الإعلام في لبنان: حرية الرأي ومسؤولية الكلمة
العميد الركن المتقاعد صلاح جانبين
تُعدّ حرية الرأي والتعبير من أهم ركائز المجتمعات الديمقراطية، لكنّ الحرية، مهما علت مكانتها، لا تعني الفوضى، ولا تبرّر التضليل والتحريض، ولا تعفي صاحب الكلمة من مسؤولية ما يقول وينشر. فالكلمة قد تكون جسراً للحوار والتفاهم، وقد تتحوّل إلى أداة لتوسيع الخلافات وإيقاظ الأحقاد.
وفي لبنان، حيث تتشابك الانقسامات السياسية والطائفية مع المصالح الإقليمية والدولية، تبرز إشكالية الإعلام الذي يُفترض أن يكون مرآة للحقيقة وصوتاً للمواطن، فإذا ببعض منابره يصبح أسير الاصطفافات الحزبية والارتباطات الخارجية. فلكل حزب أو تيار، بدرجات متفاوتة، منابره الإعلامية التي تدافع عن مواقفه وتروّج لخطابه، فيما يطرح التمويل السياسي والخارجي تساؤلات جدية حول استقلالية القرار الإعلامي، وحدود تأثير المصالح في نقل الوقائع وتفسيرها.
ولا تكمن المشكلة في تعدّد وسائل الإعلام واختلاف توجهاتها، بل في أن يتحوّل الاختلاف إلى انتقائية في عرض الحقائق، وأن يصبح الخبر وسيلة للتعبئة، والتحليل أداة للتوجيه، والرأي المخالف سبباً للتخوين والتشهير.
وتزداد خطورة الأمر مع وسائل التواصل الاجتماعي التي أتاحت لكل فرد منبراً مفتوحاً، من دون أن يرافق ذلك دائماً تحقّق من المعلومات أو إدراك لعواقب نشر الشائعات والاتهامات. وهكذا، قد تنتشر معلومة كاذبة في دقائق، بينما تحتاج الحقيقة إلى وقت وجهد لإثباتها، ويصبح المواطن أسير روايات متناقضة تغذّي انقساماته بدلاً من أن تساعده على فهم واقعه.
أليس من المؤلم أن يأتي ذلك في بلد خبر الاقتتال الطائفي خمسة عشر عاماً، ودفع أثماناً باهظة من دم أبنائه ودمار ممتلكاته وتهجير أهله؟ ألم يكن يفترض بهذه التجربة المريرة أن تجعل الإعلام أكثر حرصاً على السلم الأهلي، وأكثر وعياً بخطورة الخطاب الذي يستحضر العصبيات ويعيد إنتاج الانقسامات؟
وتتجلى هذه الإشكالية بوضوح في المواقف المتباينة من الحروب والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على لبنان، ومن سبل مواجهتها ومقاومتها وتداعياتها. فبدلاً من أن تكون وسائل الإعلام مساحة لمناقشة الخيارات والنتائج بمسؤولية، يتحوّل النقاش أحياناً إلى صراع بين اللبنانيين أنفسهم، يتبادل فيه المختلفون الاتهامات، وكأنّ الاختلاف في الرأي يُسقط حق الآخر في الانتماء إلى الوطن والدفاع عن أرضه بكل الوسائل الممكنة والمتاحة .
إنّ من حق اللبنانيين أن يختلفوا في تقييم السياسات والوسائل والخيارات، لكن ليس من حق أحد أن يحتكر الوطنية على قياسه، أو أن يوزّع صكوك الانتماء بحسب مواقفه السياسية. فالنقد حق، والاختلاف حق، ومساءلة المسؤولين واجب، أما التخوين والتحريض وتزييف الوقائع فلا تخدم وطناً أنهكته الأزمات والحروب.
إنّ المطلوب ليس تقييد حرية الإعلام، ولا إخضاعه لرقابة السلطة أو الأحزاب، بل تحريره من التبعية، وتعزيز استقلاليته، وإلزام مؤسساته بمعايير مهنية وأخلاقية واضحة، قوامها التحقق من الأخبار، واحترام كرامة الإنسان، وتصحيح الأخطاء، وإتاحة المجال للرأي المخالف. كما أنّ الشفافية في مصادر التمويل والملكية ضرورة لحماية حق المواطن في معرفة الجهات التي قد تؤثر في ما يقرأ ويسمع ويشاهد.
أما وسائل التواصل الاجتماعي، فالمسؤولية فيها مشتركة بين المنصات والمستخدمين والجهات المعنية، من دون أن تتحوّل المحاسبة إلى ذريعة لإسكات الأصوات الحرة أو مصادرة النقد المشروع.
إنّ لبنان، الذي عانى ويلات الاقتتال الداخلي، وما زال يواجه تداعيات الحروب والاعتداءات الاسرائيلية من دون رادع دولي والانقسامات بين اللبنانيين من جرائها، يحتاج إلى إعلام يقرّب المسافات ولا يوسّع الشروخ، ويكشف الحقيقة ولا يوظّفها، وينتقد الأخطاء من دون أن يحوّل الاختلاف إلى عداوة.
فحرية الرأي ليست أن نقول كل ما نشاء من دون مسؤولية، وليست المسؤولية أن نصمت خوفاً من أحد؛ بل أن نعبّر بحرية، ونختلف بوعي، ونحترم الحقيقة وكرامة الإنسان. فالأوطان لا تُحمى بإسكات الأصوات، ولا تُبنى بكلمات تشعل الفتن، بل بقررات جريئة وإعلام مستقل يجعل الحقيقة غايته، والإنسان كرامته، والوطن مسؤوليته.



