سجلوا عندكم

أبعد من الميتافيزيقا في شعر وأدب لجين الشمندي، حين تتحوّل القصيدة إلى سؤالٍ عن الوجود والمعنى!

Views: 92

ميراي شحاده

من أوّل رشفة ضوءٍ قرأتُ فيها شعر لجين، ومن أوّل لقاءٍ جمعني بها في دارة «شواطئ الأدب» بشامون، لدى الصديق المميّز، الشاعر عصمت حسّان، ذُهلتُ بقلمٍ من علوّ، بقلمٍ لا يشبه أقلام الآخرين؛ قلمٍ تسكن في محبرته أنثى، تجري في عروقها ينابيعُ الدموع، وكوثر الحكمة.

قصائدُها لا تموت، لأنّها أتقنت زرع الخناجر في قلبها، كي تُنبِتَ امرأةً تشبهها، فتحبّها في مرآتها؛ وكي ترسم وطنًا لا غربة فيه ولا حروب، وترسّخ هويّةً لا أوهام فيها ولا متاهات.

أيُّ فلسفةٍ هذه؟ وأيُّ همسٍ هذا الذي ملأ، وما زال يملأ، ضجيجَ الزمان والمكان؟

 

من هنا، تأتي مداخلتي بعنوان:

“أبعد من الميتافيزيقا في شعر وأدب لجين الشمندي، حين تتحوّل القصيدة إلى سؤالٍ عن الوجود والمعنى!”

قراءة في ديوانها “الطبيعة الهاربة”؛ ولي الشرف أن يكون هذا الديوان من منشورات المنتدى الذي أسّسته وفاءً لروح والدي، شاعر الكورة الخضراء، عبدالله شحاده.

تلك هي حال الشعراء والأدباء والفنانين جميعًا؛ غير أنّ لدى لجين أبعادًا أخرى.هي لم تكتفِ بالمحاور الثلاثة للإحداثيات الديكارتية، بل راحت تتجاوز المألوف، وتفتح مساراتٍ واتجاهاتٍ جديدة لكلّ فكرةٍ يطرق إزميلُها رأسَها الكبير، ويجرح سكينُها وتينَها الصغير.

ولعلّ هذا هو سرّ فرادتها؛ هي لا تكتب القصيدة لتقول ما تشعر به أو ما نعرفه، بل لتأخذنا إلى ما لم نكتشفه بعد؛ إلى مساحاتٍ يتعانق فيها الشعر والفلسفة، وتتجاور فيها الذات والوطن، ويتحوّل الجرح إلى حكمة، وتصير الأنوثة مدخلًا إلى سؤال الإنسان عن وجوده ومصيره.

ولا تستدرجنا لجين إلى إجاباتٍ مكتملة، بل تترك بوحها معلّقًا في فضاء الاحتمال، كأنّ كلّ شطرٍ فيه عتبةٌ، وكلّ صورةٍ نافذةٌ، وكلّ وجعٍ دربٌ يقود إلى معرفةٍ أعمق بالذات والعالم.هي مرايا ننظر عبرها إلى أعماق هذا الوجود، فنكتشف أنّ القصيدة، حين تبلغ مداها، لا تعكس العالم… بل تكشف ما وراءه.

  • وإن كان عنوانُ الديوان «الطبيعة الهاربة» شديدَ الدلالة، ديوان أرادت فيه أن«تُقحم الطبيعة في قلقها…» فذلك لأنّها أرادتها شريكة في أسئلتها، لا ملجأً للإنسان فحسب؛ هنا نستحضر الفيلسوف مارتن هايدغر الذي قال: “اللغة هي بيت الوجود”.

فالإنسان لا يسكن العالم بالحجارة فقط، بل يسكنه بالمعنى. ولعل ما تفعله لجين الشمندي هو أنها تعيد بناء هذا البيت المفقود؛ تجعل من الشعر مكانًا تستعيد فيه الطبيعة والإنسان علاقتهما الأولى.

  • ما الإنسان؟ سؤال حاضر بقوة في أدب لجين الشمندي: فالإنسان في نصوصها ليس كائنًا مكتملًا، بل كائن يبحث عن نفسه بين الذاكرة والحاضر، بين الحلم والواقع، بين الحياة والموت.وهنا أيضًا تلتقي رؤيتها مع فلسفة هايدغر في كتابه «الوجود والزمان»، حيث يرى أن الوجود الإنساني لا يمكن اختزاله إلى ماهية ثابتة، بل يتكشف في طريقة وجود الإنسان في العالم. فالإنسان ليس شيئًا ثابتًا، بل هو مشروع دائم التكوّن . وهذا ما نلمسه في تجربة الشاعرة؛ فهي لا تقدم الذات كحقيقة نهائية، بل كرحلة مستمرة نحو اكتشاف المعنى.
  • الموت…الباب الآخر للحياة: لا يمكننا قراءة شعر لجين الشمندي من دون التوقف عند حضور الموت. الذي تراه سؤالًا يكشف قيمة الحياة. فالموت لا يظهر في شعرها بوصفه عدوًا، بل القوّة التي تجعل الحياة أكثر كثافة ووهجًا.

تقول:

“إذا كان الموت معقدًا والحياة بسيطة…

فالحياة وردة والموت يد غريبة”

وهنا يتحول الموت من نهاية إلى تأمل. وهنا تقترب من مفهوم هايدغر عن الوجود -نحو- الموت؛ فالإنسان لا يدرك عمق وجوده إلا حين يواجه محدوديته.

  • الحب بوصفه حقيقة تتجاوز الذات

الحب في أدب لجين الشمندي ليس مجرد حالة وجدانية، بل تجربة وجودية.

إنه خروج الإنسان من عزلته نحو الآخر.

حين تقول:

“منذ أن تخليت عن الحب فقدت الرجاء بوجود الخير”

فهي تجعل الحب شرطًا لبقاء المعنى .وهنا تلتقي مع الفيلسوف إيمانويل ليفيناس الذي جعل العلاقة بالآخر أساسًا للوجود الأخلاقي، وقال:

“الوجه هو ما يمنعنا من القتل”. الآخر ليس شيئًا نمتلكه، بل حضورًا يوقظ إنسانيتنا.

وهكذا يصبح الحب عند الشاعرة فعل معرفة؛ فنحن لا نكتشف الآخر فقط، بل نكتشف أنفسنا من خلاله.

  • الشعر بوصفه مقاومة للزمن

من أكثر الأفكار حضورًا في تجربة لجين الشمندي أن الشعر ليس كلامًا عن الحياة، بل محاولة لإنقاذ الحياة من الزوال.

تقول:

“الشعر هو ألّا تسقط في الزمن، بل أن تغرق في اللحظة”

وهذه رؤية عميقة جدًا. فالزمن يأخذ الأشياء، لكن القصيدة تمنحها حياة أخرى.

وهنا نستعيد الفيلسوف هنري برغسون الذي ميّز بين الزمن الخارجي الذي تقيسه الساعات، والزمن الداخلي الذي تعيشه الروح.

الشعر يعيش في هذا الزمن الداخلي؛ زمن الذاكرة، والحنين، والدهشة.

إنه يحوّل اللحظة العابرة إلى حضور خالد.

  • الألم بوصفه ولادة جديدة

لا نجد في شعر لجين الشمندي ألمًا مستسلمًا، بل ألمًا يتحول إلى معرفة.

تقول:

“انبثاق ذاتي مولود من الألم”

وهنا نستحضر نيتشه:

“ما لا يقتلني يجعلني أقوى”؛ الألم ليس دائمًا هدمًا للإنسان؛ قد يكون أحيانًا الطريق الذي يعيد تشكيله. والجرح ليس نهاية الحكاية، بل بداية فهم جديد للذات.

  • بين العبث وصناعة المعنى

في عالم مليء بالقلق والأسئلة، لا تستسلم الشاعرة للعدم.وهنا تقترب رؤيتها من فلسفة ألبير كامو الذي قال:

“يجب أن نتخيل سيزيف سعيدًا.” ولعلّ السعادة في أفق كامو لا تعني غياب الألم، بل القدرة على مواجهة العبث وصناعة المعنى رغم كل شيء.

وهذا ما يفعله الشعر:

إنه لا يغيّر العالم دائمًا، لكنه يغيّر علاقتنا به.

لا يمحو الجرح، لكنه يمنحه لغة.

لا يمنع الفقد، لكنه يمنح الفقد ذاكرة.

 

  • وختامًا، القصيدة بوصفها عودة إلى الأصل

أيها الحضور الكريم،

إنّ الميتافيزيقا في شعر لجين الشمندي وأدبها ليست هروبًا من الواقع، بل محاولة للوصول إلى جوهره.إنها تسأل عن الإنسان حين يسقط عنه كل شيء:

ماذا يبقى منه؟ ماذا يبقى من الحب؟ماذا يبقى من الطبيعة؟ماذا يبقى من الزمن؟

والإجابة التي تقترحها صديقتي هي:

تبقى الروح. تبقى الكلمة. تبقى القصيدة.

 

تصبحون على شعر… وعلى طبيعةٍ لا تهرب منّا، بل تهرب إلينا. تدعونا إلى أن نستعيد علاقتنا الأولى بالكون، وأن نكتشف أن الإنسان لا يعيش فقط بما يملك، بل بما يمنحه معنى. الطريق إلى العالم يبدأ من الطريق إلى الداخل. وأعظم الرحلات وأرقاها هي رحلاتنا في سبر أعماق الوجود.

 

من حضنِ أمٍّ بدأ الطريق،

وعلى الندوبِ كُتبتْ حكايةُ الذاتِ التائهة،

هربتِ الطبيعةُ فلاحقها الشعرُ إلى أعمقِ أسرارِ الوجود،

فكان الحرفُ نبضًا، والموتُ سؤالًا، والحياةُ قصيدةً لا تنتهي.

***

*ألقيت في حفل توقيع ديوان “الطبيعة الهاربة” للشاعرة لجين الشّمندي خويص، الصادر حديثًا ضمن منشورات “منتدى شاعر الكورة الخضراء”، بدعوة من إتحاد بلديات الجرد الأعلى – بحمدون، ونادي شباب بتاتر، ومنتدى شاعر الكورة الخضراء.

 

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *