لبنى عطوي: تفتح كيس…..رضيعة 

Views: 64

د. جان توما

لم تكتفِ لبنى فوزي عطوي بإصدار كتابها عن ” الإرث الاجتماعيّ للأزمات، عقوق الأبوين بحقّ الأبناء”(مقاربة إيكوسيستيميّة)، بل تتابع علميًّا تسلسل أحداث ” الرّضع” الذين يعثر عليهم داخل أكياس في طرابلس وغيرها. تناولت المؤلّفة المنطلقات العامّة، ومعالجة العقوق عبر تعدّد الظروف والأبعاد، مع تجلّياتها السلوكيّة، مع تفصيل عن الزّواج “البرّاني” المشروع الممنهج نحو العقوق.

قرأت المؤلّفة كثيرًا لتكتب” سِيَرَ أطفال عاشوا في بيئات مضطربة، وفي ظروف اجتماعيّة وعائليّة، موسومة بأشكال متنوّعة من العنف السّلوكيّ والاضطراب العاطفيّ وعدم الاستقرار الاجتماعيّ والاقتصاديّ الذي أنتجه الفقر وحالات النزوح السريّ القسريّ السوريّ وتعقيداته الاجتماعيّة في البيئات المضيفة” كما تقول البروفسورة مها كيال، في تقديمها الكتاب، (ص11)، أما حدود الدراسة المكانيّة، ففي” مؤسسة رعائيّة تدعى “مؤسسة عاهدة البيسار” للحماية من عقوق الوالدين وإهمالهم”(ص11)، التي تتولّى المؤلّفة رئاستها.

 

تبرز صعوبات البحث العلميّ في هذا المجال، “القدرة على اختراق الموروث القيميّ لمناخات السّلطة والتّسلّط التي تغلّف شبكة العلاقات الاجتماعيّة، والمدرجة حتى اليوم في خانة الخصوصيّات”(ص17)، خصوصًا التداعيّات النفسيّة ” لدى قراءة محاضر قوى الأمن الدّاخليّ المرفقة بعملية استلام طفل مجهول النّسب أو مشرّد لإيوائه”( ص17). توصّف المؤلّفة نتائج القضايا الاجتماعيّة والاقتصاديّة من تفاقم الديون التي  ترزح تحتها البلاد، وانهيار سعر صرف الليرة، واحتجاز الودائع، وانتشار جائحة” كوفيد 19″، وانفجار المرفأ والحرب الاسرائيليّة (ص22)، ما أدّى” إلى توسّع كبير لدائرة الفقر في المجتمع اللبنانيّ، وراحت الأسرة اللبنانيّة تتخبّط في أحوالها المعيشيّة وفي منظومة العلاقات بين أفرادها”(ص24). من هذا المناخ الأزماتيّ المتشعّب تكوّنت قضيّة البحث ” التي ترى إلى السّلوكيات الوالديّة المتطرّفة الممارسة بحقّ الطّفل، باعتبارها إحدى تجلّيات الإرث الاجتماعيّ للأزمات المجتمعيّة المتشعّبة التي يعيشها المجتمع اللبنانيّ، والتي لم تعد تدرج ضمن الممارسات العنفيّة فحسب، بل تقدّمت إلى مرتبة العقوق”(ص25). هذه المرتبة توضحها المؤلّفة لتشرح ” تداخل مفهوم العقوق مع مفاهيم أخرى متشابهة ومتقاطعة في آن واحد، ومنها ” الإهمال”، “الإساءة”و” التعسف”(ص35)، ما دفعها إلى معالجة الموضوع عبر” الرؤية الشّموليّة للفرد في تفاعله مع بيئته الأسريّة المباشرة من جهة، ومع المجتمع ككلّ من جهة أخرى”(ص37).

تطرحُ المؤلّفةُ، بحكمِ اختصاصِهَا في العلومِ الاجتماعيّةِ “الاتجاهات الحديثة وما بعد الحداثيّة على صعيد النّقد والمعارضة إزاء المستجدّات، حيث انفلتت حياتنا اليوميّة من قبضة القيم والعادات والتقاليد، وباتت تخضع لمبادىء تنظيميّة متناقضة”(ص39-40). من الواضح صدمة الباحثة من الواقع الاجتماعيّ المقلق على هذا الصعيد إذ ” كنت أظنّ أنّ زمن العنف والإساءة للطفولة قد ولّى، مع تطوّر البُنى الذهنيّة بفعل الارتقاء في سلّم التّعليم والعمل، جاء الواقع ليدحض هذا المشهد الخارجيّ… محاضر وشهادات عديدة ممهورة بتوقيع الشهود، تشي بما صار  إليه مفهوم الأبوة أو الأمومة، ضمن منظمة علاقات أسريّة مربكة في زمن الأزمات المتشعّبة، فلنتوقف لنحلّل ولنتأمل في الإرث الاجتماعيّ للأزمات، عقوق الأبوين بحقّ الأبناء”(الغلاف الأخير).

هذا العقوق تبحث الباحثة فيه تعقّد ظروفه وأبعاده (ص47)، مركّزة على ضياع الهويّة الانتمائيّة بين الحراك والنّزوح القسريّ (ص 55) والتّشوّه الهيكليّ السوسيو- الاقتصادي وغياب المواد المهنيّة (ص58) والنقوص في القدرات الفكريّة والاختلالات النفسيّة (ص61)، مع دراسة علميّة لأهميّة التاريخ الأسريّ للوالدين من منطلق التّرسبات الطفوليّة مع التوسّع في ظاهرة الإدمان على الكحول أو المخدرات(ص67).

أمّا الفصل الثالث فخصّصته الباحثة للتجلّيات السّلوكيّة لظاهرة العقوق: صور لأطفال في محاضر القوى الأمنيّة (ص75)التي تبيّن بوجع التّأثيرات العميقة للوضع الإشكاليّ الأخلاقيّ المقلق كالابتعاد القسريّ: المشرّدون ومجهولو النّسب (ص76)،والاعتداء الجسديّ (ص86)، محلّلة العدوانيّة المتأتية من هذه الأوضاع السيئة(ص88)، والاستغلال والإساءة الجنسيّة ( ص91) ومتوسّعة في مدى قصور الرّعاية الصّحيّة والإهمال الدراسيّ (ص101). لقد أضاءت الباحثة على القضايا الشّائكة فلم تكتف بمعالجة العقوق، إرهاصات وتداعيات، بل ذهبت إلى مسألة معاودة إنتاج العقوق، وخاصة في إسقاطات الأبناء تجاه الأبوين، (ص109)، “ما يفسح المجال تدريجيًّا إلى ظهور مسار إجراميّ خطير”(ص113) نتيجة الفوضى العاطفيّة مع المحيط العائليّ(ص119)، وبروز متلازمة التخلّي/الكراهيّة(ص113)، والعدوان الاستباقيّ، والدّفاعيّ، والعاطفيّ والظّرفيّ (129).

هذه الإشكاليات قادت الباحثة إلى دراسة مجموعة من التحدّيات في محاصيلها الاجتماعيّة كنتائج الّزواج” البرّاني” كمشروع ممنهج نحوالعقوق (132)، وقضية مكتومي القيد، أشباح في عيون المجتمع(ص147)، وضعيتهم القانونيّة والصّحيّة والتّعليميّة والمهنيّة (ص152)، من هذا التراكم الإشكاليّ ترى الباحثة خلاصة:” إنّ الاعتراف بالمشكلة هو بداية التحوّل نحو حلّها، فلا بدّ لنا أن نعي أنّ الاضطهاديّة القهريّة الموجّهة ضدّ الطّفل هي إحدى القيم التي تختزنها منظومة العلاقات الأسريّة في زمننا الراهن، ولا بدّ لنا أن ندرك، في النهاية، أنّ عقوق الأبوين بحقّ الأبناء هو الإرث الاجتماعيّ الجديد الذي خلّفته الأزمات المتشابكة في نطاق الأسرة اللبنانيّة” (ص157).

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *