الشِّعر في زمن الحرب: حين تتمسَّك الإنسانيَّة بما تبقّى لها

Views: 88

سحر بالمر *

ما نراه لم يعد يُحتمل بسهولة. صور النزوح والفقد والقتل تكرّرت حتى صارت واقعاً مستمراً لا لحظاتٍ منفصلة. لكن ثمة ما لا يُذكر كثيراً: الحرب لا تكتفي بما تمحوه من الجغرافيا الظاهرة، بل تقتل شيئاً في الداخل، تدريجياً، حتى يصير الناجي أكثر صمتاً من الأموات.

هنا يصبح الخطر الحقيقي ليس فيما يحدث حولنا، بل فيما قد نتحوّل إليه. كيف لا نفقد قدرتنا على الإحساس؟ كيف لا نعتاد على هذا القدر من القسوة حتى تُصبح حالةً عادية؟

الشِّعر لحماية المشاعر والنفس

في هذا المعنى، لا يكون الشعر ترفاً ولا وسيلةَ تعبير فحسب، بل طريقةً لحماية ما يتآكل. لأنه يُعيد فتح المسار بين التجربة والشعور، بين ما يحدث وما يُعاش فعلاً.

حين يُنتزع الإنسان من أرضه وبيئته وأحبائه، لا يفقد ما حوله وحسب، بل يفقد جزءاً من تكوينه. الفقد يمتد إلى جغرافية النفس: إحساسٌ بعدم الاستمرارية، وعبثٌ بأحلام المستقبل، وشعورٌ بأن الهوية تُسحب بشكل منهجي. والثقل يقع على من يبقى، يرى ما اختفى ويحمل ذكريات ما لم يعد موجوداً.

لكن الإنسان لا يُحتجز في داخله إلى الأبد. تتحرك قوة خفية تبحث عن منفذ، فيشتد الحنين ويعلو، ويُصبح الحب والقرب ما يُبقيه على اتصال بما تبقّى من إنسانيته. يكتب أنور الخطيب عن حياة اخترقها الخطر إلى الصميم ومع ذلك تستمر:

صرنا والصاروخ أصدقاء / يُعلمنا بحضوره / نحضّر له وجبة الغداء على طاولات الفناء”. وفي نصٍّ آخر له يظهر ما يتحمله الإنسان من ثقل الفقد الداخلي:

الدمع كيمياء الشوق ونبض الروح / كلما زاد عن حدّه / التأمت جروح وانفتحت جروح

وفي شعر نمر سعدي، يتحوّل الحب ويصير مالحاً، خارجاً من نفس تجربة التعري من الطبيعة الإنسانية:  

زوّديني من الثمر المتلهِّف / من قُبَلٍ زمَّها الملح في الشهد

أما الشاعرة التونسية، بهيجة البعطوط، فتقول بصوت كتقرير إخباري عاجل: “تم العثور على قصيدة حيّة تحت أنقاض القصف / وتبيّن أنها لم تكن كلمات / بل قلباً يرفض التوقف”

الشعر لا يوقف الحرب، ولا يُعيد ما فُقد. لكنه يرفض أن يمرّ كل هذا دون أثر. يرفض أن يتحوّل الإنسان إلى شاهد صامت.ولعلّ ما يُبقي الإنسان إنساناً في مثل هذه الظروف ليس قدرته على التحمّل وحده، بل قدرته على أن يشعر رغم كل شيء. ألّا يفقد حساسيته، ولا حنينه، ولا رغبته في القرب.

وهذا تحديداً ما يحاول الشاعر أن يُحافظ عليه.

* كاتبة وبودكاستر بريطانية فلسطينية، صدر لها اثنا عشر كتاباً وتقدّم منذ أكثر من عشرين عاماً ولها مدونة صوتية باللغة الإنجليزية حول الوعي والقيادة الذاتية. وتعمل حالياً على إصدار مجموعتها الشعرية العربية الأولى “أنثى السَّحر” من دار عنوان للنشر.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *