قراءةٌ في رغبةِ التمرّد والتملك والالتهام عند الشاعرة فاطما خضر في ديوانها “الوراء المرتبك”
إبراهيم رسول
ثمّةَ هاجسٌ إبداعيٌ, يلّحُ على الإنسانِ, لينقلهُ من حالٍ إلى آخرَ, هذا الهاجسُ الإبداعيُّ, هو هوسٌ إيجابيٌّ, يحققُ من خلالهِ المبدع أو المبدعة, كينونتهما الفريدة, وأعدُّ الهاجسَ الإبداعيِّ عند الشاعرة السّورية فاطما خضر, هو نوعٌ من التجربةِ المدعومةِ بالوعيِ والمعرفةِ, فما نقرأهُ في شعرها ليسَ عواطفَ جياشة فحسب, بلْ إبحارٌ عميقٌ في عوالم شعريٍة خلاقة, تجعلنا نسيح فيها سياحة وجدانيّة وعقليّة, في ديوان (الوراء المرتبك) الصادر عن دار النهضة العربية ومنشورات مرفأ للثقافة والنشر بطبعته الأولى في سنة 2025.
تُبدعُ الشاعرة في خلقِ عالمٍ دافئٍ ولكنهُ مضطربٌ! نجد أنَّ ميزتينِ بارزتينِ تميّزانِ الكتاب الشعري, ألا وهما ميزةُ الصوت الإنساني الصادق للمرأةِ العاشقة, وصوت العقل المتأمّل عند هذه العاشقةِ, التي تتمردُ على السائدِ المُكرر, وتُحاولُ بناء منظور شِّعري جديد, عبر بصمتها المتفرّدة الخاصّة بها, لذا فهي تجربةٌ فريدةٌ تُمثِّلها بكُلِّ تفرد, وهذا الحصر صفة المبدعينَ من البشرِ, الذينَ يضعونَ ذواتهم في المكانةِ الرفيعةِ التي يستحقونَها, هنا في هذا الكتاب الشِّعري, نقرأُ صورةً من صورِ الجمال الخلّاق الذي نتذوقهُ عبر اللّغة الإبداعيّة التي تملكُ ناصيتها, الشِّعرُ كونٌ إنسانيٌ راقٍ, ورُقيّهُ يكمنُ في دهشتهِ, وهذه الدّهشةُ ليست خارجية فحسب, بلْ تكمنُ في عالمنا الداخليّ الذي يتأثر لما يدهشهُ.
الرغبةُ في الإنسانِ هي سعيٌ لامتلاك المُتاح وغير المُتاح, الممكنُ وغير الممكن, الموجودُ أو غير الموجودُ, ما يحتاجهُ الإنسان وما لا يحتاجه, هي رغبةٌ في امتلاكِ الضدّينِ معًا أو مُتفرقينِ, وفي الوراءِ المُرتبك, تجلّت الرغبة في الاثنينِ معًا, في الحضور والغياب, في المباشرة وفي غير المباشرة, في الظاهر والمضمرِ, هذا حسنٌ من حيثِ أنَّه يمثِّلُ حالة من حالاتِ النفس الإنسانيّة في طورٍ من أطوارها, ونزعة من نزعاتها, وصفة من صفاته.
الرغبةُ في الشعرِ غيرها في الفلسفة أو علم النفس, وهي إذن في الشاعر غيرها عند الفيلسوف أو الطبيب النفسي, الشاعرةُ تغوصُ في الشعور واللاشعور في الحقيقة والمجاز, في الباطن وباطن الباطن, الشاعرةُ في الوراء المرتبك, تنظرُ بمنظورٍ يرى جوهر الأشياء وهي حيّة, فهي تتعاملُ من حياة وليس عبر تنظيرات, من عالمٍ شعوريٍ باطنيٍ وليس وصفًا ظاهريًّا خارجيًا , تتناولُ الشيء من داخله, من جوهره, من باطنه, وقيلَ قديمًا: الشاعر من يَشْعرُ ويُشْعِر, وأحسبُ هذه صفةٌ يتفرد بها الشعر عن غيره, لأنَّه صورةٌ عن عالم الإنسان من الداخل, وداخلُ الإنسان هو المحرك الموجّه لسلوكه الخارجيّ.
شعرية الرغبة هي حالةٌ إيجابية مستفزّة موجّه نحو الإبداع غير العادي, لأنَّ الرغبةَ حينَ تلّح على المبدع في التعبّيرِ, ستنحو به نحوَ الجمال الخلّاق الذي يُدهشُ ويطربُ, وفي هذا الكتاب الشعري, تجيء الموضوعات محمّلة بماء الشعر الذي يُبقي الأشياء ويكسبها صفة الخلود بعدَ أنْ تزولَ غيرها, هذا الماء هو نبعٌ خاصٌ للمبدعينِ والمبدعاتِ, إنَّه خاصُ الخاصّ, وهذا ما جعلَ من الشاعرة تملأ عالمها الشعري بهذا الماء الذي يُبللُ قصائدها, ويجعلها مورقة خضراء على الدوام, قصيدة النثر, فنٌ صعبٌ مستصعبٌ, لا يستطيع أنْ يُبدعَ فيه إلَّا طبقة خاصّة ممن يحملونَ معرفة شاملة واسعة, وهذه المعرفة لا بدَّ أنْ تأخذَ من الفلسفةِ الشيءِ الكثير, لأنَّ النصّ لا يعتمد على الموسيقى أو التون في آخرَ الكلمة, بلْ يعتمد على أشياءَ كثيرة مجتمعة, توّلد من النصّ النثري صورة جمالية بديعة.

الرغبةُ حالةٌ نفسيةٌ, وشعورٌ جوانيٌ فرديٌ, يخرجُ إلى الملأ عبر البوحِ الشفيفِ, هذا البوحُ تجربة متفرّدة, وإلَّا بقيَ كما هو عبارة عن حالة مرضية, والتعبّير عن الحالة شعريًا غير التعبير عنها نفسيًا, هنا تبدو الرغبة, محفزّة للإبداع الكبير, وفاتحة المجال لدخولِ عالمٍ جميلٍ خلّاق, الرغبةُ تدفع الإنسان إلى شيءٍ جميلٍ وليسَ كما الحاجة التي هي تُرضى ذاتها بمجرد حصولها على حاجتها, لكن على سبيل المثال, الرغبة في التملك, التميز, النبوغ, الإبداع, الالتهام, الحرية, هنا تبدو الرغبة حالة تُشير إلى الحصول على الشيءِ بأجمل صورةٍ, وجاءت المبدعة, لتقول أجمل ما عندها شعرًا, إذن ليست حاجة في نفسها, تستطيع أنْ تُرضيها بمجرد حصولها على ما تُريد, بلْ هي تطمح إلى أنْ تأخذ وتملك وتتحرر وتبقى قوية وتبقى صاحبة كبرياء وتبقى عزيزة الجانب.
ونأتي إلى عنوان المقالة, لا أعتقد أنّي بحاجة إلى تعريف الشعرية, بلْ سأتجاوزها إلى ما بعدها, لأنَّ الشعرية باختصار هي ماءُ الشعر. ( أو ماءُ الحياة في الشعر), إذن هي سرُ بقاء وديمومة ومكوث, إذن نقرأ الرغبةَ في الديوان الماكث فينا, وشعريةٌ الرغبة ليست تجسيدًا نقديًّا تنظيريًّا بقدر ما هي ابتكارٌ إبداعيٌ للمبدعة, حينَ وظفتْ طاقتها الإبداعية في كسرِ الشائعِ والمغامرة الإبداعية في خوضِ جديدٍ غير شائعٍ, هي قلبت المفهوم, فالمرأةُ الشاعرةُ تُعبّرُ عن المرأةِ الإنسانة, وهنا آيةُ معرفة ورؤية من داخل, لأنَّ المرأةَ تفهم المرأة شعوريًّا وعقليًا, والتعبّير عبر عاطفة وعقل, إذن فنحنُ على موعدٍ مع معرفة ومع جمال, مع دهشة وإثارة, مع مُتعة وتأمُّل, الرغبةُ إذن, شيءٌ إيجابيٌ, حينَ تتجلّى العقلية النسوية في البوحِ سيجعلُ من النّصِّ حمّال أوجهٍ كثيرةٍ, نقرأ هذه الأوجه قراءة عقلية وتارة قراءة عاطفية, قراءة نتيجة دهشتنا وقراءة نتيجة إثارتنا, العقلُ تستفزّهُ الأشياء الخاصة به, والقلب تستفزّهُ الأشياء الخاصة به, إذن واحدةٌ من المُهيمنات الجمالية في تجربة الشاعرة فاطما خضر, هو هذه الصورة, التي يجتمعُ العقل والقلب على مائدة الشعر, ويغدو الشعر المائدة اللذيذة التي تُرضي الطرفين.
تقفُ الشاعرة موقف الفلاسفة, حينَ وضعتِ العنوان غير المُباشر, وتلجأُ إلى سِعتها البلاغيّة لتخلصَ إلى هذا العنوان, الذي ينفتحُ على أوجه كثيرةٍ من التأويّل, هذا الوراءُ, هو الحالة النفسية والشعورية للمرأة, فهي في مجتمعاتنا متأخرة إلى الخلف عن الرجل الذي له الصدارة في كلِّ شيءٍ, فهذه المرأةُ تعاني من التهميش وغياب الذات والهُويّة في مجتمع ما يزال يُعاني من عقدة, ظهور وتمكن المرأة في أماكن قيادية أو رفيعة المستوى, هو قلقُ الرجل من تنحيته وإزاحته إلى الخلف, هو حرصٌ على مكانة يظنّها خاصة له.
أربعةُ فصولٍ في الوراء المرتبك في كل فصلٍ ثمانية قصائد ليكون العدد اثنين وثلاثين قصيدة كاملة, موزعة على الفصول الأربعة وهي( موج, نار, هبوب, فوضى), ففي ضمنِ كل فصلٍ منها ثمانية قصائد, الموضوعُ الرئيسُ الذي يجمعُ هذه القصائد مجتمعة, هو رغبة المرأة في أنْ تكون, في أنْ تُعبّرَ عن ذاتها, في حريتها, في تمردها, في قوّتها, في إرادتها, في أشياءَ تعنيها, وشعرية الرغبة, هي الآلية التي عبّرت من خلالها المرأة عمّا تُريد أنْ تقوله وما تُعانيه, تقول الشاعرةُ في مقدمتها التي أرى أنَّها مفتاحٌ يفك شيفرات الديوان كلّه:
هناك.. في الوراء… حيث يمكن للأنثى أن تقول كلَّ شيءٍ عن الحب والرغبة, ما زال ذلك الوراء مرتبكًا. ( الكتاب: 9).
هي لسانُ من لا لسان لها, وصوتُ من لا صوتَ لها, وجرأة من لا جرأة لها, وشجاعة من لا شجاعة عندها لتقول, في الوراءِ ما زالت الأنثى تقف في الوراء بارتباك, فالرجلُ هو المتقدم والمتصدرُ والمهيمنُ, هذه الموضوع, هو الفكرةُ الرئيسة التي اشتغلت عليها في كلِّ ديوانها, فهي تصور لنا العديد من أنماط السلوك المختلف للأنثى, ففي قصيدة ” غيرة” تقول:
خسرت إلى الآن
عشرين صديقةً
لا أعرفهنَّ
وهناك
خمسون امرأةً
يرجمن خصري سرًّا
حين يلمحنَه
في عينيك
ومئةٌ
يشتمن اسمي
وهنَّ يحاولن إثارتك
ويفشلن..
في هذه القصيدة نقرأ أنماطًا مختلفة من النساءِ,( عشرين, خمسون, مئة) كلهنَّ يُحاولنَ ولكنهن يفشلنَ, لأنَّ الحبيبةَ ماكثةٌ في قلبِ الحبيبِ, هنا تبرزُ الأنثى بكبرياءٍ عال, وهي ممتلئة بالثقةِ, لدرجة أنَّ إحداهن: تخرجُ تركض في الشارع عاريةً كغابة مشتعلة( الكتاب: 37)!, هنا تُقدم لنا نماذج متعددة لكنها تبرز لنا الأفضل عبر شخصية هذه الحبيبة الواثقة الراكزة, فصوتُ الشاعرة هنا, هو صوتُ كلّ امرأة تتعرض لمحاولاتٍ متعددة من نساءٍ غيرها, لكنَّ قوّة شخصيتها, تجعلها مطمئنة إلى نفسها.
إنَّ استمراريةَ الحالة حتَّى الوقت الحاضر والمستقبل ربما, هو دليلٌ على همٍّ صادقٍ في المعاناة, فالوراءُ بما يُمثّله من نسقٍ ثقافيٍ, هو نتيجةٌ لوعي المجتمع وتطوره, لأنَّ موضوعَ المرأة من أهم المواضيع لتطوّر أيَّ مجتمع, لأنَّ المرأةَ عمادٌ هذا المجتمع وهي تشكّله وتبنيه وتقدمه إلى الحياة, فهذا الوراء هو إنعكاسٌ مرآتيٌ لحالة توجد في مجتمعاتٍ كثيرة, هي نقدٌ واعٍ ومسؤول, وحين نقرأ قصيدتها ” حبٌ ينمو فوق جسدي” التي تقول فيها:
يعلقُ عقلي
قلبي على الحائط
قائلاً ( يُرجى عدم اللمس)
لكنّ حضورك لا يلتزمُ
بالتعليمات.( الكتاب: 20)
هذه صورةٌ شعريةٌ لنمطِ ما ترسمه من صور للمرأة, فالعقلُ هو الذي يقود القلب وليس العكس, فالآمرُ هو العقل صاحب السلطان, هو تأكيدٌ على تقديمِ صورة للأنثى غير نمطية, فهي تُقدم صورة لأنثى عاقلة تتحكم بمشاعرها, وقولها: أنّ العقل هو الذي يُعلق القلب, كنايةٌ عن تحكّمهِ.
في الوراءِ المرتبك, حديثٌ عن الحُبِّ غير العادي, حبّ الفلاسفة العظماء, حُبّ العقل حين يغدو العقل مصدرًا للقلقِ, وتجيءُ الرغبة لتقف مع الحُبّ في المعنى, لتبدو الرغبة في الحبّ أو الحبُ في الرغبة, أو الرغبة في الالتهام والتمرد والتملك, العاشقُ في هذا الكتاب, ليسَ ذاته العاشق النمطي, المرأةُ هنا صاحبة تجربة عبر ماضيها وحاضرها ومستقبلها المرتبك, وهي خرجت حكيمة من تلك التجارب التي جعلت منها إنسانة تميلُ إلى العقلِ أكثر مما تميلُ إلى العاطفة, كأنَّ الوراء المرتبك هذا استفزَ بها طاقتها الوجدانية, لأنَّ لُغة الكتاب الشعري, ليست لغة المرأة الأسيرة الضعيفة, بلْ المرأةُ هنا قوية, جريئة, شجاعة.
إنَّ شعريةَ الرغبة في التمردِ والتملكِ والالتهامِ, تجلّت بصورةٍ مكثّفةٍ ( بحسبما أرى) في قصيدة المولوية, التي قرأتها غير مرّة, وفي كُلِّ مرّة, أكتشفُ صورة رائعة من صور التمرد والتملك والالتهام, , هذه القصيدةُ أعدّها, النموذجُ لما يُمكن لنا أنْ نُسمّيه الشعر المُتكامل, تقولُ:
هذا
ليس حزنًا…
إنّه كأسٌ مُترعٌ
بشقاوة الذكرياتِ
حينَ كان جسدي
يذوبُ في فمكَ
فيسيلُ نبيذٌ
على جلدي..
هذه صورةٌ من مقطعٍ من قصيدةٍ, أجدُ فيها ثلاث صفات, هي عنوانُ المقالة التي أقرأ بها الكتاب كله, لأنَّ في كثيرٍ من الأحيانِ, تبدو قصيدة واحدة, تُعبّر عن مضمونٍ عام ولكن ميزةَ المبدعة أنَّها جعلت الجزءُ يُشير إلى الكلِّ ولكن لا يستغني عنه, هذه القصيدة تُشيرُ إلى معنىً من المعاني الكثيرة التي اشتغلت عليها شعرًا لكنَّها لا تغني عن قراءةِ الكتاب كلّه, قدْ تكون صورة من صور كثيرة, لا تُقدم الصورة الحسية بمباشرة وهذا ديدنُ المبدعة, وهو ميزةُ قصيدة النثر فيما ينبغي أنْ تكون عليه, لأنَّ الكثير من الشعراءَ كتبوا النثر ظنًّا منهم أنَّه متاحٌ, سهلٌ وغير مقيّد, لكنَّه الفن الأصعب, لأنَّك تحتاجُ إلى شعريةٍ عاليةٍ تصبها في قالبٍ غير موسيقى فتجعل منه موسيقى تنبض بالحسّ والوجدان فتُثير الدّهشة, نقرأ :
تقول:
هذا
وتنزلُ سطرًا, كأنَّها تستدرك لتعطي فسحة من التوقفِ والتأمّل, لتجعل المتلقي يتشوّق ماذا سيكون بعد ( هذا ) , لتدهشه أسفل سطر لتقول :
ليسَ حزنًا…
وتضع ثلاث نقاط
وتنزلُ سطرًا آخرَ لتقول بأنَّ المؤكدة:
إنّه كأسٌ مترعٌ
بشقاوة الذكريات.
هنا تُحيلنا إلى العنوان الرئيس, فهي لديها ماضٍ مرتبكٍ قلقٍ وذكرياتٍ, حينَ كان جسدها يذوب في فمه! هذه صورةٌ شعريةٌ عندما جعلته يلتهم جسدها لدرجة الذوبانِ, فهو قد التهمَ الجسد كلّه وأدّى الالتهام إلى أنْ يذوب فيه, ويتحدا معًا, تقول:
الآنَ
أعطني سببًا للبقاء
وسأُعطيكَ ألفَ سببٍ
للرحيل..
فأنا ما عدتُ
عشبةً لروحكَ
أصبحتُ عشبةً ضارّةً
توجَّب اقتلاعها..
هذا الاقتلاع, تمردٌ وحريةٌ, هذه العشبةُ التي صارت ضارّة, هي التوقُ إلى ذلك التمرد بعد الالتهامِ, هي تبحثُ عن حريتها نتيجةَ هذه التملك, فالرغبةُ إلى الحريةٌ, طريقٌ لامتلاك الأنا, هي تُعلن حريتها بعد أنْ رأت كيف ذابَ جسدها في فمه, وسالَ كأنَّه نبيذٌ على جلدها, سال بعد أنْ أخذَ لذّته نتيجة الذوبان في الفم, هذه صورةٌ رائعةٌ تجسدت بهذه الشعرية الجميلة, لو لاحظنا استعارة المفردة ( عشبة ضارة) فهذه العشبة التي كانت لذّيذة لدرجة أنَّه التهمها وذابت فيه, صارت ضارّة! هذا لعمر الشِّعر من أروعِ صور التعبّير عن حالة السواد التي وصلت إليها بفعلِ الالتهام, كأنَّه نظارتها وغضارتها قبل الالتهام أصبحت عشبة ضارّة يجب اقتلاعها والنفور منها!
في هذه القصيدة تحتشد صورة التمرّد والالتهام والتملك, تقول:
أحببتكَ
بقوّةٍ عظيمةٍ
وبالقوةِ نفسها
بدأت أنساكَ..
هي ذاتها لكنها تتغير بحسب الظروف, فهي تقول له: حين أحببتك قوية وحين أردت أنْ أنساكَ فأنا قويةٌ أيضًا, هذا كبرياءٌ عظيم, تلجأ إليه الأنثى في حالاتٍ معينةٍ يكونُ منها حينما تكونُ منكسرة أو خارجة من تجربة خائبة, هي تقول أنّ الأملَ موجودٌ, والشمسُ متوهجة والقمر على حالة الضياء, فهذا الإشراقُ باقٍ فيها, ونور الشمس دلالةٌ على إشراق جديدٍ, سيمحو ظلمة تجربة الليلة الماضية, هذا الماضي المرتبك الباقي لا بُدَّ أنْ ينتهي لصباحٍ جديدٍ, يبددُ وحشة الليلة المرتبكة بالكبرياء والحيرة والقوة والرغبة والتملك والإغراء والالتهام, هي تجربةٌ مجنونةٌ متمردةٌ لكنها خرجت منها مثلما دخلتها, قوية لها إصرارٌ على أنْ تكونَ كما تحُبّ أنْ تكون, تقول أيضًا:
قلبي كما هو بحرٌ
لكنّك ابنُ الصحراءِ
وعن لذّة الغرقِ
لا تعلم شيئًا.
تستعملُ الشاعرةُ مفرداته بعناية فائقة, فهي لمْ تقلْ : لا تعرف, بلْ قالت: لا تعلم, والفرقُ بين المعنيينِ واضحٌ بيّن! هذه القدرةُ على تصوير الحالة الشعورية بانتقاءِ المفردة المناسبة ووضعها في سياقها المناسبُ هو صفةٌ عامةٌ في الكتابِ الشعري كلّه, فهي ماءٌ وهو يابسةٌ, هو يحتاجها ليحيا, ولكنه يخشى الغرق بها, واستعارة الماء لقلبها, إشارة إلى حالة التجدد والتجاوز والبداية الجديدة, هذا القلبُ سيُجدد نفسه, لأنَّ الماءَ لا يبقى على حالةٍ واحدةٍ, فهو دائمُ التجدد والتبدّل, حينَ يكونُ هو البحر, تستعملهُ بالاستعمال الضار والمؤلم, فهي تقول:
أحببتكَ بحرًا
لم يبقَ منهُ سوى ملحٍ
على جُرح
الآخرُ يتغير سلبًا وهي تتغير إيجابًا, صورةُ الكبرياء الأنثوي, كأنَّها تأخذُ صفتها وتستعير التجدد من صورة المرأة لتقول أنّ التجددَ دائمًا نحو الأفضل, أما هو أصبح عبارة عن ملحٍ يُوضع على جرحٍ, فيكونُ عبارة عن ألمٍ موجعٍ, لا ترضى أنْ تكونَ ضحيةً ولا تقبل بالاستسلامِ, وتلك صورةٌ شعريةٌ تستحقّ أنْ يقفَ عندها القارئ ليفهم نفسية هذه المبدعة, فهي قوّية في كُلِّ حالاتها, ولا تقبل بالهزيمة, هي تقرّ بأنَّ الماضي أو الرجوع إليه يؤلمها, فهو عبارة عن ملحٍ يُرش على جرحها, لكنها خرجت قوية كما دخلت أوّل مرّة. صورةُ البحر عند المرأة غيرها صورة البحر عند الرجل, فهي تستعير من البحر ملوحته التي تؤلم الجرح, وهي تأخذ من البحر جواهرهُ, هذه استعارةٌ جديرةٌ بالوقوفِ عندها تأمّلًا لفهمِ حالة النفسِ وما يُنازعها هواجس.
الوراء المرتبك, يمثّل صورة من صور القراءة الأخرى من منظور المرأة, بهذا الكبرياء والعنفوان والوعي, الشاعرةُ قدّمت رؤى وأفكارًا بقالبٍ شعريٍ, فأنت حينَ تقرأ لا تنبهر باللغة فحسب, بلْ لا بُدَّ أنْ تقفَ عند السياق الثقافي والمعرفي الذي خلصت إليه الشاعرة, وضعت نفسها بالمكانة التي تستحقّها, وأجدُ أنَّ الوراء المرتبك, سيضيف بلا شك القارئ كونهُ يُقدم صورة غير مُستهلكة, وهي لا تعادي الآخر الذي صارَ يُزيد ألمها, فهي تشبّهه بالملح الذي يُوضع على الجرح فيزيد الألم, ولكنَّها لمْ تضعْ نفسها بالمنزلةِ دونه, وهذه من آيات القوّة والعظمة والكبرياء.
شعرية الرغبة هي الطريقةُ التي استعملتها الشاعرة فاطما خضر في التعبّير عن حالتها الإنسانية التي يدخلُ ضمنها العاطفة والجسد, وهذا ما فعلتهُ, فقصيدتها المولوية التي تمثّل هذه الرغبة كانت رائعة من حيثُ أنَّها وُفقت في هذين الجانبينِ من التعبّير, في مثلِ هذه الحالة, يجب أنْ يحضر الجسد, ويجب أنْ تحضر العاطفة الروحية بوصفها الشعور الواجب التعبّير عنه, لهذا يبدو تضمين الجنس عبر استعمال الالتهام الجسدي, هو طريقة رائعة, لأنَّ الرغبةَ تحتاجهُ لتكتمل الصورة المُراد التعبّير عنها بواسطة الرغبة.




