قراءة تحليلية في كتاب إسماعيل محمد الياسري “دراسات في الأدب المسرحي النص المسرحي من السيميائية إلى التداولية”

أمل ناصِر
يأتي هذا العمل النقدي ليضيء جانبًا مركزيًا في مسيرة الدراسات الأدبية المعاصرة، وهو التحوّل من القراءة البنيوية إلى آفاق أرحب تتصل بالسيميائية والتفكيكية والتداولية. اختار الدكتور إسماعيل محمد الياسري النص المسرحي ليكون مجال بحثه، وهو اختيار ينطوي على وعي خاص، إذ إن المسرح نص مركّب يتشابك فيه الخطاب الأدبي مع البنية البصرية والسمعية والحركية، ما يجعله أرضًا خصبة للتجريب النقدي.
الكتاب لا يقدّم عرضًا تاريخيًا محضًا، بل يسعى إلى إظهار كيف يمكن لهذه المناهج النقدية أن تُفَعَّل في مقاربة النص المسرحي العربي، وأن تتحوّل من مفاهيم نظرية وافدة إلى أدوات حيّة تستنطق التجربة المسرحية في سياقها العربي.
وقد خصّص المؤلف جزءًا مهمًا للحديث عن السيميائية، منطلقًا من أسسها عند “دي سوسير” “وتشارلز بيرس” وامتداداتها عند “رولان بارت” “وأمبرتو إيكو”وغيرهما.
تتجلى أهمية السيمياء، كما يوضح الياسري، في قدرتها على قراءة النص بوصفه شبكة من العلامات، حيث كل شخصية أو حركة أو إشارة أو حتى صمت فوق الخشبة يمكن أن يُفهم كعلامة دالّة تحيل إلى منظومة ثقافية واجتماعية.
ومن خلال هذا المنهج، تصبح الشخصية المسرحية علامة مزدوجة: فهي من جهة كيان درامي له أفعال وأقوال، ومن جهة أخرى رمز يحيل إلى طبقات أعمق من المعنى (الاجتماعي والسياسي والنفسي). وهكذا يقدّم الكتاب نموذجًا مثاليًا لتطبيق السيميائية في المسرح العربي، كاشفًا أن النص لا يقتصر على اللغة، بل هو فضاء متعدد الرموز والإشارات.
بعد السيمياء، ينتقل المؤلف إلى التفكيكية التي دشّنها “جاك دريدا”. وهنا يتبدّى سعي الناقد إلى إظهار النص المسرحي بوصفه كيانًا غير مكتمل، ينطوي على تناقضات داخلية وطبقات متراكبة من المعنى. فالتفكيكية لا تقرأ النص في وحدته وانسجامه، بل تبحث عن الثغرات والمسكوت عنه والجدليات التي تتصارع في داخله.
وبهذا يصبح النص المسرحي مساحة لجدل دائم بين الحضور والغياب، بين ما يُقال وما يُخفى، وهو ما يجعل القراءة التفكيكية مناسبة خصوصًا للنصوص العربية التي تتعامل مع موضوعات حسّاسة مثل السلطة، الحرية، القهر الاجتماعي والسياسي.

ينتقل الكتاب إلى التناص، مستعرضًا أنواعه وأشكاله. يوضّح الياسري أن النص المسرحي العربي، بحكم تاريخه وتفاعله مع التراث والأساطير، مشبع بالإحالات النصية، سواء كانت مباشرة (استدعاء نصوص قديمة أو أسطورية) أو غير مباشرة (رموز وإشارات ثقافية). وبذلك يغدو النص المسرحي فضاءً حواريًا متشابكًا، حيث تتداخل أصوات الماضي والحاضر.
ويعرّج المؤلف أيضًا على العتبات النصية مثل العناوين والإرشادات والمقدمات، معتبرًا إياها نصوصًا موازية تساهم في بناء المعنى الكلي. هذه القراءة تعكس وعيًا حديثًا بأن النص لا يبدأ مع أول كلمة من الحوار، بل يمتد إلى كل ما يحيط به من إشارات لغوية وبصرية.
من المحاور اللافتة في الكتاب اهتمام المؤلف بـ النقد الثقافي، إذ يرى أن المسرح العربي ليس مجرد نصوص جمالية، بل هو أيضًا خطاب يكشف عن الأنساق الثقافية المضمرة، وعن القوى الاجتماعية والسياسية التي تحكم المجتمع. ومن هنا تصبح دراسة النص المسرحي وسيلة لفهم البنية الثقافية السائدة، والوقوف على ما يُقصى أو يُهَمَّش في الخطاب الثقافي العام.
أما التداولية فتأتي لتكمّل هذا المسار، إذ تدرس كيف يتفاعل النص المسرحي مع جمهوره، وكيف يبني الحوار بين المرسِل والمتلقي. المسرح بطبيعته فن تواصلي، والتداولية تساعد على كشف آليات هذا التواصل، من خلال تحليل الحوار، نبرة الصوت، سياق القول، وعلاقة القول بالفعل.
الكتاب يتميز بوضوح بنيوي؛ فالمؤلف ينتقل بالقارئ من منهج إلى آخر بخيط ناظم، ويعرض الخلفيات النظرية ثم يحاول أن يطبّقها على نصوص مسرحية عربية. ما يُحسب له أنه لا يكتفي بالتنظير، بل يضيء الجوانب التطبيقية، وإن كانت بعض الفصول تميل إلى الإيجاز في الجانب التحليلي مقارنة مع السرد النظري.
أسلوب الكتاب يتسم بلغة نقدية رصينة، غير أنه يحتاج أحيانًا إلى مزيد من الأمثلة التطبيقية على النصوص المسرحية العربية المعاصرة، كي لا يبقى القارئ في أفق المفاهيم النظرية. ومع ذلك، يظل العمل مساهمة نوعية في إغناء المكتبة النقدية العربية، لأنه يضع المناهج الحديثة في تماس مباشر مع النص المسرحي العربي، ويكشف عن إمكانات جديدة للقراءة.
وما يلفتني في هذا الكتاب أنّه يخرج المسرح من دائرة التلقي السطحي، ليضعه في سياق علم العلامات والثقافة والنصوص المتداخلة. وأنا أرى أن هذا التوجّه ضرورة في عصرنا، حيث لم يعد النص المسرحي مجرد تسلية جمالية، بل صار وثيقة ثقافية تكشف عن عمق التحولات في المجتمع.
لقد منحني الكتاب أفقًا جديدًا لفهم المسرح العربي: فهو ليس انعكاسًا مباشرًا للواقع، بل شبكة من العلامات التي تحتاج إلى تفكيك وتأويل. ومن هنا أعتبر أن القيمة الأبرز في الكتاب تكمن في قدرته على تدريب القارئ على القراءة العميقة، وعلى التحرّر من التفسير المغلق.
قد يؤخذ على الكتاب أنه كثيف من الناحية النظرية، مما يجعله صعبًا على القارئ غير المتخصّص، لكن هذا لا يقلّل من قيمته الأكاديمية. بل على العكس، فهو يؤسس لوعي نقدي رصين يحتاجه الدارسون والباحثون في المسرح والنقد الأدبي.
يمكن القول إن “دراسات في الأدب المسرحي النص المسرحي من السيميائية إلى التداولية” هو كتاب يُعيد الاعتبار للنص المسرحي العربي من خلال تفعيله في ضوء المناهج النقدية الحديثة. وهو بذلك يسهم في تجديد الدرس الأدبي العربي، ويمنح المسرح موقعًا مركزيًا في الحوار الثقافي والفكري الراهن.
إنه عمل جدير بالقراءة، ليس فقط لطلاب المسرح أو النقد الأدبي، بل لكل قارئ يطمح إلى فهم أعمق للعلاقة بين الأدب والثقافة والمجتمع.
هنيئًا لكم دكتور الياسري على هذا الإصدار الجديد، الذي يُعَدّ إضافة نوعية ستنير دروب الفكر وتُغني رصيد مكتبتنا الثقافية في العالم العربي.



