راجح نعيم: ذاكرة تتحول إلى نصّ حي/ قراءة في مسار كاتب يجعل من اللغة طريقة لفهم العالم لا وصفه

Views: 163

فاروق غانم خداج

بعض الكتّاب نقرأ لهم فنكتشف نصوصًا، وبعضهم نلتقيهم فنكتشف الإنسان قبل النص. الأستاذ راجح نعيم ينتمي إلى هذا النمط، حيث لا يمكن اختزاله في إنتاجه المكتوب، لأن حضوره نفسه يمتدّ لفكرة الكتابة بوصفها طريقةً في التفكير لا مهنة منفصلة عن الحياة. هذا الخيط الخفي بين اللغة والإدراك هو ما يجعل تجربته امتدادًا للسؤال لا محاولة لإغلاقه.

بدأت معرفتي به من خلال ديوانه «كلمات من النبض»، الذي يلتقط التفاصيل الدقيقة المهملة في الحياة لكنها تترك أثرًا عميقًا في الذاكرة. لم يكن الديوان تجميلاً للواقع، بل إصغاءً إليه من الداخل، حيث تتحول اللحظة إلى كيان قابل للتأمل. منذ القراءة الأولى، تشكّل لدي انطباع بأنني أمام كتابة تقوم على وعي هادئ يوازن بين الحسّ والتحليل، وتجعل من اللغة أداة فهم للعالم قبل أن تكون أداة وصف له. هذا الانطباع تحوّل إلى رغبة في اللقاء، كأن النص نفسه يقترح أن تُستكمل القراءة في الحياة لا على الورق فقط.

 

حين زرناه برفقة صديق، كان المشهد خالياً من الطابع الاستثنائي لكنه حمل ما هو أعمق: بيت هادئ، استقبال بسيط، وحضور يوحي بتجربة طويلة مع الثقافة دون فرض. ابتسامته القصيرة خفّفت المسافة، وكأنه لا يمارس الترحيب كعادة اجتماعية بل كفعل إنساني يقوم على إدراك الآخر قبل التحدث إليه. إلى جانبه، كانت زوجته حاضرة تمنح المكان دفئًا خاصًا، لا كتفصيل جانبي بل كعنصر يكمّل بنية اللقاء، حيث يتحول البيت إلى مساحة حوار مفتوحة تتقدم فيها البساطة، ويصبح الصمت جزءًا من المعنى بقدر ما يكون الكلام.

بدأ الحديث فتغيّر إيقاع الزمن. لم يكن راجح نعيم يقدّم سيرة جاهزة، بل كان يعيد ترتيب ذاكرته بصوت هادئ يشبه التأمل. أسماء ومجلات وكتب تتقاطع في حديثه دون ضجيج، وكأن الماضي يُعاد بناؤه في اللحظة ذاتها. من خلال هذا الحوار، تبيّن أن مساره المهني تشكّل من تداخل بين الصحافة الثقافية والبحث الأدبي والاهتمام باللغة العربية، إضافة إلى الترجمة وإعداد البرامج الثقافية والعمل في المجلات الفكرية. هذا التعدد لم يكن تشتتًا، بل بنية معرفية واحدة ترى الثقافة كنسيج متصل تتجاور فيه الحقول.

تولّى رئاسة تحرير مجلة «المقتطفات» لسنوات، وكان مدققًا لغويًا في التلفزيون الرسمي، كما أسهم في العمل الإعلامي الثقافي، وشارك في الترجمة الأدبية، ومن أبرز أعماله ترجمة «سبع مسرحيات عالمية» لدون بايرن. نُشرت له مقالات ودراسات في مجلات ثقافية مثل «الضحى»، وهو عضو في اتحاد الكتاب اللبنانيين. تتضح ملامح تجربته الكتابية في عناوين مثل: «المعرفة بين النعمة واللعنة»، «جسد لا يشيخ وعقل لا يحدّه زمن»، «إضاءات على فكر جورج شامي»، «لبنان في مئة عام: أفكار وتجارب»، و«تحدّي تجديد العروبة» – ليست مجرد عناوين مستقلة، بل علامات على مشروع فكري يرى في الكتابة امتدادًا للسؤال.

في لحظة من الحوار، بدا أن الكلمة عنده تُختبر قبل أن تُقال. كان يتوقف عند الفكرة ليعيد قياسها داخليًا، لا بحثًا عن البلاغة بل عن دقتها وحدودها. هذا التروّي يكشف أن اللغة لديه ليست مساحة للتعبير السريع، بل مجال دائم للمساءلة. ورغم هذا العمق، لم يكن الحديث ثقيلاً، بل حمل خفة ناتجة عن انسجام بين التجربة والمعنى، وكأنه لا يشرح حياته بل يتيح لها أن تتكلم بهدوء.

 

ومع امتداد الجلسة، تبلورت صورة أوسع: أنه ينتمي إلى جيل جمع بين الصحافة الأدبية والعمل البحثي، وترك أثرًا واضحًا في الكتابة العربية داخل لبنان، خصوصًا في البيئات التي اهتمت بتوثيق الفكر وتحليل التحولات الأدبية، مع حضور ممتد في العمل الثقافي المؤسسي. في أواخر عام 2025، جرى تكريمه من قبل اللجنة الثقافية في المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز بحضور شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الدكتور سامي أبي المنى، تقديرًا لمسيرته الأدبية والصحافية الطويلة، حيث أشير إلى التزامه بالكلمة الرصينة وحرصه على القضايا الفكرية والوطنية، بصفته نموذجًا للكاتب الذي يربط بين المعرفة والمسؤولية دون أن يفصل بين الفكر وسلوك الحياة.

لكن بعيدًا عن الألقاب والتكريمات، بقي الانطباع الأعمق مرتبطًا بطريقة حضوره ذاتها. عند المغادرة، لم يكن الوداع حدثًا مباشرًا، بل انتقالًا هادئًا من حضور ممتلئ إلى ذاكرة أكثر اتساعًا. خرجنا ونحن نشعر أن اللقاء لم ينتهِ، بل انتقل إلى طبقة أعمق من الفهم. في الطريق، لم يكن السؤال عن الرجل وحده، بل عن معنى أوسع: كيف تتحول الكلمة إلى حياة، وكيف تترك الحياة أثرها في اللغة دون أن تفقد إنسانيتها؟ وهكذا بقي اللقاء مفتوحًا، لا كحدث انتهى، بل كتجربة تواصل عملها في الداخل كلما عاد الإنسان إلى العلاقة بين الذاكرة والمعنى، وبين النص وما يخلّفه في الوعي من أثر لا يُمحى.

***

*كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *