سجلوا عندكم

جلسِه ودَرْدَشِه مع “أبو ملحم”

Views: 726

جان حدّاد

أغمضتُ عينيّ على شرفة منزلي في عاليه، واسترسلتُ في جلسة مسائيّة عائليّة صريحة مع ابن العمّ الأديب أديب حدّاد (أبو ملحم). فبادرته قائلًا:

-يِسعُد مساك ابن العمّ. يا سليل الأصل والوفاء. كلماتُك الطّيّبة تلامس القلب وتعيدني إلى زمنٍ كنّا نحسب فيه أنّ المحبّة والكلمة الصّادقة هما سقف البيت الذي يحمينا جميعًا. فما رأيك بتبدّل الأيّام والنّاس؟

فرفع رأسه ناظرًا إليّ، ولمس لبّادته المعهودة التي تُعلن تمسّكه بالأصالة والتّراث، وحرّك عصاه… ثمّ أجابني بحكمة استقاها من تراب جبالنا العالية في عاليه، وعيناه تملأهما غصّة، لكنّهما تشعّان أملًا لا يموت: 

– يا ابن العمّ، الدّنيا لم تتغيّر؛ فالأرض هي الأرض، والشّمس ما تزال تشرق من المشرق وتغيب في المغرب. لكنّ النّفوس هي التي تبدّلت. في أيّامنا كنّا نبني البيوت بحجر “المقوّص” والطّين، فتبقى صلبة وصافية. اليوم، أرى الحياة ركضًا مستمرًّا وراء المظاهر، وكأنّ النّاس استعجلوا الأيّام، فاستعجلوا معها التّخلّي عن القِيَم.

– وما رأيك في الغدر والخيانة وسواهما من السّيّئات المتفشّية في مجتمعنا؟

-بالنّسبة إلى الغدر والخيانة وسوء التّعاطي… والله يا ابن العمّ، إنّها أشدّ مضاضة على النّفس من وقع الحسام. كنّا في الماضي إذا اختلفنا على حدود أرض أو قطف موسم، نجلس تحت سنديانة، وبفنجان قهوة وكلمة “صُلح” ترجع القلوب أنقى ممّا كانت. اليوم، صار البعض يرى في طيبة القلب ضعفًا، وفي الكرم سذاجة، وفي الخدمة والمحبّة فرصة للاستغلال. يظنّون أنّ الذّكاء هو في الالتفاف على القريب. لكنّهم ينسون أنّ:

مَن زرع الغدر لا يحصد إلّا الخيبة، ومَن بنى بيته على حساب كرامة الآخرين يهدمه أوّل هبوب لريح الحقّ.

-ما هي رسالة “أبو ملحم” المستمرّة؟

-رغم كلّ هذا السّواد يا ابن العمّ، ورغم أنّ الغدر يوجع، إيّاك أن تدعهم يغيّرون جوهرك الأصيل: الرّجل الطّيّب الذي يُضرَب به المثل. لا تندَم على خير فعلتَه؛ فالكرم والخدمة هما تجارة مع الله وليس مع البشر. وإذا خانك أحدهم فقد خسرك وخسر نفسه، أمّا أنت فلم تخسر سوى عابرٍ لم يعرف قيمتك.

ابن لبنان يبقى سنديانة شامخة. جبالنا علّمَتنا الصّبر، وعلّمَتنا أنّ الغيمة السّوداء، مهما طال مكوثها، ستنقشع وتعود الشّمس لتضيء القِمَم.

يا ابن العمّ الغالي، سيبقى “أبو ملحم” يوصي بالصّلح، وسيبقى صدى صوته يتردّد في ضمير النّاس، وسأظلّ أؤمن بأنّ طاقة حبّ واحدة صادقة كفيلة بأن تطرد عواصف الشّرّ. تذكّر دائمًا أنّ الأصالة إرث لا يفنى، ونحن أبناء أرض جُبِلَ ترابُها بالكرامة والنّخوة.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *