سجلوا عندكم

الإقامة الذهبية في جمهورية الأوهام: عندما يصبح الضباب مشروعًا اقتصاديًا

Views: 58

د. زهير علامة

في بلدٍ تتهاوى فيه الدولة قطعةً بعد قطعة، وتتآكل مؤسساته أمام أعين مواطنيه، يخرج علينا بعض المسؤولين بمشروع “الإقامة الذهبية” وكأن لبنان يعيش طفرة اقتصادية تشبه دبي أو سنغافورة أو سويسرا، لا أحد أعنف الانهيارات المالية والنقدية التي شهدها العالم في العقود الأخيرة.

في خضم الأزمات الأمنية المتلاحقة، والشلل السياسي المزمن، والفساد الذي تحوّل إلى نمط حكم، والانهيار المالي الذي التهم مدخرات الناس وأعمارهم، يبدو الحديث عن الإقامة الذهبية أقرب إلى بيع الأوهام منه إلى مشروع إنقاذ اقتصادي حقيقي.

فأي مستثمر هذا الذي سيُغريه الحصول على إقامة في بلدٍ لا يستطيع مواطنوه أنفسهم الاطمئنان إلى أموالهم أو مستقبلهم أو حتى إلى استمرار دولتهم؟

إن المشكلة الحقيقية في لبنان ليست نقص المستثمرين، بل انهيار الثقة. والثقة ليست سلعة تُشترى بقانون، ولا تُستورد بمرسوم، بل تُبنى بقضاء مستقل، وإدارة شفافة، ومؤسسات محترمة، وأمن مستقر، واقتصاد يمكن الاعتماد عليه.

منذ سنوات، لم يفقد لبنان المستثمر الأجنبي فحسب، بل خسر المستثمر اللبناني نفسه. آلاف رجال الأعمال اللبنانيين نقلوا استثماراتهم إلى الخليج وأفريقيا وأوروبا والأميركيتين. بعضهم بنى إمبراطوريات مالية وصناعية خارج البلاد، ليس لأنه لا يحب لبنان، بل لأنه لم يعد يثق بدولته.

فإذا كان اللبناني نفسه، ابن الأرض والتاريخ، لا يشعر بالأمان الكافي ليستثمر في وطنه، فكيف نتوقع أن يأتي مستثمر أجنبي ليخاطر بأمواله هنا؟

السؤال الذي يتجنب كثيرون طرحه هو الآتي:

هل يحتاج لبنان فعلًا إلى مستثمرين جدد، أم يحتاج أولًا إلى استعادة ثقة المستثمرين الذين فرّوا منه؟

قبل الحديث عن إقامة ذهبية، هناك عشرات آلاف المودعين الذين ما زالت أموالهم محتجزة أو مفقودة فعليًا في المصارف. هناك شركات أفلست، ومؤسسات أقفلت أبوابها، ورجال أعمال خسروا ثروات عمرهم بين ليلة وضحاها تحت أنظار الدولة والمصرف المركزي والطبقة السياسية.

فأي رسالة يوجّهها لبنان إلى العالم؟

الأكثر إثارة للاستغراب أن بعض المدافعين عن المشروع يتصرفون وكأن الأزمة اللبنانية تقنية أو إجرائية، وكأن المستثمر ينتظر مجرد ورقة إقامة خاصة كي يقرر ضخ ملايين الدولارات في الاقتصاد اللبناني.

لكن الحقيقة مختلفة تمامًا.

فالمستثمر لا يبحث عن إقامة، بل عن ثقة.

ولا يبحث عن عقار، بل عن استقرار.

ولا يبحث عن مشروع فحسب، بل عن دولة تحمي مشروعه.

وهنا تكمن المعضلة الكبرى.

فلبنان اليوم لا يعاني من نقص القوانين بقدر ما يعاني من غياب الدولة نفسها. لدينا فائض من النصوص القانونية، وعجز مزمن في تطبيقها. ولدينا أجهزة ومؤسسات وهيئات لا حصر لها، لكننا نفتقد إلى أبسط مقومات الحوكمة الرشيدة والمساءلة الفعلية.

أما الحديث عن أن الإقامة الذهبية ستنعش الخزينة وتستقطب الرساميل، فهو أشبه بمحاولة تزيين واجهة مبنى تتصدع أساساته.

كيف يمكن جذب الرساميل فيما الكهرباء لا تزال أزمة وطنية مزمنة؟

كيف يمكن جذب المستثمر فيما القضاء متهم بالتسييس والتعطيل؟

كيف يمكن جذب المستثمر فيما تتغير السياسات الاقتصادية تبعًا للتجاذبات السياسية؟

وكيف يمكن إقناع العالم بأن لبنان بيئة استثمارية آمنة بينما لا يزال عاجزًا عن معالجة واحدة من أكبر الكوارث المصرفية في التاريخ الحديث؟

إن أخطر ما في هذا الطرح أنه يوحي بأن الأزمة اللبنانية يمكن تجاوزها بحلول تجميلية، فيما الحقيقة أن البلاد تحتاج إلى إصلاحات بنيوية عميقة لا إلى حملات تسويقية وشعارات براقة.

المطلوب ليس إقامة ذهبية.

المطلوب دولة ذهبية.

دولة تحترم القانون بدل الالتفاف عليه.

دولة تعيد الحقوق إلى أصحابها بدل إضاعة الوقت في تبرير ضياعها.

دولة تحاسب الفاسدين بدل حمايتهم أو مكافأتهم.

دولة يشعر فيها المستثمر اللبناني، قبل الأجنبي، أن أمواله مصانة وأن مستقبله محمي.

أما قبل ذلك، فإن الحديث عن استقطاب الرساميل الأجنبية يشبه دعوة الضيوف إلى مأدبة فيما أصحاب البيت أنفسهم يغادرونه يائسين.

إن لبنان لا يحتاج اليوم إلى مستثمرين جدد بقدر ما يحتاج إلى استعادة ثقة الذين استثمروا فيه وخُذلوا، ووثقوا به فخذلتهم دولته.

فالثقة هي رأس المال الحقيقي لأي اقتصاد.

وعندما تضيع الثقة، تصبح كل المشاريع الكبرى مجرد عناوين لامعة تُرفع فوق أنقاض الواقع، ويصبح الضباب نفسه مشروعًا اقتصاديًا يُسوَّق للناس على أنه إنجاز.

 

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *