سجلوا عندكم

المشتركات الثقافية بين طرابلس وجبل عامل 

Views: 48

د. مصطفى الحلوة

بدايةً أتوجَّهُ إلى مُطْلِقي “الشبكة الوطنية لحماية المكتبات والإرث الثقافي في لبنان ( تلّيد Tallid) ، مُثمِّنًا جهودهم الرامية إلى إعادة ترميم وبناء المكتبات العامّة والخاصّة المتضرّرة، وحفظ الذاكرة الثقافيّة في جنوب لبنان وجبل عامل.

في خضمّ العدوان الصهيوني المتمادي على أرض الجنوب، الذي يُجهزُ على البشر والحجر والشجر، كما يُجهزُ على العقل الجنوبي: مؤسّساتٍ تعليميّة ومكتباتٍ وإِرثًا ثقافيًّا، وعلى كل ما يمتَّ إلى الذاكرة الجمعيّة بصِلة، نعلنُ بالصوت الملآن أنّنا، في طرابلس وفي جبل عامل، وفي كل لبنان، بالهم ِّ الوطني سواء. 

إنّ حملة “مليون كتاب”، إِذْ تحطُّ الرحالَ اليوم في الفيحاء، فمن منطلق استعاشة العلاقات التاريخيّة والفكريّة والثقافيّة المشتركة، إلى محطّاتٍ وطنيّة، ترقى إلى عهودٍ سحيقة، بين مدينة طرابلس وبين الجنوب اللبناني، وجبل عامل بخاصّة. 

وفي هذا المجال ثمّةُ معطياتٌ، تُسندُ تلك العلاقات، تجسّدت عبر أُطُر مُتعدِّدة، تشهد لها الديموغرافيا والمواقف السياسيّة والصلات العائليّة. كما تشهدُ لها المطارحاتُ الفكريّة والتبادلات بين علماء وأُدباء طرابلس وجبل عامل، ولاسيما في القرنين الأخيرين.

وإلى ذلك كان لهذه العلاقات المشتركة بين المنطقتين أن تتوطّد مؤخّرًا، باستضافة أهلنا الجنوبيّين في طرابلس وعموم الشمال، إِبّان الحربين الأخيرتين، اللتين ما زالتا قائمتين، على أرض الجنوب، بوحشيّةٍ لا سابق لها.

 

أ- في العلاقات التاريخيّة والوطنيّة المشتركة بين طرابلس  وجبل عامل 

لقد ارتبطت طرابلس ومنطقة جبل عامل، بداءةً، بروابط تاريخيّة وجغرافيّة وفكريّة عميقة، كجزءٍ من مسار بلاد الشام وتاريخها الثقافي والاجتماعي. 

هذا الارتباط، ظهر جليًّا، من خلال العمق الديني، حيث شهدت مناطق ساحل بلاد الشام، بما فيها طرابلس وصور وجبل عامل، حضورًا ومخاضاتِ تشيُّع مبكّرة، تعود للقرون الهجريّة الوسطى، ولاسيّما في زمن الفاطميّين، وزمن بني عمّار، حُكّام طرابلس، بين عامَي1070 و 1109م. وقد عرفت طرابلس تحت حكم “العمّاريين” المتنوّرين، وهم من الشيعة الإماميّة، ازدهارًا علميًّا وفكريًّا كبيرًا، مما جعلها مركز إشعاع فكري، إذْ كانت مكتبتها العامرة بآلاف الكتب والمخطوطات تُضاهي أعظم مكتبات العالم الإسلامي، وعُرفت لأهميّتها بـ “دار العلم”، ولتغدُوَ طرابلس مركز جَذْب لطلاّب العلم والفقهاء، من مختلف أنحاء بلاد الشام، بما فيها المقاطعات الجنوبيّة، التي عُرفت لاحقًا بـِ “جبل عامل”، ومما أسّس لأرضيّة مشتركة، قبل غزو الفرنجة بلاد الشام.

.. ولا غرو، فإنّ طرابلس، في العصور الإسلاميّة المتعاقبة (المملوكيّة والعثمانية) ، لم تكن مجرّد مدينة معزولة، بل شكّلت مركزًا كبيرًا مستقلاًّ إداريًّا (ولاية طرابلس)، بينما كان جبل عامل، يتبع إداريًّا لدمشق أو صفد، وكان الفضاء العام، لبلاد الشام، يجمع النُخب الفكريّة والعلماء، في رحلاتهم وطلبهم للعلم، بين دمشق وبيروت وطرابلس وجبل عامل.

.. وفي العهد العثماني المتأخّر، تحوّلت طرابلس إلى سنجق، تابع لولاية بيروت. أما جبل عامل فقد أُتبع أيضًا بهذه الولاية، بعد استحداثها في العام 1888 م . 

أما عن العلاقة بين طرابلس وجبل عامل، في ظلّ الاندماج الإداري الأوّل لهما، فإِنّ ذلك سهّل المعاملات والتنقّل التجاري، مما استتبع توثيق العلاقات السياسيّة والفكريّة والاجتماعيّة . 

وبسقوط الدولة العثمانية سنة 1918، وإعلان الجنرال غورو ولادة دولة لبنان الكبير سنة 1920، جرى ضمّ طرابلس (في الشمال) وجبل عامل (في الجنوب) إلى الكيان المستحدث، رُغمًا عن إرادة غالبية الأهالي.

وقد كانت مواجهة، لا هوادة فيها، من كلتا المنطقتين، للانتداب الفرنسي، قادها في طرابلس المفتي الزعيم عبد الحميد كرامي والدكتور عبد اللطيف البيسار، وقادها في جبل عامل، عشرينيات القرن الماضي وثلاثينياته، الزعماء السياسيون والدينيّون، من مثل كامل بك الأسعد (الجدّ) والمرجع الديني الكبير السيد عبد الحسين شرف الدين. وكان الهدف المشترك مقاومة تقسيم البلاد العربية، وعدم انفصال طرابلس وجبل عامل عن سوريا. وقد كان لمؤتمر وادي الحجير (1920) أن يخلص إلى تفويض السيّد عبد الحسين شرف الدين والسيد عبد الحسين نور الدين والسيد محسن الأمين المقيم في دمشق، بالتداول مع الملك فيصل في مصير جبل عامل، وقد كُتبت وثيقةٌ بذلك، وقّعها المؤتمرون.

هكذا، كان تكاملٌ وطنيّ، ذو نزو قومي عروبي، بين حركة كرامي/ البيسار في طرابلس وبين حركة جبل عامل، مُشكِّلتين كمّاشةً في وجه التمدّد الفرنسي، من الشمال إلى الجنوب. ناهيك عما أفرز هذا الحراك السياسي الوطني المتزامن من تعزيز للصلات بين طرابلس وجبل عامل، على صُعُد مُتعدِّدة، تبدّت في حراكِ فكري وثقافي متبادل، مُعزِّزٍ بشواهد حيّة، سنتوقّف عنده في ما يلي من صفحات. علمًا أنّ الإمام عبد الحسين شرف الدين كان، عبر مراسلات عديدة، على تواصل مع الزعامات الطرابلسية، وعلى رأسها الزعيم عبد الحميد كرامي. 

 

ب- في العلاقات المشتركة بين طرابلس وجبل عامل، من باب الديموغرافيا والعائلات ذات الجذور الواحدة 

في مقلب آخر من المسألة، وإذا كانت الديموغرافيا تتكلّم، لجهة ما تُفصح عن أسماء العائلات وتوزُّعها، في طرابلس وجبل عامل، يتحصّل لنا وجود العديد من العائلات المشتركة بينهما، جرّاء الهجرات الداخلية والتبادل التجاري بين الحواضر الساحليّة، والمصاهرات بين العائلات العلمائيّة والسياسيّة، والتي لعبت دورًا وازنًا، في التداخل الديموغرافي والاجتماعي. 

إشارةٌ إلى أنّ هذه العائلات تتوزّع، بين عائلات تعود لأصولٍ عامليّة استقرّت في الشمال، وبين عائلات ذات امتداد واسع بين المنطقتين. 

وفي تتبّع المسألة، لجهة عائلات وذرارٍ فقهيّة وعلميّة مشتركة، يتبيّن الآتي، تمثيلاً وليس حصرًا: 

آل فضل الله، من أبرز العائلات العلميّة، التي يرجع أصلها التاريخي إلى جبل عامل (عيناتا)، تمدّدت فروع منها نحو مناطق مختلفة في لبنان، ومنها الشمال وطرابلس. ولهذه العائلة باعٌ طويل في المجالين الفقهي والأدبي. 

آل شرف الدين، عائلة علميّة هاشميّة شريفة، اشتُهرت بوجودها في جبل عامل، ولاسيما في مدينة صور، ولها فروع ممتدّة في طرابلس وبعض مناطق الشمال (عكار). وقد ارتبطت تاريخيًّا بطلب العلم والتبادل الثقافي بين الحواضر الإسلاميّة، في عِدادها الحاضرة الطرابلسيّة. 

آل الزين، من العائلات البارزة في جبل عامل (النبطيّة وصيدا)، ولهم امتداد وفروع تاريخيّة في طرابلس والشمال (على سبيل المثل المؤرّخ سميح الزين واضع كتاب عن تاريخ طرابلس الشمال عبر العصور). وقد ارتبطت هذه العائلة قديمًا بمهن التجارة والإدارة المحلّية والتعليم.

أما عن العائلات التجاريّة والسياسيّة، فيحضُرُنا، في هذا المجال:

آل غندور، من العائلات الساحليّة العريقة، التي ارتبطت بحركة التجارة البحريّة والبرّية في بلاد الشام. وهي تتواجد، بثقل كبير، في طرابلس والميناء (ميناء طرابلس)، وفي نفس الوقت تُعدُّ من العائلات البارزة في الجنوب اللبناني، ولاسيما النبطيّة وصيدا.

آل البساط، عائلة تجاريّة واجتماعيّة معروفة، لها فروع تاريخيّة، استقرّت في طرابلس والشمال، وفروع أُخرى أصيلة في صيدا، بوابة الجنوب، وفي جبل عامل، حيث كان قطاع التجارة صلة الوصل الأساسيّة لترحالهم . 

عائلتا حيدر وحجازي، تُعدّان نموذجين مثاليّين، على تداخل الأنساب والهجرات التاريخيّة بين شمال لبنان وجنوبه. وبالرغم من تباين الانتماء المذهبي الحالي لبعض فروع هاتين العائلتين، بين المنطقتين، إلاّ أنّ الجذور المشتركة والتحرّكات الساحليّة والداخليّة تُفسّر هذا الانتشار الواسع.

فعائلة حيدر (الحيادرة)، تُعتبر من كبريات العائلات اللبنانية، لها تاريخ مُعقّد من الهجرات والنزوح لأسباب سياسيّة وأمنيّة، في العهود السابقة. فالنزوح كان من بلاد جبيل، حيث أصول الحيادرة. وتُشير الدراسات التاريخيّة، ويُشير النسّابون، إلى أنّ معظم عائلات حيدر وحيدر أحمد في لبنان، تعود أصولها التاريخيّة إلى المشايخ الحمّاديّة. 

وقد انطلقت هذه العائلة من بلاد جبيل وكسروان، تحت ظروف غامضة، وصراعات مع السلطة العثمانية.

هذه العائلة تفرّقت، فنزح قسمٌ كبيرٌ منها باتجاه البقاع (بدنايل واللبوة)، ومن ثمّ إلى بلدات جبل عامل وجنوب لبنان (مثل الخيام وعيتا الجبل وعيتا الشعب)، بينما استقرّت فروع أُخرى في طرابلس وعكار، ومناطق أُخرى من الشمال اللبناني، لتندمج في نسيجها الاجتماعي.

-أمّا عن عائلة حجازي، فيُشير اسم العائلة إلى الجذور القادمة، من بلاد الحجاز (الجزيرة العربية)، إِمّا عبر الهجرات العربيّة القديمة أو من خلال العائلات التي استقرّت في الشام، بعد أداء مناسك الحج والتجارة.

أمّا عن الهجرة من الشمال إلى الجنوب، ففي تاريخ العائلات الجنوبيّة، هناك حالةُ تتبُّع موثّق لفرع بارز من آل حجازي، في مدينة النبطيّة – حاضرة جبل عامل- حيث تذكر المرويّات المحليّة أنّ هذا الفرع قدِم أساسًا من شمال لبنان، قبل قرنين، ثمّ استقرّ في أقصى الجنوب، قبل أن يتوطّن في مدينة النبطيّة، ويغدو من عائلاتها الأساسيّة .

 

ج – في العلاقات الفكرية والثقافية المشتركة والتبادليّة بين طرابلس وجبل عامل

حتى لا يُلقى الكلام جزافًا، سنتوقّف عند محطّات موثّقة، فنتاول “مجلّة العرفان” لمنشئها الشيخ أحمد عارف الزين (1884-1960م)، وعند الاحتفال باليوبيل الذهبي للأديب والشاعر عبد الحميد الرافعي، الملقّب بـِ “بُلبُل سوريا”.

في مجلّة العرفان: أنشأها الشيخ أحمد عارف الزين (1884-1960م)، في مدينة بيروت سنة 1909م ، ثمّ نقلها إلى صيدا عاصمة الجنوب، سنة 1910، وتُعتبر هذه المجلّة المنصّة النهضوية في صيدا وجبل عامل، وهي تحاكي جريدة “طرابلس الشام”، التي أنشأها النهضوي الطرابلسي محمد كامل البحيري سنة 1893م. 

فـ “العرفان”، مع تركيزها على الأدب والتراث العاملي، كانت على علاقة وثيقة بعلماء طرابلس وأُدبائها، وتتكشّف أعدادها عن أرقى صُوَر التفاعل الإسلامي الوطني ، العابر للمناطق والمذاهب.

ولقد كانت مساهماتٌ فكريّة طرابلسيّة، عبر صفحات “العرفان”، من قِبل كثيرين، في رأسهم الشيخ محمد يُمن الجسر، رئيس مجلس النواب اللبناني، إبّان الانتداب الفرنسي، وهو إبن العلاّمة الكبير الشيخ حسين الجسر.

وإلى ذلك كان أحد كتّابها “المداومين” المؤرِّخ والكاتب الطرابلسي الأرثوذكسي عبد الله حبيب نوفل، صاحب كتاب “تراجم علماء طرابلس وأدبائها” (الصادر سنة 1934). إضافة إلى العلاّمة الكبير الشيخ عبد القادر المغربي (1867 – 1956م) عضو المجمع العلمي العربي، في كل من دمشق والقاهرة وبغداد.

وفي الإطار التبادلي، فقد ارتفع الصوت الطرابلسي، على صفحات المجلاّت والجرائد الطرابلسيّة، تنديدًا بإغلاق مجلة “العرفان” وحبس صاحبها، لمرات عديدة، من قِبل السلطة العثمانية ومن ثمّ من قبل المنتدبين الفرنسيين.

.. وإلى ذلك، حين أنشأ الإمام السيد عبد الحسين شرف الدين المدرسة الجعفريّة في صور، سنة 1937، وكانت بمنزلة منارة في جبل عامل، إستقدم لها مدرّسين من المنطقة، ومن مختلف مناطق لبنان، من مسلمين ومسيحيّين، وتذكر بعض المصادر أنّ مدرّسين طرابلسيّين كانوا في عِداد الهيئة التعليميّة.

ذكرى يُوبيل بلبُل سوريا عبد الحميد الرافعي (7 نيسان 1929م)

تداعى نفرٌ من علماء طرابلس وأُدبائها لتكريم بلبُل سوريا عبد الحميد الرافعي، أحد الشعراء المجدّدين، للاحتفاء بيوبيله الذهبي، وقد تشكّلت اللجنة برئاسة رئيس مجلس النواب حينها العلاّمة الشيخ محمد يُمن الجسر، وأُقيم الاحتفال في طرابلس، برعاية رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة شارل دبّاس، ومثّله في هذا الاحتفال وزير الصحة والمعارف والفنون الجميلة الدكتور إِسبيريدون أبو الروس ، الذي وضع وسام الاستحقاق اللبناني على صدر المحتفى به.

وقد شارك في ذلك اليوم المشهود وفودٌ، أتت من مختلف مناطق لبنانن ومن الأقطار العربيّة . وقد أُلقيت بضع عشرات من القصائد الشعريّة. وفي عِداد هذه الوفود وفد جبل عامل، برُكنيهِ إمام مدينة النبطيّة العلاّمة الشيخ عبد الحسين صادق (الجدّ)، (1862-1942م) والعلاّمة المؤرِّخ والشاعر الشيخ سليمان ظاهر العاملي (1873 – 1960م)، عضو المجمع العربي في دمشق. 

وقد ألقى العلاّمة صادق والعلاّمة ظاهر قصيدتين عصماوين، أشادا فيها بشاعريّة المحتفى به، كما خصّا مدينة طرابلس، التي أنبتته، بعظيم الصفات. 

من قصيدة العلاّمة صادق، نستلُّ هذا الأبيات : “… عُدْ يا هُدِيتَ إلى لسانك أيّها/ العربيّ مُلتقطًا شواردَ شذرهِ/ فاركبْ للؤلؤه الشتيتِ ببحرهِ/ خوّاضةً بعبابه وبغمرهِ/أو فالتجىء للرافعيّ إمامِ أهل/ الفضل في خبر اللسان وخبرهِ/ تجدِ البيان بضحّه وبريحهِ/ وبقضّه وقضيضهِ في صدرهِ/ مطبوعةٌ في شعره أخلاقُه/ والمرء مراَة الكمال بأسره/ عاصرتُهُ في سالفٍ فحسَوتُ من/ أخلاقه كرمًا سُلافة عصرهِ/فتحيّتي ما إن تزالُ وفودُها/ تترى على عبد الحميد وعصرهِ. وقد ضمّت القصيدة 78 بيتًا (راجع، كتاب اليوبيل الصادر سنة 1930، مطبعة اللواء، طرابلس، ص ص : 110 – 114).

وأما عن العلاّمة ظاهر، فقد جاءت فصيدته بل معلّقته في مائة بيت وبيت، وقد تميّزت بجمال معانيها ورقّتها وسلاستها وانسيابيّة أبياتها، ومنها نختار:

 

تِهْ علاءً يُوبيلَ عبدِ الحميدِ أَنْتَ عِيدٌ أَوْفَى عَلَى كُلِّ عِيدِ
جَادَ فِيكَ الزَّمَانُ وَهْوَ ضَنِينٌ وَوَفَى فِيكَ بَعْدَ خُلْفِ الْوُعُودِ
أَطْلَقَتْكَ الْفَيْحَاءُ بَدْرَ علاءٍ فَضَحَ الْبَدْرَ بِالسَّنَا وَالصُّعُودِ
وَإِذَا مَا احْتَفَتْ بِشَاعِرِهَا الْفَيْحَاءُ فَهْيَ الأَحْرَى بِصُنْعِ الْحَمِيدِ
رَافِعِيٌّ يُنْمى لأَكْرَمِ بَيْتٍ هُوَ كَالْبَيْتِ قِبْلَةً لِلْوُفُودِ
إِنَّ بَيْتًا آبَاؤُهُ شَيَّدُوهُ رافِع السمكِ فوق أرسى عمودِ
حَفِظَتْ عَهْدَهُ طَرَابُلُسٌ وَهْيَ الَّتِي أُولِعَتْ بِحِفْظِ العهودِ
بَلَدُ الْفَنِّ وَالْبَدَائِعِ فِيهَا بَيْنَ رَوْضٍ زَاهٍ وَقَصْرٍ مَشِيدِ
الْوَفَا وَالْفَيْحَاءُ رَضِيعَا لَبَانٍ وَالْعُلا وَالْفَيْحَاءُ حَلِيفَا صُعُودِ
بَلَدٌ حَسْبُهُ عَلاءً وَفَخْرًا أَنَّهُ مَوْطِنُ الْكِرَامِ الصِّيدِ
إنّ يوبيلَكَ المعظّمَ ساوى  بين أهلِ التثليثِ والتوحيدِ

(راجع، كتاب اليوبيل، مرجع سابق، ص ص : 115 – 120 ). 

خاتمة/ عودٌ على بدء… وتاريخ المغول يُعيدُ نفسه مع البرابرة الجُدُد ! 

في العصر الذهبي لمدينة طرابلس، عصر دولة بني عمّار (1070 – 1109 م)، تراوح محتوى مكتبة طرابلس (دار العلم)، وفق المؤرخين، بين عشرة آلاف وثلاثة ملايين كتاب ومخطوط ! لسنا هنا بصدد التحقُّق من صُدقية هذه الروايات أو من عدمها، فذلك مما لا يلزم. 

ولقد أسّس هذه المكتبة، التي غدا لقبُها لقبًا لطرابلس (دار العلم) أمين الدولة بن عمّار، وليبلغ عدد الكتب أقصاه، في عهد جلال المُلك بن عمّار، الذي جدّدها سنة 427 هـ، ولتتضاعف أعداد الكتب في عهد فخر الدين بن عمّار. 

ومما يلفت النظر إلحاق مدرسة بالمكتبة، هي “دار الحكمة”، على غرار “بيت الحكمة” في بغداد. كما بُنِيَ معملٌ للورق في جوارها، لتيسير عمليّة النسخ، التي كان يقوم بها خطّاطون، ليل نهار. هذه المُنشأة الحضاريّة المتكاملة، كانت تربض عند شاطئ الميناء (أي طرابلس قبل العصر (المملوكي)، تمّ إحراقُها، على يد الصليبيّين، حينما سقطت المدينة في العام 1109 م ، بعد حصارٍ ومُقاومة شرسة امتدّا عشر سنوات. 

علمًا أن هذه الحادثة، بل المجزة الفكرية، تأخذنا، بعد قرن ونصف القرن، إلى بغداد، عاصمة الخلافة، حين دمّر المغول “بيت الحكمة” سنة 1258م وألقوا بالكتب والمخطوطات، في نهرَي دجلة والفرات.

 .. واليوم، يُعيدُ التاريخ الأسودُ نفسه، في الجنوب اللبناني، في جبل عامل، فتُدمَّر المكتبات العامّة والخاصّة، ويُقدّر عدد الكتب، التي تمّ الإجهاز عليها بما يتجاوز 750 ألفًا، والحبل على الجرّار! هكذا لكل مرحلة من زمننا العربي والإسلامي مغولُهُ وبرابرتُه الجُدد! 

بوركت حملتكم، حملة “مليون كتاب”، وبوركت جهودكم الخيِّرة ، وتيقّنوا بأنّ لبنان، من أقصاه إلى أقصاه، من شمالِهِ إلى جنوبِهِ، كما الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضوٌ، تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحُمّى!

***

* ألقيت في الجلسة الفكرية التخصصية الحوارية-03 “الإرث الثقافي في مواجهة المحو: جسور الحبر والذاكرة”، الرابطة الثقافية – طرابلس /22 أيلول 2026. 

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *