اللّغةُ العربيّةُ وضرورةُ مُجاراتِها الزمن الرّقمي
الدكتور جورج شبلي
لمّا كانت اللّغة العربية حاضنة لهويّة مجتمعها، وروحِه، كان لزامًا عليها أن تواكبَ التطوّرَ الذي يطرأ على المجتمع، ما يعني رفضَها أن تكون كيانًا جامدًا، ما يلزمُها اختزان القدرة على التجدّدِ وفقًا لمعطيات الرقيّ الحضاريّ.
ولمّا كان الذّكاء الاصطناعيّ يشكّل قفزةً نوعيّة في عالَم المعرفة، حتى باتَ يحاكي العقل البشريّ في أكثر المناحي، ويتداخلُ مع مجالاتٍ متعدّدة في الحياة اليومية، كالتّعليم والصحّة والإدارة والإعلام… كان على اللغة أن تتفاعل مع المتغيّرات التكنولوجيّة، وتستوعب تطبيقات هذا الذّكاء الاصطناعي لتحافظ على وجودٍ فاعِلٍ مع العولمة والرّقمنة العالميّة.
ليسَ خفيًّا ما يبرز من تحدّيات تشكّلُ عائقًا جديًّا في وجهِ محافظة اللّغة العربيّة على حضورِها الدّولي، وهي المُحَمَّلة بتراثٍ ثريٍّ ومخزونٍ من القِيَم، بالإضافة الى كونِها مستودعَ الهويّة الجماعيّة. وأبرزُ ما يهدّدُ مكانةَ العربيّة، تَهميشُها بسبب تَمدُّدِ اللّغات الرقميّة الأجنبية، وعدمُ تطوير المناهج في تعليمها كلُغَةٍ أُم، ومَيلُ الإعلام الى اعتماد اللّهجات والمفردات الأجنبيّة، بديلًا منها، وسواها من العقبات التي تشكّل حاجزًا يَصعُبُ تَجاوُزُه بسهولة.
وتبرزُ، هنا، الإشكاليّةُ التالية : في هذا العصر الذي تسيطر عليه موجات التحوّل الرّقمي، ويتسارعُ تَبادلُ المعلومات، وتتشكّلُ المعارف في فضاءاتٍ افتراضيّة، لا تعرفُ حدودًا جغرافيّة، كيف تُحافظُ اللّغة العربيّة، على خصوصيّتها وهويّتها وسطَ هذا التّداخل الثقافي واللُّغوي ؟ واستنادًا، لا بدَّ من الإشارة الى أنّ اللّغة العربيّة تخوض معركةً لِعَيشِ تجربة الانصهار بين الأصالة والحداثة، وبين الذّاكرة التراثيّة والابتكار التّقني المُعاصِر. في ظلِّ الرّقمنة، لا بدّ من مسعًى يتطلّبُ حَوكَمة فكريّة وتكنولوجيّة يقودُها تعلُّقٌ بالتّراث، وقَبولٌ متوازنٌ للتّجديد.
ممّا لا شكّ فيه، أنّ اللّغة العربيّة تملكُ من الغِنى التّعبيري، والقدرة البلاغيّة، ما يخوّلها أن تكون لغةً قابلة للتفاعل مع تقنيّات الذّكاء الاصطناعي. لكنّها تواجهُ غيابَ البيئة الرقميّة الحاضنة، والموارد المؤسّسية الدّاعمة، والاستراتيجيات المتكاملة التي تكفلُ انتقالَها من مناخ القصيدة الى فضاء الخوارزميّات.
إنّ البيانات الرقميّة المُهَيكَلة التي تُعَدُّ العمود الفقري لأيّ نظامِ تَعَلُّمٍ آلي، أو نموذج لغوي، ينبغي أن تتمثّل في قواعد متماسكة، ومَعاجم إلكترونيّة، ونصوص مشروحة، ومحاورات صوتيّة، بحيث تنقلُ اللغة العربيّة من مجرّد تاريخٍ تراثيّ، الى مستوى “النّجوم ” الرقميّة، بحيازتِها على الأدوات التقنيّة التي تجعلها شريكةً في الترجمة التلقائية، والتّحليل الدُّلالي، ومعالجة اللغة الطبيعيّة…
إنّ اللغة العربية غنيّة بالمفردات، والاشتقاقات، والتشعّبات النّحويّة والصّرفية، ولكنْ ينقصُها مَنْ يرعاها لتصل الى التّمثيل المعرفيّ في العالَم الرّقمي، أي احتضان مؤسّسي جاد. ويتحقّق ذلك من خلال استراتيجيّة مؤسّسية، أو خطّة عربيّة موحَّدة لإدخالها في صلب مشاريع الذّكاء الاصطناعي، بواسطة مراكز بحوث خاصة باللّغة والذّكاء الاصطناعي، يقودُها وزارات التّعليم، وهيئات الاتصالات، والمجامع اللغوية…
أمّا خارطة الطريق الرّقميّة التي ينبغي اعتمادها لتمكين اللغة العربيّة من وُلوجِها بيئةَ الذكاء الاصطناعي، فتتشكّل من مجموعة مراحل. وتبدأ، هذه، بجَمع بيانات عربية متنوّعة، دينيّة، وفكريّة، وأدبية، وشَعبيّة … ثمّ تنتقلُ الى بناء الأدوات، بمعنى إيجاد مُصحِّحات ذكيّة تفهم السّياق، ومُترجِماتٍ تركّز على المعنى لا اللّفظ، ومُساعِداتٍ رقميّة تتحدّثُ بلسانٍ عربيّ سليم. وتأتي، بعد ذلك، مرحلة خَلق تفاعلٍ بين الإنسان واللّغة، حيث تُصبح العربيّة رفيقةَ المُستَخدِم في هاتفِه وبرمجيّاته، شريكةً في التّفكير والإبداع…
إنّ الذّكاء الاصطناعي ليس عدوًّا خفيًّا، إنّما هو حليفٌ يمكنُ أن يكتبَ للّغة عُمرًا ثانيًا، عبرَ النّماذج المتقدّمة، بشرط أن نُحسنَ التّدبير. إنّ اللغة العربيّة ليست عاجزة عن خوض معركة النّهوض الرّقمي، لذلك، علينا أن نستنهض الهِمم، ونعمل بخُطًى عمليّة مدروسة تستثمرُ الذكاء الاصطناعي ليكون جسرًا نعبرُ به الى مجدٍ لُغَويّ جديد.
أمّا ما يمكن أن نقترحه من توصيات، فيتلخّص بما يلي :
– إنشاء بُنوكٍ معرفيّة عربية مفتوحة تكون نواةً لتدريب النّماذج اللغوية الذكيّة بلغةٍ قريبةٍ من الواقع العربي.
– تحفيز البحث الجامعي والمؤسّساتي لإنتاج دراسات علميّة حول التّفاعل بين اللغة العربية والتّقنيات، وربط هذه الأبحاث بمشاريع قابلة للتطبيق في التّعليم والإعلام.
– إطلاق منصّات تعليميّة ذكيّة تعتمد على الذّكاء الاصطناعي لتعليم اللغة العربية للناطقين بها، بأساليب تُحاكي حاجات الجيل الجديد.
– ” تَجسير ” الهوّة بين اللّغة العربيّة الفُصحى واللّهجات العاميّة، أو اليوميّة، لِخَلقِ ما يمكنُ تسميتُه ” فُصحى العصرِ الرّاهن “. ذلك ما يجعلُ اللّغةَ العربيّة حيّةً ومَرِنة، وقادرة على التّعبير عن المستجدّات العلميّة والتطوّر التّكنولوجيّ.
– تأسيس هيئة عربية عُليا للذكاء الاصطناعي وللّغة، من مرجعيّات لغويّة وتقنيّة، تضع سياسات موحّدة لتطوير أدوات التّعليم، وفَهم اللغة العربيّة رقميًّا.



