سجلوا عندكم

المقاومة بين الشرعية الدولية والخصوصية اللبنانية

Views: 449

العميد الركن المتقاعد صلاح جانبين

أولاً: المقاومة في المفهوم العام

المقاومة هي ردّ فعل طبيعي تقوم به الشعوب الخاضعة للاحتلال أو التسلّط الخارجي دفاعًا عن أرضها وكرامتها وحقها في تقرير المصير. وقد ارتبط مفهومها تاريخيًا بحركات التحرّر في العالم، من مقاومة الاحتلال النازي في أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية، إلى الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي، وصولًا إلى تجارب أميركا اللاتينية وآسيا وأفريقيا.

فمن الناحية القانونية، قد كرّست الشرعية الدولية حق الشعوب في المقاومة عبر عدد من النصوص، أبرزها:

–  المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي تجيز حق الدفاع عن النفس فرديًا وجماعيًا.

–   العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1966) الذي يؤكد حق الشعوب في تقرير مصيرها.

–   قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة وخصوصًا القرار 37/43 لعام 1982 الذي يعترف بحق الشعوب في الكفاح المسلح ضد الاحتلال الأجنبي.

بناءً على ما تقدّم، لا تعتبر المقاومة خيارًا سياسيًا فحسب، بل حقًّا إنسانيًا وقانونيًا تفرضه الظروف وتشرّعه المواثيق الدولية.

ثانياً: المقاومة في لبنان – النشأة والتاريخ

عرف لبنان أشكالًا متعددة من المقاومة على مرّ تاريخه الحديث، أبرزها:

–   مقاومة الاحتلال العثماني والانتداب الفرنسي حيث برزت الثورات والانتفاضات الشعبية (ثورة البقاع، ثورة 1925، أحداث الاستقلال 1943، …).

–  المقاومة الفلسطينية التي اتخذت من لبنان قاعدةً بعد تهجير الفلسطينيين من أرضهم عام 1948، وأسهمت في تشكيل وعي لبناني وعربي بحق العودة والتحرير.

–  المقاومة الوطنية اللبنانية في وجه الاحتلال الإسرائيلي منذ اجتياحه الأراضي اللبنانية عام 1978 وصولًا إلى 1982، حيث تبلورت قوى حزبية وشعبية لبنانية انخرطت في العمل المقاوم.

–   المقاومة الإسلامية في لبنان بقيادة “حزب الله”، التي تأسست بعد الاجتياح  الإسرائيلي عام 1982وتصعيدها للأعمال المقاومة وصولًا  إلى التحرير عام 2000 وبمواجهة العدوان الإسرائيلي في تموز  2006 كما في العام 2024.

–    تُعدّ هذه المقاومة من أبرز التجارب المعاصرة في العالم العربي، نظرًا لقدرتها على فرض معادلات عسكرية وردعية غيّرت في توازن القوى مع العدو الإسرائيلي.

ثالثًا: الاعتداءات الإسرائيلية المتكرّرة بعد اتفاقية 1949

 بالرغم من توقيع لبنان وإسرائيل اتفاقية الهدنة عام 1949، فإنَّ الاحتلال الإسرائيلي للجنوب قد استمر، إلى جانب توغلات وانتهاكات وارتكابات وقصف وقتل وتدمير وسيطرة على مناطق حدودية، بخاصة:

–    اجتياح عام 1978 (عملية الليطاني) أدت إلى صدور قرار مجلس الأمن 425 القاضي بانسحاب القوات الاسرائيلية من المناطق اللبنانية المحتلة ولم تنسحب.

–  اجتياح عام 1982 ووصول الجيش الإسرائيلي إلى بيروت، حيث دام الاحتلال حتى عام 2000.

–   حرب تموز 2006 لمدة ثلاثة وثلاثين يومًا وصدور القرار الدولي رقم 1701 القاضي بالانسحاب الإسرائيلي ووقف الأعمال العدائية ولم تتوقف الاعتداءات والخروقات.

–    الاعتداءات المتواصلة بعد العام 2024  وحتى يومنا هذا بالرغم من اتفاق وقف الأعمال العدائية في تشرين الأول 2024، غالبيتها في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، ما يعتبر تصعيداً مستمراً رغم الاتفاق. فقد استمرّت الخروقات اليومية، حيث وثقت مصادر متعددة استمرار الغارات الجوية والقصف المدفعي على مناطق جنوب لبنان وشرقها، وتدمير للبنى التحتية وتفجير منازل المدنيين، وقتل العشرات منهم منذ دخول الاتفاق حيّز التنفيذ. بالإضافة إلى تأكيد منظمة العفو الدولية بأنَّ الجيش الإسرائيلي قد نفّذ تدميرًا ممنهجًا لممتلكات مدنية بعد وقف الاتفاق، شمل مساكن ومساجد ومرافق عامة، ما يشكّل جرائم حرب. كما أنَّ تقارير الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، قد وثّقت بدورها أكثر من 150 حالة وفاة مدنية حتى أيلول من العام 2025، ناهيك عن حوادث متكررة كإسقاط قنابل قرب قوات الأمم المتحدة (UNIFIL)، ما اعتُبر من أشدّ خروقات وقف الحرب منذ تشرين الأول 2024 .

رابعًا: الإطار القانوني للمقاومة في لبنان

  1. القانون اللبناني الداخلي

– الدستور اللبناني لم يذكر المقاومة صراحة، لكنه أقرّ في مقدمته (الفقرة “ب”) التزام لبنان بمواثيق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ما يعني تبنّي حق تقرير المصير والدفاع المشروع.

– في بيانات وزارية متعاقبة، اعترفت الحكومات اللبنانية بدور “المقاومة”، خصوصًا في معادلة “الجيش والشعب والمقاومة”، معتبرةً إياها جزءًا من استراتيجية الدفاع الوطني.

  1. القانون الدولي

–  الاحتلال الإسرائيلي المتكرر لأراضٍ لبنانية (جنوب لبنان، مزارع شبعا، الغجر، النقاط السبعة الجديدة المحتلة) يشكّل حالة عدوان مستمر، ما يشرّع المقاومة استنادًا للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.

– قرارات مجلس الأمن، ومنها القرار 425 (1978)، القاضي بالانسحاب الإسرائيلي من لبنان، ما يعني اعترافًا ضمنيًا بمشروعية مقاومة الاحتلال.

خامسًا: الإشكاليات والجدل القانوني

تُطرح إشكالية حول مشروعية استمرار السلاح المقاوم بعد تحرير معظم الأراضي اللبنانية عام 2000. فالبعض من اللبنانيين يعتبر أن بقاء السلاح خارج إطار الدولة يخالف مبدأ السيادة، فيما يرى آخرون أنّ استمرار الاحتلال الجزئي (مزارع شبعا وبعض النقاط الاخرى) والتهديد الدائم من إسرائيل واعتداءاتها المتكررة يبرّر استمرار أعمال المقاومة.

هذا الجدل يعكس إشكالية التوازن بين الشرعية الدولية التي تعطي حق المقاومة، والشرعية الداخلية التي تشترط أن يكون استخدام القوة عبر مؤسسات الدولة.

نختم القول ، بأنَّ المقاومة في جوهرها، ليست فعلًا عسكريًا فحسب، بل هي ممارسة إنسانية ووجودية لشعوب ترفض الذلّ والمهانة والاستعباد. وهي تجربة قانونية وإنسانية مدفوعة بالواقع: أراضٍ محتلة، اتفاقات غير محترمة، تعرض دائم للاعتداءات والانتهاكات في العقدين الماضيين. فالقانون الدولي يقرّ هذه العوامل، ويكرس الشرعية للمقاومة بهذا الحق عندما تكون دفاعًا مشروعاً عن البلاد. كما شرّعت للبنان كسائر الدول التي تعرّضت وتتعرّض للاحتلال، أن تدافع عن أرضها وسيادتها بكل الوسائل المشروعة.

ويبقى التحدّي الأساسي هو إيجاد صيغة قانونية، سياسية متوازنة تدمج المقاومة ضمن استراتيجية الدولة، بحيث تتحقق المصلحة الوطنية العليا بعيدًا عن التجاذبات الداخلية، ويبقى السلاح موجّهًا فقط إلى العدو الخارجي.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *