سجلوا عندكم

النص الديني بين علم المنطق وعلم التأويل[1]

Views: 138

 البروفيسور الدكتور وليد الأيوبي

أستاذ الفكر السياسي في الجامعة اللبنانية

 

المقدمة

يروي العالم الأميركي جايمس تريفيل في مؤلفه “لماذا العلم؟” الصادرة ترجمته في العام 2010 عن “سلسلة عالم المعرفة” أن بريطانيا العظمى ما كانت لتستكمل مسيرتها في فضاء التقدم، لولا العالم الإسكوتلندي “جايمس وات”، ورجل الأعمال “ماثيو بولتون”. ف “وات” المدعوم ماليا من مؤسسة “بولتون”، هو من حدّث القاطرة البخارية، وجعلها تعمل على الفحم المتولد من الطاقة الشمسية، لتتحول الى قوة محرّكة فائقة الفعالية، مطلقا بذلك العنان لما أصبح يعرف منذ ذلك الحين بالثورة الصناعية.

إن “جايمس وات” المتزود بالوعي السياسي والخبرة العلمية هو باعث الحياة في إمبراطورية كانت في أواخر القرن الثامن عشر قد دخلت في طور التراجع والانحطاط السياسي والاجتماعي والصناعي، ثم أصبحت فيما بعد إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس.وعليه، فإن التغيير المجتمعي الفعلي لا تصنعه الجدالات السفسطائية، بل يتحقق عند التقاء العلم بالعمل والوعي، فالتقاؤنا في ظل هذا الصرح الثقافي في الرابطة الثقافية في مدينة الثورة طرابلس يستوفي هذا الشرط، والمسألة لا تتعلّق بالعدد، بقدر ما تتعلّق بالوعي والتصميم!

إن تناول النص الديني من المنظور الذي اختاره صاحب الكتاب هو من الأهمية بمكان، أنه ورد في القرآن الكريم في محكم التنزيل: “يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعِنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم.” سورة البقرة 104 كما ورد أيضا في محكم التنزيل: “من الذين هادوا يحرّفون الكَلِمَ عن مواضعه، ويقولون سمعنا وعصينا، واسمَعْ غيرَ مُسمَعٍ، وراعنا ليّاً بألسنتهم وطعنا في الدين.”سورة النساء: 46

وعليه، فإن اللغة ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي مرآة ثقافية، فالثقافة هي الوعاء الجامع لكل الانجازات والموروثات، لكنها على حد تعبير الشيخ أمين الخولي سبب كل المعضلات، إذ يقول: “ما من علّة في فكرنا، إلا ووراءها علّة لغوية”.وقد صدق جبران خليل جبران أيضابقوله: “إن الحق يحتاج إلى رجلين: رجل ينطق به ورجل يفهمه”…ورجل ثالث يعمل به…

صلب الموضوع

إم كتاب “آيات الجهاديين” مجهود علمي رصين يسعى صاحبه من خلاله لدحض مقولات السلفية الجهادية التأويلية للنص الديني، لكن ما هي المسائل التي تعتور هذا العمل؟

 1-الضلال المنهجي: يعاني البحث من الاكتفائية التي تتمثل بتركيزه على الملاحظة الخارجية، وذلك من خلال سبر أغوار البنية اللغوية للنص، بمعزل عن السياق الذي ورد فيه. فالملاحظة الخارجية غير كافية البتة في رأينا لفهم الرسالة، فالجوانب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والنفسية أساسية جدا في هذا المضمار.

فالملاحظة المتطورة تتطلب سبر أغوار البنيات المجتمعية، وتحديد الأسباب الحقيقية الكامنة وراء الظواهر المجتمعية. وعليه، فقد كان على الباحث أن يفعّل قدراته الاستشعارية لملاحظة المستتر من الحقائق، فثمة وظائف أساسية تتعلّق فعاليتها بأعضاء تبدو لنا وظيفتها “بسيطة”، فالتشخيص المتطور لا يعتمد على الحدس وحسب، ولا على القياس وحسب، ولا على التحليل المنطقي وحسب، ولا على الخبرة وحسب، ولا على التحليل اللغوي وحسب، بل على الملاحظة المجهرية المتطورة، فالجسم المجتمعي، كأي نسق واع، عناصره متداخلة، ومؤثراته متبادلة، ووظائفه متنوعة ومتناقضة ومتكاملة.

2-الحياد الأخلاقي-العاطفي: إن الدراسة المسؤولة للنص الديني تتطلب استيفاء شرط التحلّي الحياد الأخلاقي-العاطفي، فالباحث المسؤول هو الذي لا يكتفي بالوصف والتحليل لما هو كائن، بل يشدد أيضا على ما ينبغي أن يكون، وإلا فإنه يغامر بموضوعيته،

إن الحياد الأخلاقي هو زاد الباحث في نشاطه العلمي، فالباحث العلمي كائن مستقل عن كلالتأثيراتالذاتية، فلا تأثير في تحليله للظواهر،للقيمه الموروثة، والأحكام المتوارثة، والصور النمطية، والبحث يُظهر جليّا شحنة من العاطفة عالية التوتر، في حين أنه كان على صاحب المؤلف أن يتحرر منها قبل الشروع في عمله البحثي، وهذه معضلة تواجه كل الباحثين في مجال الانسانيات على مدى الزمن.

إن سعي الباحث الحثيث لإضفاء الطابع السلمي على الدين الإسلامي،قد أفقده حياده الأخلاقي-العاطفي، وأوهن العملية العلمية التي أطلق لها العنان.فالإسلام لا يعمل وفق تصورات “غاندي” السلمية، فهو منهج للحياة، الوسطية ركيزته، وللقوة فيه أهمية محوريةبقدر ما للسلم فيه أهمية محورية، شرط أن يكون مسوغ اللجوء الى القوة أو السلم نشر الفضيلة وبناء الإنسان وإعمار الكون.

3-التأصيل المعرفي: ويتضمن هذا العنوان بعدين: البعد المتعلق بالروافد المعرفية ذات الصلة بالنص القرآني، والبعد المتعلق بالروافد المعرفية الوضعية. 

3-1 الروافد المعرفية الدينية: كيف يجوز لنا لفهم مكنونات النص الديني الاكتفاء بجانبه اللغوي؟! وهل القرآن وثيقة تاريخية ميّتة، والحضارة الإسلامية مجرّد بقايا يهتم بها علماء الحفريات والآثار؟ أم هو منهج حياة للإنسان ينبض بالحركة والحيوية؟وما هو موقف الكاتبمن الحوار القائم بين “تهافت التهافت” و”تهافت الفلاسفة”؟

لقد شدد ابن رشد في كتابه “تهافت التهافت” على سيادة العقل الفعّال في سبر أغوار النص الديني عندما تتناقض الحقيقة الفلسفية مع الحقيقة الدينية، فلا يمكن لله الذي منح الإنسان هبة العقل أن يوحي لأنبيائه بنص ديني يستعصي على هذا العقل إدارك معانيه، فالحقيقة الفلسفية تتحقق في رأيه من خلال فهم النص القرآني في ظاهره وباطنه،وفي حال تطابق التأمل الفلسفي في مسألة معينة مع ظاهر النص القرآني، فإنه من البديهي الاعتقاد أنه لا تناقض يمكن ان يسجّل بين الشرع والفلسفة.

وفي المقابل، إذا حصل تناقض ظاهري بين الفلسفة والنص القرآني، وإذا كانت الفلسفة تخالف ظاهر النص القرآني، يدعو حينئذ ابن رشد الى البحث عن الحقيقة الدلالية من خلال تأويل باطن النص، فالنص القرآني لا يمكن له في رأي إبن رشد أن يناقض المعرفة الفلسفية، ما يتطلب استخراج الدلالة اللفظية من فضاء الدلالة المجازية الى فضاء الدلالة الحقيقية”.

أما الإمام الغزالي في مؤلفه “تهافت الفلاسفة”، فقد شنّ نقدا لاذعا لفلسفةإبن رشد. ف”تهافت” ابن رشد من منظور الغزالي ناجم عن قضايا لغوية لا فكرية، لكن “إبن رشد” في كتابه الشهير “تهافت التهافت”، الذي يشكل الطرح المضاد لنظرية “الغزالي”، أكّد أن الفلسفة هي أحد أبرز روافد التنوير، فهي بقوة العقل، وبفعالية لا يتمتع بها “النصوصيون”، قادرة على إثبات وجود الله. فكيف يجيز صاحب “أيات الجهاديين” لنفسه التغافل عن مناقشة هذه الروافد الفلسفية، حتى في حدها الأدنى ولا سيما عندما يتعلق تفسير النص بالعلاقة بين الأنا والذات والموضوع!

3-2 الروافد المعرفية الوضعية: أما فيما يتعلق بالروافد المعرفية الوضعية التيتقارب الإنسان من خلال البيئة (الجغرافيا) والزمن (التاريخ)،فلم يأت الكاتب على ذكر أي منها. ماذا عن مقولة مؤسس علم النفس المعرفي نعوم تشومسكي؟ ماذا ع مقولة كلود ليفي شتراوس البنيوية؟ ماذا عن برتراند راسل ونظريته الصورية للغة؟ ماذا عن سكينر ونزعته السلوكية؟ ماذا عن نظرية المعنى لصاحبها لودفيج فيتجنشتاين؟ ماذا عن علاقة اللغة بعلم الرياضيات؟ ماذا عن علاقة اللغة بعلم الإحصاء؟ ولماذا لم يستفد صاحب “آيات الجهاديين” من كل هذه الإسهامات في عملية تفكيكه للنص القرآني؟

يجيب الدكتور نبيل علي عن هذه الأسئلة في مؤلفه “الثقافة العربية وعصر المعلومات” الصادر في العام 2001 عن سلسلة عالم المعرفة، إذ يشير الى وجود اعتباطية في رسم حدود العلاقة التي تربط بين اللفظ وحمولته الدلالية، ما يحتم في رأيه “إيجاد منطق امتدادي extentional logic لقيم همزة الوصل بين مجرّدات المنطق وواقع اللغة؛ ومنطق زمني Tens logic لتبيان البنية الزمنية الداخلية للفعل ذاته، وغير ذلك مما يطلق عليه أهل اللغة مصطلح السمات الجهوية aspectual features، ويعني “نبيل علي” بذلك مدى الارتباط القائم بين زمن الفعل، ماضيه ومضارعه، بزمن الحدث، منصرمه وراهنه وقادمه، إضافة الى حاجتنا الى منطق نوايا intentional logic لسبر أغوار دلالات المعنى الحقيقية”.

 الخلاصة

لا تزال الجدلية بين الوضعية والمعيارية ترخي بظلالها السياسية والأخلاقية والفلسفية على الواقع الفكري والمجتمعي والإنساني على وجه العموم. فالعلم ليس المرجع المعرفي الوحيد، والوجود ليس كله مختصرا في الإنسان والطبيعة، على حد تصوّر الدكتور محمد أمازيان، في مؤلفه “مناهج البحث العلمي بين المعيارية والوضعية”.ولذلك ينبغي التزام المنهجية التوحيدية في اللغة، بحيث تستجيب حمولتها الدلالية لخصوصياتنا الثقافية، كما ينبغي التزام النظرة الشمولية في التفسير والتحليل، على اعتبار أن المجتمع الإنساني كلا متجانسا، وليس وحدات مجزّأة، فالتاريخ في رأيه ليس مجرد مصادفات أو متواليات رقمية، بل هو خاضع لقوانين المؤثرات الغيبية التي تقف وراء حركة التاريخ.”

إن القطيعة مع الدين، وجعله مجرد انعكاس للنشاط الاجتماعي، ومجرّد متغيرا استهلاكيا تابعا يتم توجيه سلوكه وبرمجته وفق مؤثرات البيئة، يهدم في رأي “أمازيان” في الإنسان جانبه المعنوي والروحي.” وإذا كانت المذاهب الوضعية تقارب الإنسان من خلال تفاعله مع البيئة والزمن، فكيف يجوز لنا أن نفهم مكنونات النص الديني بمجرد الاكتفاء بجانبه اللغوي؟!

إن الفهم العميق للقوانينالحاكمة للتاريخ…هو شرط الفعل الإيجابي في التاريخ…وإذا كانت الفلسفة هي في منزلة الروح من الجسد من التاريخ، فإن اللغة هي الآلية المجسّدة لهذه الروح التي تضفيالمعنى على التاريخ، وترفده بالحصانة، وتزوّده بالمفهوم والمنهج والمنهجية السليمةلتحويل الفكرة الى مادة فاعلة في التاريخ!

***

 

الدكتور الأمير وليد جميل الأيوبي: نبذة عن السيرة الذاتية الأكاديمية والمهنية والسياسية

+ مرشح التغيير لرئاسة الحكومة اللبنانية.

+ ناشط في المجتمع المدني في لبنان وكندا منذ أكثر من ثلاثين عاما ومؤسس حركة “ثورة بلا حدود” وأمينها العام.

+ مرشح لمنصب عميد كلية الحقوق والعلوم السياسية والإدارية في الجامعة اللبنانية.

+ مرشح لمنصب عميد المعهد العالي للدكتوراه في الحقوق والعلوم السياسية والإدارية والاقتصادية في الجامعة اللبنانية.

+ مرشح سابق لمنصب سفير لبنان لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة (الأونيسكو)

+ مرشح سابق لمنصب محافظ في الجمهورية اللبنانية

+ مرشح سابق لمنصب مدير كلية الحقوق والعلوم السياسية والإدارية في الجامعة اللبنانية (الفرع الثالث)

+ أستاذ العلوم السياسية في ملاك الجامعة اللبنانية.

+ لديه أكثر من ثلاثين سنة من الخبرة في مجال التعليم والبحث العلمي الجامعي.

+ حائز على رتبة الأستاذية من الجامعة اللبنانية (كلية الحقوق والعلوم السياسية والإدارية)

+ ترأس سابقا قسم العلوم السياسية والإدارية في الجامعة اللبنانية (الفرع الثالث)

+ شغل سابقا عضوية مجلس الفرع الثالث في كلية الحقوق والعلوم السياسية والإدارية.

+ شغل سابقا عضوية لجنة التقييم العلمية في مجلة الحقوق والعلوم السياسية في الجامعة اللبنانية.

+ يشغل حاليا عضوية اللجنة العلمية في المعهد العالي للدكتوراه في الحقوق والعلوم السياسية والإدارية والاقتصادية في الجامعة اللبنانية.

+ حائز على شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية من كلية الدراسات العليا في جامعة مونتريال-كندا

+ حائز على شهادة الماستر في الإدارة العامة من جامعة مونكتون-كندا

+ حائز على شهادة الباكالوريوس في العلوم السياسية والاقتصادية من جامعة مونتريال-كندا

+ في رصيده عددا لا حصر له من المحاضرات العلمية، والمداخلات الإعلامية المتخصصة، وقد أشرف أكاديميا على العديد من البحوث الأكاديمية في العديد من الصروح الجامعية العامة والخاصة، داخل لبنان وخارجه، ونشر العديد من الكتب والدراسات، ولديه العديد منها قيد النشر، وتتمحور اهتماماته البحثية حول علم الدولة وعلم الجيوبوليتيكا.

+ أبرز القضايا السياسية الوطنية والقومية، الإقليمية والدولية، المنشورة وغير المنشورة، التي تناولها الكاتب الآتية: الدولة الحديثة؛ النظام السياسي اللبناني والنموذج السياسي البديل؛ الثورة وبناء الدولة؛ جماعات الضغط؛ الإصلاح الإداري؛ الخصخصة؛ الجامعة اللبنانية؛ اللامركزية الإدارية؛ النزوح السوري في لبنان؛ تفجيرمرفأ بيروت؛التنمية العربية؛ المسألة الشرقية؛ الإسلام السياسي؛ فلسفة البحث العلمي؛ السياسة الخارجية الأميركية؛ الصراع الدولي على الطاقة؛ السعودية والصراع على الشرق الأوسط؛ الصراع العربي الصهيوني؛ الربيع العربي؛ الفوضى الخلاّقة…إضافة الى مؤلف يناهز 900 صفحة يتناول فيه الكاتب سيرته الذاتية من المنظور البوليتيولوجي…وعدد لا حصر له من المقالات المتخصصة في المسائل السياسية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية…المحلية والإقليمية والدولية…

 

***

[1]قراءة البروفسور الدكتور وليد الأيوبي في مؤلف البروفسور الراحل الدكتور سعد كموني بعنوان “آيات الجهاديين: قراءة أخرى”. الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 2018. وقد نوقش هذا الكتاب القيّم في رحاب الرابطة الثقافية في مدينة طرابلس وبرعايتها، وشارك في المناقشة البروفسور الراحل الدكتور غسان الخالد، وقام بتنشيط الحوار الإعلامي الأستاذ محمد الحسن(5 ت1 2018)

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *