سمية تكجي «كبسولات من جرح وضوء»: تجديد الرؤية أم إعادة كتابة المألوف؟
فاتن مرتضى
ليست الكتابة القصيرة زهدًا في الكلمات، بل فنّ تكثيفها واختزال التجربة في صور قادرة على الإيحاء بما يتجاوز ظاهر الحكاية. وفي مجموعتها «كبسولات من جرح وضوء» (منشورات منتدى شاعر الكورة الخضراء عبدالله شحاده الثقافي)، تقترب سمية تكجي من تفاصيل الحياة اليومية لتستخرج منها أسئلة الذاكرة والفقد والحب والحرمان، وتطرح سؤالًا حول حدود المألوف وإمكانات التجديد في القصة القصيرة جدًا.
يحمل العنوان دلالات تختصر عالم المجموعة. فالكبسولات توحي بتكثيف التجربة، والجرح يحيل إلى الألم والهشاشة الإنسانية، فيما يشير الضوء إلى إمكان العثور على معنى وسط العتمة. وبينهما تتحرك نصوص تستند إلى التقاط اللمحة العابرة وتحويلها إلى مدخل لقراءة الإنسان وعلاقته بالأشياء والعالم.
تتنوع موضوعات المجموعة بين الذاكرة في مواجهة التكنولوجيا، ووجع النزوح، وحنين الأبناء إلى الأمهات، والتفاوت الاجتماعي، والتناقض بين المظهر والسلوك. ففي «الوردة المنسية في الكتاب القديم»، تقول الكاتبة إن «الذكريات أصبحت تأتي جاهزة عبر الفايسبوك»، وتضع الوردة في مواجهة عالم يستبدل التجربة الحية بصورتها الرقمية. أما في «سلسلة يوميات نازح»، فيختصر قولها «هو الآن في البيت رقم ٤ في النزوح، ولا يعلم حقًا إذا كان هذا الرقم قابلًا للارتفاع» قلق الإنسان الذي فقد استقرار المكان، فيما توحي عبارة «مرآة مهشمة عند أطرافها» بتصدّع علاقته بذاته وحياته السابقة. ولا تكمن قيمة هذه الأفكار في موضوعاتها وحدها، بل في زاوية النظر إليها، وفي قدرة التفاصيل الصغيرة على كشف أبعاد إنسانية أوسع.
تتجلى العاطفة من خلال الأشياء التي تحمل آثار أصحابها، لا عبر الانفعال المباشر وحده. ففي «مسبحة»، تصبح الحبات وسيلة لاستعادة الأم، إذ تقول الكاتبة: «ما أروع مسبحتي حين غدت آلة الزمن»، ثم تصفها بأنها تمتلك «ذكاء الوقت العاطفي». هنا يتجاوز الشيء وظيفته المادية ليصبح وعاءً للحنين، ويغدو استحضار الماضي فعلًا وجدانيًا يعيد وصل الحاضر بالغائب. ويحضر الحنين أيضًا في «مهداة من درويش إلى أمي»، عبر استدعاء أغنية مارسيل خليفة «أحن إلى خبز أمي»، المستندة إلى قصيدة محمود درويش. ويمنح هذا التناص الحنين امتدادًا يتجاوز التجربة الفردية، إذ يستدعي ذاكرة ثقافية مشتركة تتداخل فيها الأمومة ورائحة الخبز ودفء البيت. وتنجح هذه المقاربة حين تنبثق العاطفة من تفاصيل ملموسة، من دون أن تتحول إلى خطاب عاطفي مباشر.
وإذا كانت العاطفة تمنح النصوص حرارتها الإنسانية، فإن الخيال يتيح للكاتبة إعادة اكتشاف الأشياء وإكسابها دلالات تتجاوز حضورها المألوف. ففي «مانغودينام»، تتألم شجرة المانغو لأنها لا تثمر، ثم تكتشف قيمة أخرى لوجودها في علاقتها بالغاردينيا واليمام. وتقول الكاتبة: «الشجرة وهبت نفسها وظلالها للغاردينيا وكانت الغاردينيا تبادلها الشكر عطرًا». من خلال التشخيص، تتحول الشجرة إلى كائن يبحث عن معنى وجوده، وتصبح الحكاية تأملًا في العطاء، وفي الأحكام التي تختزل قيمة الكائن بما ينتجه لا بما يمنحه. فالخيال هنا يعيد النظر في مفهوم الجدوى ذاته، ويقترح أن قيمة الكائن قد تكمن فيما يتيحه للآخرين من حياة ودفء واحتواء.
أما على المستوى الأسلوبي، فتعتمد تكجي لغة مقتصدة، وتستثمر المفارقة لتكشف التناقض بين ظاهر المشهد وحقيقته. ففي «بيتزا»، يقف المتسوّل عند مستوعب النفايات، «عينه على البيتزا ويده في المستوعب»، في مقابل إعلان يروّج لشراء بيتزا والحصول على أخرى مجانًا. ويختصر المشهد الهوة بين وفرة الاستهلاك وحرمان المحتاج، من دون حاجة إلى إدانة مباشرة. وفي «آذان»، تنتهي حكاية الرجل الذي يواظب على الصلاة بعبارة: «اعتنق هواه وصلى إلى إله آخر!»، فتفضح المفارقة الهوة بين ممارسة الطقس الديني والانقياد للرغبة الشخصية. وفي «من وحي الخراب»، تصبح «سترات النجاة في كل مكان» صورة أكثر إيلامًا حين «لا أحد يمد يده ليتناول أيًّا منها». وتكشف المفارقة عجز الإنسان عن التصرف أمام الخطر، حتى حين تكون وسائل النجاة متاحة. وتكمن قوة هذه المشاهد في اقتصادها وقدرتها على دفع القارئ إلى استكمال المعنى بنفسه.
ويتسع أفق المجموعة باستدعاء مراجع أدبية وثقافية، كما في «تشيخوف ويونا كانا معنا»، حيث تحضر قصة تشيخوف «التعاسة»، بما تطرحه من حاجة الإنسان إلى من يصغي إلى حزنه. ويحضر بورخيس في «جنة في الجيب»، من خلال العبارة «الجنة عبارة عن مكتبة»، التي تضع المعرفة والقراءة في مواجهة تصوّر تقليدي للخلاص. ويمنح التناص النصوص امتدادًا يتجاوز حكاياتها المباشرة، ويقيم حوارًا بين التجربة الفردية والذاكرة الأدبية. غير أن قيمته لا تتحقق بمجرد استحضار مرجع أدبي، بل تتحدد بقدر ما يندمج هذا المرجع في التجربة الجديدة ويكتسب دلالة خاصة، فلا يبقى مجرد علامة ثقافية أو إحالة إلى نص سابق.
تنجح سمية تكجي في التقاط ومضات من الحياة اليومية، وتوظيف العاطفة والخيال والمفارقة والتناص لفتح مساحات من التأمل. وتبرز خصوصية تجربتها في تحويل الأشياء العادية إلى مرافئ للذاكرة والمعنى، وفي قدرتها على استنطاق التفاصيل الصغيرة للكشف عن أسئلة إنسانية واسعة. ومن هنا، لا تتحدد قيمة المجموعة في طرح موضوعات غير مسبوقة، بل في قدرتها على تجديد النظر إلى موضوعات إنسانية أزلية، وإعادة تشكيلها عبر صور مكثفة ومفارقات تترك للقارئ مساحة للمشاركة في إنتاج الدلالة.
وهكذا، تؤكد «كبسولات من جرح وضوء» أن الكتابة لا تحتاج دائمًا إلى عوالم جديدة، بل إلى عين ترى في المألوف ما لا ننتبه إليه. وقد استطاعت سمية تكجي، في نصوصها الأجمل، أن تجدّد الرؤية، وأن تمنح التفاصيل اليومية أبعادًا تتجاوز ظاهرها، فتوقظ في الأشياء العادية أسئلة ومعان لم نلتفت إليها من قبل. فهل تكون جدة الكتابة في ما تقوله لنا، أم في ما تجعلنا نراه للمرة الأولى، رغم أنه كان أمام أعيننا؟
***
*كاتبة وناقدة لبنانية.




