سجلوا عندكم

رشيد درباس: “تمارين على بحر القلق”

Views: 83

جان توما

وقّع الوزير السابق رشيد درباس مجموعته الشّعريّة الجديدة، “تمارين على بحر القلقِ”، الصّادرة عن دار النهار، يطرح العنوان سؤالًا: كيف يتمكّن المؤلّف من تحميل عنوان إنتاجه سيميائيّة ما، أو ما جاء عند  اللغويين العرب من” علم الإشارة”؟ وهو علم ينصرف إلى تحليل دلالات الكلمة وعمليات توصيلها، ما يقود إلى مفهوم التداوليّة التي تُعنى بتحليل العلاقة بين الخطاب أو النصّ ومن يستخدمه، وهذا يدخل مباشرة في اقتضاب الجمل أو إطالتها كما في صياغتها تركيبيّا وبلاغيًّا، إذ إنّ دراسة الأنظمة الإشاريّة تنبع من إدراك أوّلي قديم جدًّا أنَّ للعلامة جانبين: جانبٌ يمكن إدراكه حالًا، وجانبٌ يمكن الاستدلال عليه وفهمه، ولا يختلف جوهريًّا عن التمييز بين الدال والمدلول، فكلا العنصرين يشكّل جانبًا من جوانب الوحدة غير القابلة للانفصام في العلاقة بينهما، وتصبح العلاقات الممكنة بينهما الأساس للبنى الإشاريّة.

فما هما الدال المدلول في العنوان الذي صاغه رشيد درباس؟ خصوصًا وأنّه أورد مجموعة من الكلمات التي نعرّفها بالكلمات/ المفاتيح: تمارين- بحر- القلق- الشّعرية- الجديدة.

بداءة لا بدّ من الإشارة إلى التّناص المتوافر في العنوان ، فموقع مفردة القلق التركيبيّ اللفظيّ يشير بوضوح إلى بيت المتنبي الشعريّ: [ من  الوافر]  

عَلى قَلَقٍ كَأَنَّ الريحَ تَحتي

 أُوَجِّهُها جَنوبًا أَو شَمالًا

إنّ المقارنة هنا تقوم على تواتر المواقف المتشابهة أو المتكرّرة، إذ يأتي بيت المتنبي بعد تكراره “كأنّ”، للتّعبير عن مأزقه الشّعريّ النابع من مواقف حياته: كَأَنَّ الحُزنَ مَشغوفٌ بِقَلبي (…) كَأَنَّ العيسَ (…)  كَذا الدُنيا عَلى مَن كانَ قَبلي (…) ليرسم الصورة الشعريّة ” على قلق كأنّ الريح تحتي”، لكن القلق عند رشيد درباس طاف على سطح البحر، وكما سبق ” القلق” الموقع عند المتنبي كذلك سبق الموقع ( البحر) عند درباس، إذ ينطلق كلّ من محيطه، فالمتنبي استخدم صورة الريح في صحرائه ودرباس استخدم صورة البحر في مطلّه اليوميّ. استطاع الشاعران أن يثبّتا بعفوية القول السائر” الشاعر ابن بيئته”، فبانت العلاقة جلّية بين اضطراب الريح والقلق عند المتنبي، وبين اضطراب البحر كاضطراب خواطر درباس، وقد جمعهما خليل مطران في قوله: [ من الكامل]

شاكٍ إلى البحرِ اضطرابَ خواطري فَيُجيبُني برياحِهِ الهوجاءِ

من هذه الكلمات/ المفاتيح نعبر إلى الحقل الدلاليّ فنسجل: الشكوى، الاضطراب، الرياح، الهوجاء، لنجد أنّ المتنبي يوجّه أمانيه أنّى أراد، جنوبًا أو شمالًا، فيما رشيد درباس الثمانينيّ ما زال في مجال التّمرين، لعلّه ذاك العصفور النديّ، طري العود، مهيض الجانحين، ربّما للمرة الأولى يشير درباس في العنوان إلى شاعريته في قوله” المجموعة الشعريّة” وإن كانت جملة لاحقة بالعنوان، فهو ما زال يتمرّن على بحور الشّعر، يتتلمذ على كبار التراث والأصالة والمعاصرة.

لم يعترف يومًا رشيد بشعريّته، وإن كان المستمعون يصنّفونه شاعرًا يتقن فنّ صياغة الكلمة الجميلة الموحية.

لعلّ الأخفش نجح في تدارك البحر السادس عشر” المتدارك” على بحور الخليل بن أحمد الفراهيديّ، وهنا يبدو أنّ الشاعر درباس استدرك الاثنين، فأضاف العزف على البحر السابع عشر: “بحر القلق”.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *