ترتفع”، تُبحر في ذكرياتها من أرض العمّ سام، وتمخر عباب المحيطات، تختصر المسافات، فإذا بعينَيها: واحدة مركزها القلب، لا تُبصر إلّا الوطن والضّيعة والأهل والأصدقاء، وأخرى مسلّطة على الواقع؛ فتزوغ نظراتها، وتترنّح الكلمات في مناجاة حبّ وعتاب: “أراهم أمامي، ولا أراهم/ ألوم الحياة أو مَن ألوم”. غير أنّها ترفض الحاضر والنّجاح العمليّ، كونه “سفينة تطفو في الضّباب”، في المجهول، في السّراب: “دفء الغربة فخّ/ فخامة، جاه تافه/ في منزل تائه”. إنّها في الغربة فراشة تقتات “من حنينها”، غريبة عن أرضها… فتثور على الزّمن الذي يغيّر كلّ شيء، وتتأجّج عاطفتها، وتعصف بها رياح الحنين والنّقمة، فتُبرز صورة متناقضة بين أمنيات أمّ لم تفهَمها إلّا يومَ أصبحت أمًّا، ورغبات طفلة، مختصرة بكلمات قليلة جوهر مشاعرها، إذ تقول: “وعم تمرق هيدي الأيّام/ بغفلة عمر/ وإنتِ عمفرق الأحلام/ …واقفة عم تدعيلي إكبر/ قلتلّك ما بدّي إكبر/ بدّي بحضنك دايمًا ضلّ/ ما بدّي إكبر وفلّ”.

وتلوذ ماري بفيء الماضي ودفء الدّيار: بكرمة العنب وجدّتها وجدّها، كما تحنّ إلى والدها، وشرفة غرفتها، وقريتها… ولبنانها الحبيب؛ فلا يخلو الكتاب من وقفات وطنيّة “في بلد تنقّل من حداد إلى حداد” تصرخ وجع بيروت المحترقة، التي تعلّمت فيها الطّبّ (خرّيجة الجامعة الأميركيّة في بيروت)، وهي اليوم تقف عاجزة عن مداواة آلامها.
ولفتني تأثّرها جبران خليل جبران في نصّها “لكم لبنانكم ولي لبناني”، حيث أشارت إلى مختلف نواحي الفساد السّائدة في لبنان بفضل المسؤولين والزّعماء، وبيّنَت لبنان الشّعب والكرامة والإباء الذي سيبقى شامخًا يتنفّس رجاء في غدٍ يزهو “ببراعم الأمل/ ونور الشّمس/ وحبّ الحياة”. ولم تنسى صوت فيروز، رفيقها في الوحدة ووطنها في الغربة.
كما انتقدت الحياة الاجتماعيّة في كلمات عفويّة، تناولت فيها جائحة كورونا من منظور إيجابيّ؛ فالابتعاد المجتمعيّ الذي فرضه هذا الدّاء لا أسف عليه في ظلّ الفساد السّائد، والانعزال في البيوت قد يعيد اللّحمة بين أفراد عائلة فرّقتها حياة مزدحمة بمظاهر الكذب والخداع: “يمكن هالفايرس اللّي عم يحاول يفرّقنا يوحّدنا”.
ماري نخّول، أبيّة في “مذبحة الاغتراب”: “إن وقعتُ/ لا أخضع… لا أركع”. تسكنها أمنيّة وحيدة: العودة. تقول: “أمنية وحيدة… أعود ساجدة إلى وطني”.
ها أنتِ اليوم تعودين، شامخة كما الأرز، تحملين تجربتك ومشاعرك رسالة شفّافة إلى كلّ مَن يظنّ أنّ الغربةَ حياة، يسجد الصّدق في محراب كلمتك، وتسجدين رهبة في رحاب أرضك، مرنّمة نصوصك أنشودة حبّ ووفاء.



