غَلَيان
سهى حداد نعيمه
بي غَلَيان وكأنّ براكينَ الأرْض بأَجْمَعِها تَجَمْهَرَتْ في صدْري.
أقْصد الإفْصاح، فلا أسْتطيع.
ألُوذ إلى صمْتي، يلْتَهمني الّلهيب.
أتُوق إلى ربّي، وكأنّني وَحيد.
فكأنّ العِبَارة والصّمْت والإيمان هَجَروني.
“إلهي إلهي لماذا ترَكْتَني؟” (متّى 46: 27)
ما هذا الدَّوَران الذي أنا فيه؟
أدُور وأدُور حَوْل نفْسي، باحِثة عَنْ عِبارتي، عن كنْهي، عَن ربّي، فيَأْخذُني دَوَراني إلى سَكْرةٍ،
سَكْرَة وُجود تذكّرُني بها رقْصة الدَّراويش الذين رَؤوا ربّهم في دَوَرانهم فانْتَشوا.
لَعلّني أرى ربّي في دَوَراني فأنْتَشِي!
ها أنا أدُور وأدُور حتى الدُّوار ولا أنْتَشي.
بِي مِن غصّة في الإفصاح طال صمْتها.
طال صمْتي،
وكأنّني أحْمل صَوْت َالعالَم وصمْتَه في صمْتي.
تصْرخ غصّة خليل حاوي في أُذُنيّ، فيضْطرب كياني:
“طال صمْتي،
مَنْ تُرى يسْمع صوتاً صارخاً في صمْته،
يسْمَع صَوْتي؟
فاتَني الإفْصاح. أدرَكْتُ محالَه…”
كثيرة هي حَرَكتي، وابتساماتي، وابتهالاتي، وصلواتي،
لكنّها جميعها إفصاح مَنْقوص…
نواة الأرض صَلْدَة،
وأنا ابنة هذه الأرض.
لكنّ نواتي لَيْسَتْ صَلْدَة.
ما هي نواتي؟ أيْنَ هِي؟
نواتي غيْر ملْموسة، غيْر مرئيّة، غيْر صلدة.
نواتي غائبة، أبْحث عنها.
فكيْف لي أن أكُون دون نواتي؟
هل مِن المُمْكن أن يكون هذا الدَّوَران الذي أنا فيه، الذي يُحرّكني فأدُور حوْل نفْسي، هو عِبارتي؟
ويحرّكني فتغْلي بالعِبارة سكْرتي؟
وهل هذا الغلَيان الرّهيب في هيْكلي عِبارتي التي أبحث عنها وخلْتُها غائبة، فتُظهر نفْسَها عليَّ تُحَرِّكُني؟
كَمْ حَلمْتُ سابقاً أن أتصادق َمع عِبارتي، إن وجَدْتُها،
أتآخى معها،
أرافُقها وترافقُني،
وتهدأُ هَدْأَتَها فلا تَكُون كالبَهْلوان تَقْفزُ وتنطّ، ولا كالحرْباية تَتَلوّن مع تغيّر الظروف.
لكن دون جدوى.
عِبارتي في داخلي، نَعَمْ.
لكن ما هيَ؟ مَنْ هِيَ؟
هِيَ في ذلك اللّامكان البعيد السَّحيق. تُشعِرُني بِوُجودِها بَيْنَ الفَيْنَة والفينة،
تُلامِس عَطَشي لها وسَعْيِي وراءها،
تَمْسَحُ عرَق جَبِينِي،
تُعْلِمُني بأنها في كَيَاني، ثمّ تَخْتَفي.
تتلاعب بِي كَيِفَمَا تَشاء وأنَّى تشاء،
فلا أنا أجِدُها ولا هِيَ تسْمح لي بِأَنْ أجدَها.
مايْسْتْرا، تتحكّم بسمفونيّات داخلي،
تُضْرمها ساعة تشاء وتُهْمدها ساعة تشاء.
ما هذه الفوضى؟
أيْنَ ’أناي‘ (مِنْ ’أنا‘) مِنْ كلّ هذا؟
فَلْتَتَحَكّمْ ’أناي‘، وَلْتَقُدْ، ولْتَنْتَظِمْ!
نواتي بُرْكان يَتوق للعبارة،
عبارتي دَوَران يَسْكَر في دَوَرانه،
دَوَرانٌ ثَمِلٌ يبحث عَنْ عِلّته، عَنْ معناه، عَن معنى كلّ هذه الحَرَكة،
تِلْك الحرَكة التي تُخَدِّر فَتُلْهي عن المسار.
وأنْحَرِف عَنْ مساري،
وأنشغلُ بِلاشَيْئِيَّتي، بِحَرَكَتي المُسَكِّنَة، ودوَرانِي المُدَوِّخ،
وتهرب مِنّي عِبارتي،
ويزيدُ لَهِيبي في التفْتيش عنها.
“إلهي إلهي لماذا ترَكْتَني؟”
مُغْمَضَةُ العَيْنَيْن، أعود بِالقَهْقَرى إلى لحَظَات الجُلْجُثة، حين صرخ المسيح برْكانَه لربِّه،
فكانَتْ عِبارة القيامة، القِيامة والتحرّر مِن الوهمِ الكامِنِ في أيّة عبارة تُكْتَب أَو تُلْفَظ،
بَلْ تُعاش عموديّاً خطّاً مسْتقيماً إلى أعماقي الداخليّة،
وخطّاً مسْتقيماً إلى سمائي الفوق-فضائيّة.
ها أنا أصرخ إلى عِبارتي،
أناديها، “عِبارَتي عِبارَتي لماذا تَرَكْتِني؟”
وأُدْرِك بعْد حين أنّ عِبارَتي لمْ تَتْرُكْني قطّ. بَلْ انّها كامنة في داخلي تنتظر منّي أن أتعلّم الغَوْص لكي ألوجَ عوالمها السحيقة الدفينة المُنيرة والمُسْتَنيرة.
تأتي إليّ الآن عبارة مِن عبارات ميخائيل نعيمه في ختام قصيدته ’مَنْ أنتِ يا نَفْسي‘ مِنْ ديوانه “هَمْس الجُفون”: “… أنتِ [النَفْس] فَيْضٌ مِنْ إله.”
يا للعبارة.
عِبارَتي عِبارَتي التي قضَيْتُ عمري في ملاحقتِك.
أبحث عنْكِ وأنتِ هنا في أعماقي، تَنْتَظرِين بِصَبْرٍ وحِكْمَةٍ أنْ أيْنَعَ، فأشْعر بِك وأسْتَأْنِس بقُرْبِك،
وأتعاضَد معك لِفَهْم ذاتي الكامنة فيكِ وأنتِ فيها،
وأرتوي مِن نَفْسي،
وَتَرْتَوِين مِنْ ظَمَئي لكِ،
ويخفّ دَوَراني،
ونَتَّحد،
ونفِيضُ معْنىً وجَمالاً، تماماً كَفَيْضِ الوُجود عند الفيلسوف أفلوطين. فالوُجود بالنسبة إليه فَيْضٌ مِن حبّ الله. فاض الله بحبّه فكان الوجود وكلّ ما فيه مِن منظور وغيْر منْظور.
وبِفَيْضِ وُجودِك أيّتها العِبارة أنا أُوجَد.
عِبارتي عِبارتي،
لقد خَفَّ غَلَياني، وتَحَوَّلَ هَذَياني، وتقلّص خذْلاني.
هل أنت وهمُ أم حقيقة؟



