قلبٌ تحرِِّكُه… نظرةٌ
محمود شريح
كان إحساسًا غامضًا لا بل كان شعورًا مبهماً كلما راقبتها ترتقي درج المدرسة الموصِل إلى صفّها وكانت تسبقني بعام، وكنت أنتظر وقت بدء الدروس حتى أراها ترتقي الدرج الموصل إلى صفها فأتمهّل في الصعود عليه حتى أكون قريباً من خطواتها، كنتُ في السادسة عشرة غير فطنٍ لما جذبني إليها.
كانت ترنو بعينها اليسرى إلى يسارها، وكانت ترنو بعينها اليمنى إلى يمينها وتتمايلُ في ارتقائها الدرج الموصل إلى صفّها وكنت أنتظر لقاء جديداً كل صباح فيما كنت ليلاً أجيل النظر في ذاكرتي عنها صباحاً، فأخلد إلى النوم أملاً برؤيتها عن جديد في الصباح ترتقي الدرج الموصل إلى صفّها حتى أكون قريباً من خطواتها.
وكأني آنذاك لم أكن أكتفي برؤيتها أيام الدراسة إذ تاقت نفسي إلى رؤيتها يوم عطلة نهاية الأسبوع فعقدت العزم على معرفة سكن أهلها، وكان يوم تعقبت فيه خطاها إثر ختام يوم دراسي فوقفتُ على عنوانها.
وعلى هذا النحو كنت أراها وأستبشر على مدى أيام الدراسة الستّة وكان ذلك كل صباح وهي صاعدة إلى صفّها، ثم أني كنتُ أقفُ غير بعيد عن سكنها فأنتظر خروجها إلى حديقة أهلها حتى أراها فأديم النظر إليها من بعيد وهي تسرح وتمرح في أفيائها فأقضي زهاء ساعة على قرب منها آملاً فيها أن تراني، لكن لم أكن أتميّز على البعد إن كانتْ تلحظني وإن لحظتني فلم أكن واثقاً أنها كانت تعرف من أكون. وعلى هذا النحو كرّت سبحة الأيام واكتمل العام الدراسي فلم أحادثها لنقص جرأتي على مخاطبتها.
وكان صيفٌ فأغلقت المدرسة بابها فعزّيت نفسي برؤيتها في حديقة أهلها كلما هاجني الشوق إليها وإن لم أرها هناك كنت دوماً أراها حاضرة في بالي، فإن قرأتُ في كتاب برزتْ صورتها على صفحته، وإن حرّكت إبرة المذياع وصدح أغنية غرام تذكّرت نظرتها يمنةً ونظرتها يسرةً فتحرّك قلبي صوبها وبقيتُ على هذه الحال أسترق النظر إليها وهي في حديقة أهلها إلى أن كان يومٌ آخر الصيف لم تكن هي فيه وكانت الحديقة قاعاً صفصفاً فجزعتُ وهلعتُ وأُسقط في يدي، ولمّا سالتُ في الحيّ عن أهلها قيلَ لي ارتحلوا فعزّيتُ نفسي بانتظار الخريف وعودتها إلى المدرسة وكان خريفٌ وكنتُ أنتظرها عند الدرجِ المُوصل إلى صفّها لأيام ثم أدركتُ أنها لم تعدْ هناك كما أنها لم تعدْ في الحديقة.
وها اليوم وبعد ستّين تمرٌ بخاطري وهي تنظر يمنةً بعينها اليمين وتنظرُ يسرةً بعينها اليسار وهي ترتقي الدرجَ الموصل إلى صفها، وها اليوم وبعد ستّين أنظرُ يمنةً وأنظرُ يسرةً علّي أراها، ولو في الخيال، فبقي إحساساً غامضاً لا بل شعوراً مُبهماً، كما كان من ستّين، وها اليوم بعد ستّين أنا غير فطنٍ لما جذبني إليها.



