سجلوا عندكم

الأب نجيب بعقليني: نحن بحاجة أن نُنصف المظلومين ونساعد الذين ارتكبوا المعاصي ونربي أولادنا على المسامحة والغفران

Views: 556

متى يتم الحديث عن العفو العام؟ ولماذا؟ وهل يُعدّ ذلك دليلَ عافيةٍ للقضاء والعدالة، ولمفهوم بناء الدولة القائمة على الديمقراطية والمساواة والعدالة؟ هل لبنان بحاجة فعلًا إلى عفو عام، أم أنّ الحل يكمن في تخفيض العقوبات وتسريع المحاكمات وتحقيق العدالة؟ لماذا  انتظر لبنان كلّ هذه السنوات ليعود الحديث اليوم بقوة عن اقتراح العفو العام؟ هل يوجد في السجون اللبنانية أشخاص مظلومون أو موقوفون منذ سنوات من دون محاكمات عادلة وسريعة؟ وما الأسباب التي أوصلت إلى هذا الواقع؟ ماذا يستطيع المجتمع والدولة والمؤسسات الروحية والإنسانيَّة أن تقدم لهؤلاء السُّجناء ولعائلاتهم؟ وما هي المعايير أو العوامل الأساسية التي يجب أخذها في الاعتبار عند مناقشة وإقرار أي اقتراح للعفو العام؟ هل توجد اليوم في لبنان إرادة حقيقية للمسامحة والغفران والمصالحة؟ وهل نزلاء السجون مستعدون للندامة والتوبة وتحمل المسؤولية وطلب المغفرة؟ هل يمكن الحديث عن “عدالة تصالحية”حقيقية بين مرتكبي الجرائم وأهالي الضحايا، بما يحفظ كرامة الإنسان وحقوق المجتمع؟

   هذه الأسئلة وغيرها أجاب عنها الأب الدكتور نجيب بعقليني رئيس “جمعيَّة عدل ورحمة” في حديث إذاعي،  استهله بالقول إنّ  “جمعية عدل ورحمة” ولدت من تعليم الكنيسة الاجتماعي، موضحًا “أننا كرهبان وككهنة مهمتنا نشر الإنجيل وكلمة الله من خلال عمل الرحمة والعمل الإنساني. “أَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي، عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي، كُنْتُ غَرِيباً فَآوَيْتُمُونِي، عُرْيَاناً فَكَسَوْتُمُونِي، مَرِيضاً فَزُرْتُمُونِي، سَجِيناً فَأَتَيْتُمْ إِلَيَّ!” (متى 25: 35)، إذًا هنالك رسالة تنطلق منها الرهبنة، بحضورها النُّسكي والرعوي والإرسالي والتبشيري، بمعنى نقل كلمة الله وجعل الإنسان يعيش بسلام ومحبة مع أخيه الإنسان. عندما استعمل كلمة تبشيري، لا أعني أن نعظ الناس ونقنعهم بحقائق نحن نؤمن بها تحت الضغط، أو نرشيهم بتقادم ليغيروا معتقدَهم. التبشير يعني أنّ لدينا رسالة إنسانيَّة مفترض أن نؤديها من خلال النذور التي يعيشها الكهنة، أي حمل رسالة محبة، وسلام، وعطاء للمجتمع، ومن خلال الأفعال أي تجديد الإنسانيَّة، مساعدة المحتاجين، والشهادة للقيم النبيلة”.

   أضاف: “من هذا المنطلق وُلدت الجمعية منذ 28 سنة، ولا تزال تولدُ من جديد كل يوم، لأن الحاجات مُلحة أكثر من أي وقت مضى. لا بد من الإشارة إلى أن الباباوات عندما يزورون أي دولة يقصدون السُّجون فيها، ونذكر، على سبيل المثال، البابا فرنسيس والبابا لاون الرابع عشر. إذًا هنالك عالم يحتاج أن نكون موجودين قربه، فكانت “جمعية عدل ورحمة” التي تضم كهنة وعلمانيّين. إذا عدنا إلى الكتاب المقدس، العهد للقديم والعهد الجديد، نجد ذكرًا للعدل والرحمة  حوالى 90 مرة، وهذا العنوان مهم معبر ويفترض بنا العمل من خلاله ونوازن بين العدل والرحمة كي لا يتحول العدل إلى قسوة، ولضبط الرحمة في مكانها الصحيح”.

   تابع: “”كونوا رحماء كما أن أباكم أيضًا رحيم”. الله هو الديان العادل، ونحن نطلب عادة: يا رب عاملنا برحمتك ليس بعدلك، لأنه إذا عاملنا بالعدل ربما ستكون إدانتنا قاسية بسبب ارتكاب الإنسان المعاصي والخطايا والشر، من تعدٍّ على الطبيعة وعلى أخيه الإنسان وعلى مخلوقات الله”.  

   أوضح أنّ “أعمال الرحمة تعني زيارة المريض والسَّجين ومرافقة روحية أي مساعدة الأشخاص ومسامحتهم. لا تعني الرحمة أن نعفي عن الشخص المرتكب المعاصي، بل أن نعطيه فرصة جديدة ليظهر نيته في التوبة والندم وتغيير مسلكه. الرحمة لا تنفي العقاب، عندما يقاصص الأهل الأولاد أو يعاقبوهم، لا يعني ذلك أنهم يكرهونهم، بل يصلحون مسلكهم، يساعدونهم ، ينورونهم، هنا تكمن الرحمة. نحن نستمع إلى الأشخاص ليفهموا العدل الذي يجب أن يطبقوه، لا أن يشعروا أنهم مظلومون، وليعلموا انهم إذا ارتكبوا معصية عليهم التكفير عنها لياخذوا فرصة ثانية وهي الرحمة”.

   أشار إلى أننا “في عالمنا المتحول، عالمنا المعولم الذي يهتم بالاقتصاد والإنتاج، نحن بحاجة إلى عالميَّة، يعني حقوق إنسان عالمية تنطلق من مبادئ وشرعة حقوق الإنسان، ومن المحاكم الدولية والقانون الدولي. نحن بحاجة في هذا الوطن والمجتمع أن نُنصف المظلومين، نُساعد الذين ارتكبوا المعاصي من خلال التأهيل، المتابعة، المرافقة، الإصغاء، لتوعيتهم وتحسين أدائهم وتحضيرهم للاندماج مجددًا في المجتمع، في المقابل علينا أن نعمل للتخفيف من الجريمة، لا سيّما أنّ الاكتظاظ في  السُّجون ناجم  عن ازدياد الجريمة وتفشي الفساد”. 

   اعتبر أنّ “الأمر الأول الذي يفكّر فيه السَّجين هو أنه يريد الخروج من السِّجن بأي ثمن، بطرق شرعية أو غير شرعية، يفكر بالهروب وكيفية العودة إلى الحرية خاصة إذا كان مظلومًا، فضلًا عن المعاناة من الاكتئاب والأحباط والخوف والذنب والندم والحقد والانتقام… في لبنان ما زلنا نتكلّم عن الحقوق الأولية الأساسية أي المأكل والدواء، فيما في أوروبا يتكلمون عن حقوق رقمية على الانترنت، أي أن تكون للسجين هوية رقمية، وسرية رقمية، وتكون له حقوق اقتصادية أي أن يعمل داخل السِّجن ويرسل المال لأهله، فضلًا عن ترتيبات في حال كان سلوكه حسنًا كأن يخرج إلى المجتمع للعمل نهارًا والعودة مساء إلى السِّجن، أو قضاء بضعة أيام عند أهله والعودة إلى السِّجن”.

   كشف أنّ الاكتظاظ وصل في لبنان إلى 330% في سجن رومية وكل مراكز التوقيف في لبنان، وأن سجن رومية وسجن زحلة كانا يتمتعان بمعايير دولية ولم يطبّقا قواعد نيلسون ماندلّا، وأنّ الدولة عندما تحجز حريَّة شخص، عليها تأمين الحقوق الأولية الأساسية الضرورية، لافتًا إلى أنه “بسبب الاكتظاظ لدينا صعوبة في إعادة التأهيل، ولكن كجمعيّات نُساند قوى الأمن الداخلي لمساعدة نزلاء السِّجن، من خلال برامج تأهيليّة، ومتابعة ملفاتهم القانونيّة والصحيّة، وتنظيم دورات محاسبة وكمبيوتر ومحو أميّة ورسم ونشاطات ثقافية وفنية ولقاءات توعوية على دورهم في المجتمع، وتأمين مرافقة نفسية من خلال الإصغاء وتحفيز السَّجين على التغيير”.

   أكّد أنّ “ثمة أهالي يعيشون العقوبة مع الذين ارتكبوا المعاصي من أفرادهم، ويواجهون صعوبات جمة، من بينها المواصلات إذا كانوا قاطنين في مناطق بعيدة، فيتعذر عليهم زيارة سجينهم باستمرار، وفي حال تمت تكون من وراء الزجاج، فتزداد المرارة، فضلًا عن عيش الأهالي الوصمة في المجتمع ما يؤثر على جو العائلة وعلى الأولاد فيشعرون بأنهم مذنبون بدورهم. في السابق كنا نرافق الأهالي ونساعدهم، عبر استقبالهم في المركز الذي أنشأناه قرب سجن رومية المركزي، وندرس معهم الملفات ونرى حاجاتهم…”

   أشار إلى أنّ “جمعيّة عدل ورحمة” تهتم بالمرتهنين للمخدرات، “لهذه الغاية أسسنا منذ سنة ألفين في سجن روميه المركزي مركزًا خاصًا لهم، وقتها كان القانون يجرّم المدمن على المخدرات، أما اليوم فيمثل، لدى توقيفه من قوى الأمن، أمام لجنة مختصة ويطلب أن يعالج، فترسله اللجنة إلى أحد المراكز الموجودة في لبنان، وفي حال استمر بالإدمان يتوقف في السِّجن. لدينا، في الجمعية، مركز في الرابية لمعالجة المدمنين على المخدرات ومساعدتهم والعمل على إعادة تأهيلهم لينخرطوا في المجتمع بشكل سليم”.

   لا تنتهي عقوبة السَّجين عندما يخرج من السِّجن، برأي الأب نجيب بعقليني، بل تبدأ للأسف عقوبة ثانية، فلا يتقبّله المجتمع ويخاف منه، “مهمتنا مرافقة السَّجين ليخرج إلى الحرية بطريقة صحيحة، هنا تكمن أهمية الغفران. الله  غفر برحمته ومات على الصليب من أجلنا وهو أكيد “الرحوم الرحيم”، رغم خطايانا والشرّ الذي يرتكبه الإنسان. يتطلب الغفران شجاعة وصلاة، ليس من السهل أن يغفر الإنسان ويسامح، لكن هنالك أشخاص في السِّجن غفروا لكن لم ينسوا بل تركوا العدالة تأخذ مجراها. ثمة أشخاص  يرتكبون الجريمة ليس عن سابق تصور وتصميم، بل تأتي ردة فعل عن جهل عدم توعية، وثمة أشخاص ينغمسون بالجريمة عن سابق تخطيط، مثل تجار المخدرات الذين يستفيدون من المال وتبييض الأموال من مال المخدرات”.

   أكد ضرورة “أن نربي أولادنا على الأخلاق، على القيم الإنسانيَّة، على الأخوة الإنسانيَّة وعلى المسامحة والغفران، وأن نبدأ بالحفاظ على القانون ونربي الأجيال الجديدة على تطبيق القوانين، بهذه الطريقة تخفّ الجريمة. الكرامة الإنسانيَّة تخلق فينا ولا أحد يعطينا إياها، لا الدولة ولا غيرها، من هنا يجب الحافظ عليها لأن الله أعطانا هذه النعمة، وأخذ إنسانيّتنا واتحد بطبيعتنا البشرية ليشاركنا حياتنا وضعفنا، ويرفع الإنسان إلى مقامه الإلهي، لذا نحن مدعوون بإنسانيتنا أن نحيي هذه الكرامة ونعطيها قيمة إلهية”.

   الخبرات التي عاشها الأب نجيب بعقليني منذ 30 سنة عندما كان نائبًا لرئيس  “جمعية عدل ورحمة” وعندما ترأسها منذ 11 سنة، والمشاهدات، والخبرات، وورش العمل، والعمل في مجال حقوق الإنسان، والتعديات التي تقع في المجتمع وبالعالم… كل ذلك دفعه ليكتب ويسجل نتيجة التجارب التي عاشها والدراسات والأبحاث والمطالعات، لا سيما انتهاك حقوق الإنسان في لبنان بطريقة مباشرة وغير مباشرة، وقال في هذا المجال: “نحن مدعوون أن نرجع نعيش الإنسانيَّة كما أراد الرب لنا. طبعاً نحن نتعلم من هؤلاء الأشخاص الفاقدي الحرية عندما يعطون شهادة حياة. هم اختبروا الألم، اختبروا العزلة، اختبروا التوبة وعاشوها. إنهم يؤثرون بي ويعطوني دافعًا لأكمل النضال لمساعدة مجتمعنا ليتخلص من أمراضه، لا سيما في مجال حقوق الإنسان. المهم ليس الأقوال والشعارات، بل أن تتطابق الأقوال مع الأفعال. للأسف نعيش في وطن تسيطر عليه عناوين كثيرة وشعارات كبيرة لكنها لا تطبق على الأرض”.

   أكد أن “بعض السُّجناء مظلومون لكننا لم نستطع مساعدتهم لتخطي الظلم، لذا تكون لديهم، عادة، ردة فعل حقد وانتقام، فيخرجون من السِّجن ولديهم نفور من المجتمع ومن المسؤولين الذين سببوا له هذا التوقيف. هنا نتساءل: كيف نستطيع أن نرد للسجين المظلوم الاعتبار ويأخد حقه. في القضاء تقع أخطاء، أحيانًا، بسبب تدخل المحسوبيات والسياسيات… فيصدر حُكم ربما نتيجة معلومات خاطئة، فيُظلم الشخص. ما أصعب الظلم، وهو أصعب حتى من الموت. وحدهما العدالة والرحمة الطريق المؤدي إلى المحبة، الرحمة نبنيها من خلال الحُبّ والعدالة معها تكون عدالة حقيقية، ليس عدالة مزيفة أو متأخرة أو نسبية أو نستخدمها كغطاء لتمرير إساءات”.

   أضاف: “من خلال خبرتنا مع السُّجناء، رأينا أنّ كثرًا منهم قضوا محكوميتهم ويجب أن يخرجوا إلى الحرية، لكن لأسباب كثيرة لم يتمّ ذلك، من هنا يفترض أن يكون قانون العفو إنسانيًّا ووطنيًّا يعني أن يكون ثمة توافق عليه. لذا على مجلس النواب الذي يحاول منذ سنوات تشريع قانون عفو ولم ينجح إلى الآن، أن يأخذ في الاعتبار تجارب الذين هم على تماس مباشر مع السُّجناء وعائلاتهم من قوى أمن داخلي وجمعيات وقضاة ومحامين ومجتمع مدني، لكن للأسف لم يحصل هذا الأمر بتاتًا”.

​   تابع: “يجب ألا يكون العفو العام العام شاملًا، بل اعتماد قانون تخفيض عقوبات لبعض الجرائم. أحيانًا يتمّ تخفيض عقوبات لأشخاص من بعض المذاهب والطوائف والأديان، فتختلط الأمور ببعضها البعض. قبل العمل على اقتراح قانون عفو عام بهذا الشكل، يجب تحضير المجتمع ووضع آلية للتصرف عملية وعلمية نستطيع من خلالها تحقيق العدالة، وتأمين تعويض لأهالي الضحايا كي ينالوا حقوقهم، لكن المسؤولين للأسف ينتظرون حجة الاكتظاظ لطرح قانون عفو عام”.  

  أكّد الأب بعقليني أنه ليس ضد العفو “لأنه قد يساعد المظلومين داخل السِّجن، لكن يجب وضع خطوط حمر  في ما يتعلق بالأمور الوطنية. البعض يطالب باستثناء عقوبة القتل من العفو، إنما تخفيف العقوبة، هذا يسمى نوعًا من التذاكي والشطارة على القانون، ولم تتم  استشارة نقابة المحامين والقضاء والجمعيات التي تشتغل على الأرض. في هذا المشروع الذي يعمل عليه النواب، يجب الحفاظ على العدالة وعلى الرحمة. طبعًا، العدالة والرحمة يكملان بعضهما البعض، ولا يتناقضان. لذلك، يجب أن نحضّر كل شخص سوف يخرج إلى الحرية، ونحضّر المجتمع لقبوله ليستطيع الاندماج فيه، ونجد له فرصة عمل،  ليتوب ويندم ويتغير ويغير مسلكه”.

   توقف عند العدالة التصالحية وقال: “اليوم، نتكلّم عن العدالة التصالحية، لكن في هذه الظروف التي نعيشها وفي خضمّ التراشق الإعلامي على وسائل التواصل الاجتماعي، من الصعب أن نتكلم  عن عدالة تصالحية، وتعني أن الشخص الذي ارتكب الجريمة يستطيع مع الوقت الندم وطلب المغفرة والمسامحة من أهل الضحايا، وأهل الضحايا يمنحوه المسامحة. ولكن قبل بلوغ  العدالة التصالحية التي نحلم فيها، على الإنسان أن يشتغل على حاله أي تحرير ذاته من شوائب وموروثات خاطئة تسيء إلى النظرة إلى الآخر”.

   أشار إلى أنه “بسبب الاكتظاظ، من الصعب تأمين التأهيل العلمي والعملي للسجين، لكن يكفي أن نصغي إليه، ونرافقه ونراقبه إذا استطاع تخطي عقدة الذنب وأن يغفر لحاله وللآخرين ويغفر له أهالي الضحايا. ليس هدفنا أن ندينه أو نعاقبه، بالعكس نريد أن نساعده ليكتشف أخطاءه، هنا تأتي المتابعة النفسية والاجتماعية وبعض النشاطات التي تساعده مع الوقت ليتخطى الكره والحقد والانتقام”…

   اعتبر أن “قضية العفو نسبية، وهنالك انقسام بين الأهالي: أهالي الضحايا يرفضون العفو العام، وأهالي المحكومين يتحمسون له، ومن الصعب أن يلتقوا مع بعضهم البعض، لكنهم جميعهم يعيشون في قلق وضغط، لأن المتحمسين له لا يرونه يتحقق، والرافضين له يأخذون في الاعتبار كرامة الضحايا الذين ذهبوا ضحية المخدرات أو الجريمة أو السرقة… نحن نعمل مع أهالي المحكومين وأهالي الضحايا، وعلى الدولة العمل معهم قبل أن يشتغل مجلس النواب على قانون العفو في غرف مغلقة، واستشارة أخصائيين والعمل معًا لوضع معايير قابلة للتطبيق،  ترحم الأشخاص الذين تعرضوا  للظلم. في الدول المتحضرة، باستطاعة الشخص المظلوم أن يطالب الدولة بدفع مبالغ مالية له لأنها اعتدت عليه وظلمته وسجنته”.

تابع في هذا السياق: “في لبنان نعالج النتائج قبل أن نعالج الأسباب، وعندما تقع المشكلة والصعوبة والمصيبة نفكر كيف نحلها. في مسألة السجون كان يجب أن نحل مشكلة الاكتظاظ من دون أن نضطر إلى إصدار قانون عفو عام. طبعًا النزوح السوري منذ 2011 أدى إلى كثافة في السكان وازدياد الجريمة، فضلًا عن أسباب أخرى منها عدم إمكانية قوى الأمن الداخلي نقل نزلاء السِّجن إلى المحاكم، وأسباب تراكمية ولم نستطع معالجتها، فتركنا الأمور عن قصد لتنفجر وتفتح أبواب السجن بطريقة شرعية، يعني من خلال العفو العام، أو بالقوة من خلال الأهالي مع نزلاء السجون غصبًا عن إرادة العدل والقضاء والشرعية. للأسف لم تستطع الدولة مساعدة نزلاء السجون ولا حتى تأمين بدل مادي للقضاة لتسريع المحاكمات، وتحسين المحاكم… باختصار الدولة بأكملها مهترئة، ولولا المجتمع الدولي والضغوط التي مارسها لإلغاء عقوبة الإعدام لما تحركت الدولة اللبنانية لإلغائها. ولا مرة غيرت عقوبة الإعدام المجتمع، من هنا الرادع هو التربية والوعي، هو المتابعة، هو تأمين فرصة عمل، هو التنمية المستدامة، هو العلاقات الإنسانيَّة السليمة، هو احترام حقوق الانسان. في الدول الاسكندنافية مثلا السجون نوعًا ما فارغة، لأن لدى الناس مؤهلات تساعدهم كي لا يرتكبوا الجريمة، ولا يعيشوا بأحباط وبكراهية ضمن المجتمع الواحد. اليوم الجهات المانحة والقانون الدولي يركزان على حقوق الإنسان، لذلك كان يفترض أن تهتم الدولة بتخفيف الاكتظاظ وتأمين الحاجات الأولية الاساسية الماء والكهرباء والصحة والادوية والطبابة… ” 

   ختم: “أكيد العدالة نائمة والوعي نائم، والحكومة لم تنفذ شيئًا في مجال التنمية والإنماء الذي يساعد في تخفيف الجريمة، وبما أنها لا تستطيع أن تقدم شيئًا للمواطن، فالمواطن يصل إلى حدّ أن يأخذ حقه بيده. وحده القانون هو الرادع. أتمنى أن نرجع إلى التربية، إلى الوعي، إلى الحُبّ والمحبة بين الناس، وهو ما يفقده لبنان للأسف، أن نرجع إلى أصولنا الحلوة، إلى التقاليد اللبنانية، أي العيش معًا والبعد عن النفور والمحاصصة، ونتحرّر من الفساد المستشري في كلّ مكان”.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *