مسألة التفاوض مع العدو في الدستور والقانون والأعراف والأخلاق
العميد الركن المتقاعد صلاح جانبين
تُطرح مسألة التفاوض مع “إسرائيل” في لبنان بوصفها إشكالية مركّبة تتداخل فيها النصوص الدستورية مع القواعد الجزائية، وتتقاطع مع واقع النزاع والاعتداءات التي شهدها لبنان، من اعتداءات وانتهاكات وارتكابات واجتياحات وحروب متكرّرة، أبرزها عام ١٩٧٨ ،1982،1993، 1996 ، 2006 ،٢٠٢٣ ولغاية ٢٠٢٦ ويقتضي النقاش الجدي لهذه المسألة العودة إلى النصوص الحرفية، وتحديد نطاق تطبيقها، قبل إصدار أي حكم قانوني أو سياسي.
أولاً: في الدستور اللبناني
لا يتضمّن الدستور اللبناني أي نص صريح يمنع التفاوض مع دولة معيّنة، بما فيها إسرائيل. بل إن النصوص الدستورية ذات الصلة تُكرّس صلاحية الدولة في إدارة علاقاتها الخارجية.
تنص المادة 52 من الدستور على ما يلي:
“يتولى رئيس الجمهورية المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة، ولا تصبح مبرمة إلا بعد موافقة مجلس الوزراء…”
كما تنص المادة 65 على أن:
“تناط السلطة الإجرائية بمجلس الوزراء، وهو الذي يضع السياسة العامة للدولة في جميع المجالات…”
أما مقدمة الدستور، فتؤكد في الفقرة (ب) أن:
“لبنان عربي الهوية والانتماء… وهو عضو مؤسس وعامل في جامعة الدول العربية وملتزم بمواثيقها…”
وفي الفقرة (هـ):
“النظام قائم على مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها…”
وفي الفقرة (ي):
“لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك.” أُدرجت بعد اتفاق الطائف لعام 1989. تعني أنَّ شرعية الحكم مشروطة بالتوازن والتوافق بين المكوّنات اللبنانية، وأي تصرف يُهمش طائفة رئيسية يعتبر خرقاً للميثاق، ما يثير جدلاً مستمراً حول الميثاقية والقرارات السياسية. وهي تُشير إلى اجتماع المسلمين والمسيحيين، وتوافقهم على إدارة الدولة، والالتزام بأسس العيش المشترك كضمانة لاستقرار لبنان. ولإثبات أنَّ القرارات التي تتخذها السلطة دون التوافق (خاصة في غياب ممثلي طائفة كبرى) هي قرارات “غير ميثاقية” وبالتالي تفتقر للشرعية.
إنَّ هذه النصوص، مجتمعة، لا تتضمّن أي حظر للتفاوض، بل تُظهر أن التفاوض يندرج ضمن الصلاحيات السيادية للدولة، ويخضع لآليات دستورية محددة، دون تقييد بجهة معيّنة.
ثانياً: في قانون العقوبات اللبناني
على خلاف الدستور، يتضمّن قانون العقوبات نصوصاً صريحة تجرّم التعامل مع “العدو”، غير أن نطاقها يثير جدلاً لجهة شمولها للدولة أو اقتصارها على الأفراد.
تنص المادة 278 على ما يلي:
“من أقدم في زمن الحرب أو عند توقع نشوبها على الاتصال بالعدو أو على معاونته بأي وجه كان، يعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة…”
كما تنص المادة 285 على:
“كل لبناني أو أجنبي في لبنان أقدم مباشرة أو بالواسطة على عقد صفقة تجارية أو أية عملية شراء أو بيع أو مقايضة مع أحد رعايا العدو، عوقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات وبغرامة…”
وتندرج هذه المواد ضمن باب “الجرائم الواقعة على أمن الدولة الخارجي”.
غير أن القراءة الدقيقة لهذه النصوص تُظهر أنها موجّهة إلى:
كل لبناني أو أجنبي
أي الأشخاص الطبيعيين أو المعنويين الخاصين
ولا تتضمّن أي إشارة إلى الدولة أو إلى السلطات الدستورية، ما يفتح الباب أمام تفسير مفاده أن هذه النصوص لا تقيّد العمل السيادي للدولة في مجال التفاوض.
ثالثاً: في قانون مقاطعة “إسرائيل” تاريخ 23 / 6/ 1955
يُعدّ قانون مقاطعة إسرائيل من أبرز النصوص التي تُستند إليها في هذا السياق.
تنص المادة الأولى منه على:
“يُحظر على كل شخص طبيعي أو معنوي أن يعقد بالذات أو بالواسطة اتفاقاً مع هيئات أو أشخاص مقيمين في إسرائيل أو منتمين إليها بجنسيتهم…”
كما تنص المادة الثانية على:
“يُحظر دخول البضائع والمنتجات الإسرائيلية إلى لبنان، كما يُحظر التعامل بها أو تداولها.”
ويُفهم من صياغة هذه المواد أنها تشمل:
كل شخص طبيعي أو معنوي
دون تمييز صريح بين القطاعين العام والخاص
غير أن الفقه القانوني السائد يميّز بين:
الدولة كسلطة سيادية تدير العلاقات الدولية
الأفراد والجهات الخاصة الخاضعين للقانون الجزائي
وبالتالي، يُطرح التساؤل حول ما إذا كان هذا القانون يرمي إلى حظر التطبيع الاقتصادي والاجتماعي، أم إلى تقييد القرار السياسي للدولة.
رابعاً: في ضوء القانون الدولي وحالة النزاع
رغم حالة العداء القائمة، وما رافقها من اعتداءات موثّقة، فإن القانون الدولي لا يمنع التفاوض بين أطراف متنازعة، بل يعتبره أداة أساسية لتسوية النزاعات.
فالاتفاقيات الدولية، بما فيها اتفاقيات الهدنة ، ترتيبات وقف إطلاق النار، ترسيم الحدود، كلها تتم عبر التفاوض، حتى بين الدول في حالة حرب.
وعليه، فإن وجود نزاع أو اعتداءات لا يُشكّل مانعاً قانونياً بحد ذاته من التفاوض، وإن كان يفرض شروطاً سياسية وأخلاقية صارمة.
خامساً: في الأعراف والممارسة اللبنانية
تُظهر الممارسة أن لبنان لم يكن ممتنعاً مطلقاً عن التفاوض، إذ سبق أن وقّع اتفاقية الهدنة عام 1949
بالإضافة إلى أنه خاض مفاوضات غير مباشرة مع العدو بعد العام ٢٠٠٠و ٢٠٠٦ لترسيم الحدود البرية وتحرير الاسرى وترسيم الحدود البحرية عام 2022
تُسهم هذه السوابق في تكوين ما يمكن تسميته عرفاً عملياً يجيز اللجوء إلى التفاوض في ظروف محددة، دون أن يُعتبر ذلك خرقاً صريحاً للنظام القانوني.
سادساً: في البعد الميثاقي والأخلاقي
يبقى البعد الأخلاقي الأكثر تعقيداً، في ظل ما تعرّض له لبنان من اعتداءات وارتكابات لجرائم وخسائر بشرية ومادية كبيرة لعقود طويلة من دون حسيب أو رقيب دولي سوى الإدانة والشجب.
فالتفاوض مع جهة تُتَّهم بارتكاب كل تلك الجرائم والانتهاكات يثير تساؤلات حول، العدالة، الكرامة الوطنية، الحقوق الدولية، التعويضات ، الضمانات، …
غير أن المقاربة الأخلاقية ليست واحدة، فثَمَّة من يرى في التفاوض تنازلاً مرفوضاً، وثَمَّة من يعتبره وسيلة لحماية المصلحة الوطنية ووقف الأذى من جبروت هذا العدو المدعوم من الدول الكبرى.
فبالرغم من كل القوانين والتفسيرات، وأمام جبروت وعربدة هذا العدو وتاريخه الظالم المليء بالارتكابات والانتهاكات والجرائم التي لا تعدّ ولا تحصى، فإنّ أيّ مقاربة جدّيّة لملفّ المفاوضات، بغضّ النظر عن شكلها أو الآليّة التي تُطرح بها، يجب أن تنطلق من وضوح في الرؤية وثبات في المواقف، وعدم التفريط بأوراق قوّة لبنان المتمثلة بالتمسك بالثوابت الوطنية وحقه في أرضه والدفاع عن كلّ شبر منها وعن سلامة شعبه بأي طريقة ومن أي جهة كانت.
فالتفاوض، أيًّا كان مساره، لا يكتسب شرعيّته إلّا من خلال التوافق الوطني، والالتزام بمقرّرات قمّتَي بيروت 2002 والرياض2024، والانضواء ضمن الموقف العربي العام، والخروج عن هذه الأسس يُعدّ نهجًا أحاديًّا لا يخدم المصلحة الوطنيّة.
بالخلاصة، يتبيّن انه ومن خلال النصوص الدستورية والقانونية ما يلي:
- لا يوجد في الدستور اللبناني أي نص يمنع التفاوض مع “إسرائيل”.
- ينيط الدستور بالسلطات التنفيذية صلاحية التفاوض ضمن الأصول المحددة.
- تجرّم القوانين اللبنانية التعامل مع العدو، لكنها موجّهة أساساً إلى الأفراد، ولا يوجد نص صريح يمدّ هذا التجريم إلى العمل السيادي للدولة.
- يجيز القانون الدولي التفاوض حتى في حالات النزاع، حيث كرّست الممارسة اللبنانية سوابق تفاوضية عند الضرورة.
وعليه، فإن مسألة التفاوض مع “العدو” تبقى موضع جدل ميثاقي، لا يُحسم بنص قانوني قاطع، بل بتفسير هذه النصوص في ضوء المصلحة الوطنية، والتوازن بين مقتضيات السيادة والعيش المشترك واعتبارات العدالة والحقوق والأخلاق.
13/ 4 /2026



