“نبيّ” جبران يتحدّى الزّمن وينتصر
جان حدّاد
دخلتُ المكتبة الوطنيّة لصقل معرفتي وثقافتي. وبينما كنت أجول في الممرّات، متأمّلًا الكتب المعروضة، لفت نظري كتاب “النّبيّ” لجبران خليل جبران بحلّة جديدة لم تُستهلك صفحاته بعد. كان ذلك أشبه بالعثور على كنز مخبّأ ينتظر مَن يكتشف دررَه وأسراره. فهذا الكتاب ليس مجرّد نصوص تُقرأ، بل هو مرآة تعكس أعمق الفلسفات الإنسانيّة بلغة شاعريّة عذبة.
ما قرأته في صفحاته يمثّل جوهر رؤية جبران للكون والإنسان، حيث يفكّك المفاهيم المعقّدة ويعيد صياغتها ببساطة مذهلة:
في المحبّة: يحرّرها من الأنانيّة والرّغبة في التّملّك. فالمحبّة عنده كائن حرّ، تكتفي بذاتها وتمنح من دون شروط.
في الزّواج: يقدّم معادلة عبقريّة للاستمرار: الشّراكة تعني الذّوبان أو إلغاء الآخر تمامًا كأعمدة الهيكل، تدعم السّقف معًا، ولكنّها تقف منفصلة. وبالتّالي، إنّ المساحة والحرّيّة هما سرّ ديمومة العلاقات.
في الأبناء: يوجّه صفعة لطيفة للأبوّة والأمومة التّقليديّتين، القائمتين على التّملّك. الأبناء هم المستقبل، ونحن مجرّد جسور عبروا عليها ومن خلالها. لنا حقّ الرّعاية وليس التّوجيه المطلق أو صياغته وفق قوالبنا.
في العمل: يرفع جبران من قيمة الجهد الإنسانيّ؛ فالمسألة ليست مجرّد كَسب عيش، بل هي “المحبّة وقد غدت مرئيّة”. العمل هو طريقتنا للاندماج في حلم الأرض الكبيرة.
جلسة خاطفة في ممرّات المكتبة الوطنيّة تركت في نفسي أثرًا ممتدًّا. هناك محور محدّد من هذه المحاور (المحبّة، والزّواج، والأبناء، والعمل) لامس روحي أكثر من سواه.
بين العصر الذي كَتب فيه جبران خليل جبران كتابه “النّبيّ” (ونُشر عام 1923)، وبين أيّامنا هذه فجوة زمنيّة تمتدّ لأكثر من قرن. هذا القرن غيّر وجه البشريّة، وطريقة استقبالنا لأفكار جبران نفسها.
لو عقدنا مقارنة بين العصرين سنجد فروقًا جوهريّة في طبيعة الحياة والإيقاع الإنسانيّ: إيقاع الحياة والسّرعة.
عصر جبران كان العالم يخرج لتوه من أهوال الحرب العالميّة الأولى. كان إيقاع الحياة أبطأ، والنّاس يملكون وقتًا للتّأمّل، وكتابة الرّسائل الورقيّة الطّويلة، ومجالسة الطّبيعة. كُتِب “النّبيّ” في مناخ كان يبحث فيه الإنسان عن السّكينة والرّوحانيّات ليداوي جراح الحرب. أمّا في أيّامنا هذه فنعيش في عصر السّرعة والذّكاء الاصطناعيّ. الإيقاع لاهث، والانتباه مجزّأ بين الشّاشات والمنصّات. الوقت المتاح للتّأمّل العميق صار نادرًا، ما يجعل كلمات جبران اليوم بمثابة ملاذ أو واحة نهرب إليها من صخب التّكنولوجيا.
عصر جبران كانت الرّوابط الأسريّة والاجتماعيّة تحكمها التّقاليد الصّارمة والمفاهيم التّقليديّة حول الملكيّة (سواء في الزّواج أو الأبوّة). لذلك، عندما قال جبران: “أولادكم ليسوا أولادًا لكم” و”قِفوا معًا ولكن لا يقرب أحدكم من الآخر كثيرًا”، كانت أفكاره ثوريّة وصادمة للمجتمعات المُحافظة آنذاك. أمّا في أيّامنا هذه، فقد أصبحت مفاهيم مثل “المساحة الشّخصيّة” في العلاقات، واستقلاليّة الأبناء، والحرّيّة الفرديّة، أمورًا معترفًا بها علميًّا وتربويًّا في كثير من المجتمعات. ما كان يعدّه معاصرو جبران “شطحًا فلسفيًّا” أو تماديًا في الحرّيّة صار اليوم ركيزة أساسيّة في العلاقات الصّحّيّة.
عصر جبران تزامن مع ذروة الثّورة الصّناعيّة وصعود الآلات الكبرى، حيث تحوّل العمّال في المصانع إلى ما يشبه “التروس” في ماكينات ضخمة. وكان العمل غالبًا مشقّة جسديّة خانقة. من هنا جاءت صرخته بأنّ “العمل هو المحبّة وقد غدت مرئيّة” ليعيد للجهد الإنسانيّ كرامته وروحه. أمّا في أيّامنا هذه فقد انتقل العالم من الثّورة الصّناعيّة إلى الثّورة الرّقميّة والمعلوماتيّة، والآن إلى عصر الذّكاء الاصطناعيّ. أصبح التّحدّي اليوم ليس المشقّة الجسديّة فقط، بل البحث عن المعنى والجدوى في عالم تتسارع فيه التّغييرات الوظيفيّة، ما يجعل فلسفة جبران حول “العمل النّافع” كصلة وصل بالحياة أكثر إلحاحًا.
عصر جبران كانت الكلمة المكتوبة في الكتب والصّحف والمجلّات هي الوسيلة الأساسيّة لنشر الفكر. كان المفكّرون والنّخبة هم من يصيغون الوعي، والوصول إلى الكتاب يتطلّب زيارة مكتبة أو انتظار شحن برّيّ أو بحريّ. أمّا في أيّامنا هنا فالمعرفة متاحة بضغطة زرّ يمكنك قراءة “النّبيّ” كاملًا على هاتفك وأنت في الحافلة، أو الاستماع إليه ككتاب صوتيّ. لكن في المقابل، تسبّب هذا التّدفّق الهائل للمعلومات في زهد البعض بالعمق، وتحوّل الأفكار أحيانًا إلى مجرّد اقتباسات سريعة على منصّات التّواصل الاجتماعيّ، تفقد سياقها الفلسفيّ العميق.
كتب جبران “النّبيّ” كعلاج لروح عاصرت الدّمار والآلات الصّمّاء… واليوم، بعد مرور أكثر من مئة عام، ما زال الكتاب صالحًا لكلّ زمان، لأنّ الرّوح الإنسانيّة، برغم تغيّر التّكنولوجيا والظّروف، ما تزال تشتاق إلى المبادئ نفسها: الحرّيّة والمحبّة الخالصة والسّكينة.




