“دموع النوافذ” لوفيق غريزي… توغل في الذات بحثًا عن شاكلة وجود

Views: 88

صدر عن “دار فواصل” في بيروت لصاحبها الشاعر نعيم تلحوق ديوان “دموع النوافذ” للشاعر وفيق غريزي، وهو حلقة جديدة في سلسلة ديواوينه المتمحورة حول معنى الوجود وتناقضات الحياة وتمزق الإنسان بين غريزة البقاء والتوق إلى السمو.

هذا التمزق بدا أكثر وجعًا في جديده، فالعواصف تستمرّ في اجتياح الأرض، تاركة خلفها الخراب والدماء لبشرية أخرسها زئير الرعود في وطن الأوهام، بعدما هجرته الآمال والأحلام، وغرقت الوجوه الشاحبة في اليأس والحزن الخبيء وراء البسمات.

تؤرق الشاعر صورة الطاغية الذي يطرب كالطيور الجارحة حين تمتلئ أنوفها بروائح الرمم والشعب غارق في موته، والأرواح  تغيب شموسها، فلم يعد يسمع سوى عويل الرياح وعصف التيار.

في ليل الجليد والأمطار بحث عن الحياة ، لكنه اصطدم بلهيب نار ينبجس من الأعماق وبكائن بشري مترع بالأقوال لكنه في الداخل خواء، وبحشود بشرية تناصب الرب العداء، وبخطر الموت يهدد الأولياء والشعراء، وبوردة حمقاء تسللت خفية في الليل إلى سرير بنفسجة عذراء امتصت من شرايينها النسغ والدماء وألحقتها بموكب الأموات.

 في هذا الزمن الدنيوي الذي يسوده الشقاء من المهد إلى اللحد، توغل في ذاته بحثًا عن شاكلة وجود بين إيماءات الشرّ، طارحًا علامة استفهام: هل نحن في صيرورة دائمة؟ ننمو، نتجمد، ونكبر دون انتهاء؟ بين أفواه الناس المتعبة وأرواحهم التائهة خبأ بصمت مرعب وجهه، ومن ثم أينع زهرة عند النافذة.

 في هدأة الليل أصغى إلى أنين الأقمار والنجوم، وإلى الكلمات التي لو لم يكن لها جذور لكانت حجارة صماء تملأ الدهور، لكن الشاعر  الذي فاق البهاءات صفاء ونقاء محاطًا بآيات ذاته، المختار من قبل آلهة الأرض والسماء، تبعثر حظه في الحياة من شعب يستطيب الذل والغبار، ولأنه يرفض أن يكون شاعرا ً مرتزقًا في حضرة الزعيم أو السلطان.  في النهاية، يصل إلى خلاصة مفادها: “نحن من التراب وفي التراب نزول ينهمر علينا المطر وتنكسفُ الشمس وينخسف القمر”.

المقدمة

قدمت الشاعرة غاده رسلان الشعراني للديوان بدراسة وافية  له جاء فيها:

حاولت الدخول من باب نبض كاتبنا المثمر، والموغل عتقاً، بحثاً عن قراءة من فرح، يعزف فيها موسيقى الحياة بجمالية بعيدة عن واقع معقد، فتوقفت أمام دموع نوافذه المدرارة.

من ينتبه بهدوء، فإنه سيرحل مع العناوين نحو المحتوى المتشائم والحزين متأرجحاً مع تعابيرها المتناقضة ما بين الأساطير والأديان، وما تحمله من تسميات توحي بالنزف، الألم، النار، والرماد.

غريزي يوجعه اليتم كما وخز الأشواك والمواكب الجنائزية، يتناول موضوعات النبيذ، الدماء، والصلاة، وكأننا معه في حالة عبور بين ضفاف حرية وآيات انتصار، وبين شعلة نورانية وشرارة نار ودخان وسط الرماد، هي حالة بين ألم يمزق الكيان، ورومانسية مع خفقان القلب،

بين نملة صغيرة ضعيفة لا تحسن إلا نشاطها العظيم في مساحة ضيقة، وهدهد يحلق في الآفاق بنظراته الثاقبة، والتي ترى أبعد من محيطنا المحدود…

ليبقى السؤال لدى الكاتب :

متى يجيء الربيع؟!

وهنا…

نفهم تشاؤمه المكين، وتوقه للزهد، فالسماء بمفهومها العام رمز القوة الإلهية الناظمة للكون، التي يصفها الشاعر، ويختزل عطاءاتها بالمزاريب، فيغدو التوثيق للإرادة العمياء الحاكمة للكون إذ يتلمسها ببصيرته، ورؤيته الفلسفية التي تتوج نصوصه في أغلبها…

وأمام هذه الإرادة الإلهية التي تحثّنا على الرحيل، تقف الشفاه عاجزة عن استنطاق لغتها المناسبة، يكرس غريزي طريقة تناوله للحياة المحكومة بالقوة المحركة، القوة الدافعة اللا واعية، التي تسعى للبقاء والتكاثر، دون أهداف سامية.

نتجوّل مع الأستاذ وفيق غريزي في نصوص تستدرجنا نحو الأساطير والأديان، وكأنهما ضرورة للمواجهة الملتبسة أمام أعيننا، لنستشعر كل ما كرسته في كينونة الحياة، فيؤكد لنا حالة التشتت التي تسم أعماق المتشائم، وتعلنها في حالة الضياع بين الإيمان والإلحاد.

نعيش مع نصوص الكاتب كونه ناقداً ومهتماً بالفلسفة، حالات كثيفة متسارعة يثبت لنا عبرها ضيق الزمن للإمساك بكل الأفكار التي تلتاث بها عقولنا، فهي حالات من التأمل الوجودي الضروري للارتقاء بينما تسيطر علينا الرغبات الجسدية التي تكبلنا بالمعاناة.

التساؤلات التي تطرحها النصوص، متعبة، مرهقة، تزحف على عجز، تحاول التقاط إجابات لم يلتقطها الكاتب ربما ـ كما الأغلبية بيننا ـ للتحقق من معنى الوجود، غائية الحياة، وقيمته.

رغم إسراف الكاتب في نظرته الحزينة والتشاؤمية،وإغداقه في تناول الأديان التي تتكىء نوعاً ما على الأساطير، فقد كان جلّ أمنياتي أن ألتقط رؤيا واضحة تضعني في جانب جلي الملامح، أغدو معها تحت ضوء رؤيا حازمة، جازمة، فقد تناثرت النبضات بين علو تشاؤمي سوداوي حزين، وصراعات قام باجتذابها، عساها تخرجنا من برزخ نحو حيز نعمل فيه العقل، وكأنه يسأل:

ما نفع كل هذه الاستذكارات عبر التاريخ، ما نفع كل هذي الروايات التاريخية التي استجلينا منها العبر، وما نفع كل الأخلاقيات التي كرستها الميثولوجيا عبر التاريخ البشري؟ وما نفع هذا كله للكائن الإنساني لاحقاً؟

ربما شعرت مع كاتبنا باختناق كبير لا يسمح له بالتنفس، والفرح، اختناق قد عاند حالة من التأمل العميق، تدعو لإعمال العقل والحكمة، والابتعاد عن شرور الناس، والحرام.

هذا الشتاء الغزير من الوجع، الحزن، والدموع قد سفح كل الابتهاج بالحياة، وأكد عبثية الوجود الإنساني بعيداً عن الفن والإبداع.

قد استجليت إيمان الشاعر العميق أحياناً، إلا أن التشاؤم المحض، والتوق الدؤوب لديه للوصول نحو الفرح، يؤكد فشل كل الأديان والأساطير منحنا هذه البهجة.

هذا جهد كثيف، وخلاصة حياة خبيرة ـ يتمتع بها كاتبنا ـ قد جاهدت، وكابدت لتمنح من روحها شرارة حمراء متوهجة وسط كل هذه العتمة، فأعلت صوت بصمتها .

في مواجهة الحياة ، نسعى ليكون الشعر خادمها، فاعلاً فيها، لا حاجزاً أمام نبضها، خفقاتها، وحركتها الدؤوبة، فالشعر فن البوح، وكشف أسرار الوجود عبر لغة إبداعية تفوق المنطق.

تحياتي وكل الاحترام للكاتب (وفيق غريزي) لكل ما خطه هذا الحبر المعتق في زمن نضوب الثقافة…

 

 

 

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *