قراءَةٌ في قصيدة “كرمُ الضَّادِ” للشّاعر إِبراهيم قاسم عَودِه
سليمان يوسف إبراهيم
وقفتُ في رِحاب هذا الكرَّام العَوديِّ، وقوفي بباب خمَّرةٍ فاح طيب خمرتها، من إِجانةٍ تصاعدت خميرتُها مُتجاوبةً في رحاب الفؤآد، مُستوطنةً سحابةَ الفكر، فتعتعه رحيقُ المُقالِ في المَقولِ اعتزازًا وفَخارًا وإِعادة اعتبارٍ لصبيَّة الكلام – خمرة لساننا، وعروسة اللُّغات- التي كلَّما تكثَّف عصيرها بعُصاراتِ المعرفة، ذهبَ بالأَلباب سابرًا أَغوار الجمال فُتونًا وسوحة إِبداعٍ!!
فالذوَّاقة يتلذَّذ طعمَ كأسه من الَّضاد راحًا، تغذو هوِّيةُ الخمَّار، بعيدًا عن شقِّ النفس لهاثًا خلف اكتشاف مصدر عنبِها وصريح كرمتها!!
فكرمُ لغتنا الحبيبة، شاسع المدى رحب الأَرجاء… متنفَّسُها، معجمٌ يتقومسُ حتَّى غاية المُنتهى؛ باسطًا لطلاقتها وإَطلاقها، بستانًا من أَلفاظٍ ومعانٍ يتمادى بمفرداتٍ وكلماتٍ يخيطُ المتكلِّمُ بها كما كاتبها بمحيطٍ محيطٍ من لُبوس المفردات الكلمات التي تليق بالمعاني العبارات، شرطَ أن تلقى حائكًا فخيّاطًا يسمو بإتقان صَنعَته لتزهو عرائس الفكر بنثرٍ وشعرٍ مُتشاوفةً بين أَخواتها الكتابات….
فالباقي من جني الكروم في أَقبية الخمَّار، لا يقف بمُتذوِّق عصيره عند باب كرمٍ ولا على لون عناقيده في سلال أَهل القِطاف. بل، تبقى رهبة الوقوف خشعةً إِزاء المعصور وفعله في النّفوس والأذهان: فإن كان فعل الخمرة في الرّأس لآن، ففعل الكلمة لكلِّ الأَوان. بخاصَّة، إن وقعت تحت مِجهر بصيرة قارئٍ نهمٍ أو سامعٍ مشنَّف الآذان، ساعيًا أَبدًا لسدِّ جوعه برغيف جمال. (Provigil Australia)
عند كثافة القول، ينفردُ فيتفرَّدُ غنى القائل، ورفعَة المَقول في آن: فإن أَبلغ بلغَ وإن فَصُحَ أَفصحَ: ففي الحالين له نوال قَصَب السَّبق في تحقيق العيش على الألسنِ وفي العقولِ بقاءً على الأَزمان…
فشاعرُنا ما قاربَ عروس الألسُن لغةَ الضَّادِ إِلاَّ وأَلفاها صبيَّة اللُّغاتِ بعيدةً عن مساس أَيةِ شيخوخةٍ تدهم صباها. فهي عُصارةَ الأَلسُن وعصيرها القادر على مواكبة الفكر الإنساني عبر تراكم الأَزمان وتوالي الأَعصُر. خمرةٌ هي، كلَّما عتُقَتْ تعتَّقت مذاقًا وانعتقَتْ من كلِّ بالٍ مُسيءٍ إلى نُضرتها، فتصفو ليسلس مفعولها في النُّفوس طربًا لمعانٍ تمسُّ القلبَ، توقظُ الفكر بلمسةٍ مُبدعة من لدُنِ مفكرٍ أَم شاعرٍ طافَ بخياله شاردًا خلفَ المعاني التي تُعمِلُ بالنَّفس؛ فتَعملُ بها وترسخُ فِعلةً؛ أَيَّاني منها خمرةُ ذاكَ النؤاسيّ العتيق الذي ارتقى وصفا بخمرته من المحسوس إلى ما هو أَرقى حِسًّا وأَنقى شعورًا نحو الأَسمى حضورًا.
وتبقى عظَمَةُ الضّاد باستمرار بقاء مَنْ يتداولُها حديثًا، ومَنْ يتناولها دراسةً، ومَنْ يعمَدُ إليها سِلاحًا في وجه الأَيَّام: تُبقيه في الأَذهانِ حيًّا وفي ذاكرةِ الحضاراتِ عرقًا نابضًا، بقدر ما يصونُها ويحمي حضورَها من تلفٍ واندثار… فتبادله نُضرةَ البقاء بأَفضل منها. ويبقى السِّرُ كلُّ السِّرِ في شدَّة محتدِّ من بتناولها بالدِّراسة ومَنْ يعمَد إليها وسيلة تعبيرٍ تطير بإِبداعِ متقنها والمُتفنِّن في استعمال مفرداتِها بمؤاخاةٍ أَم بتضادٍ بعيدًا عمَّا ضمَّتْهُ بطون المعاجم الصّامتة ومحيطات القواميس الجامدة المحنَّطة، التي يُظَنُّ خطأً أنَّ مجرَّد هجعتها بين دفتيها يكفي لمنحها شهادة حياة!! بكلمةٍ، فالإرتقاءُ تأليفًا بين المُفردات بإبداعِ مُبدعٍ خَبِرٍ لمَّاع، هو برأيي، ما بمسحُ الغبارَ عن المُفردات عناصرِ اللُّغةِ ويُطلقُها على أَلسنة النّأس، ويبسطها فوقَ مراسحِ عقولِهم. فسرُّ الجِدَّةِ كامنٌ في كلِّ جديدٍ يتمايز بلُمعةٍ من الأُصول تبثُ مِنعةَ البقاءِ فيما يبسُق منها أَفنانًا يانعة في المعاني الجديدة المورقة المزهرة الواعدة بفيض الأَطايب مذاقًا في الحاضر ومؤنًا للمستقبل، حفظًا للغة في أَكؤس النور.
فالشّاعرُ إبراهيم قاسم عودِه، ينظرُ بأمرِ الصَّبيّة اللُّغة على أَنها عروسٌ تبقى، بالقدر الذي يعمدُ أَهلها فيه إلى السَّهرِ على تجديد صباها، بحفظه الأَصل وتدعيم بسقها الجديد مُكدًّا في استنبات واستنباط ما يجعلها مواكِبَةً لكل عصرنةٍ طارئةٍ مُغريةٍ لمُتابعةٍ.
ففي لغتنا الأُمُ الوفيرُ من سمات كرامتنا الوطنيّة والقوميّة، ولَكَم عانَت من تغيُّراتٍ وتحسيناتٍ كي تبقى قادرةً على مواكبة كل تقدُّمٍ عبر العصور ونجح أَهلها في صونها من اندثارٍ، غير واقفين بها عند أَعتاب أَخواتها اللُّغات بلباسٍ بالٍ قديم!!
لقد دفعت لغتنا بكبار مفكرينا اللُّغويين وأَسيادُ الكلمة المُجلِّين، بأَن يسرجوا خيولَ ريشاتهم والأَقلام، سعيًا خلف قنص الدُّر الثمين من قشيب المعاني والصّوَر التي جعلت يُكتَبُ لها دوام البقاءِ حيَّةً نابضةً بغِرق فكرِ الأُمم وحضاراتها الحيّة. كما ويرى الشّاعر “عودِه” إلى المتوالين على مِنصَّة اللُّغة على أَنَّهم جوَّابو آفاقٍ ما توانوا عن دعم المعارف بطوبِ أَفكارهم وحجارتها، لرصف مداميك الحضارة الإِنسانيّة وإِعلاء بنيانها، حتّى أن الرَّب الإله نفسه، على نبيّه بالكلمةِ وحيًا القرآنَ أَنزل، وبالمثَل المسيح قد علّم، فجاء بالإثتين المعلِّم الأَوَّل.
فيا طيبُها من لغةٍ، “كلّما مسَّها عالِمٌ مسَّتها سرّاءُ”!! وكلما أَصابها تجديدٌ، نال أَهلُها في عين الخلودِ بقاءً!!لغةٌ ذَهَبُ، كلما مرَّت بها نَخالةُ السِّنين، تبرًا شعَّت فضياءً!! فلغتُنا الضّادُ، تبقى أَغنى مغاور اللُّغاتِ بجناسٍ فطباقٍ ونهرٍ من وجوه بيانٍ، نَمِرَةِ الدَّفق، تدفعُ بأَشرعة السُّفنِ المعاني إلى شواطئ العقول وأَهراء المخيِّلة الإنسانيّة، مُغنِيتُهما معرفةً، مٌترعتُهما فهمَ مقاصدٍ لا تُحَدُّ…
ويسترسل الشّاعر بالضّاد غزلًا بنسيبٍ من غير تشبيبٍ، فيُماهي بينها وبين ريحانة الوجود، المرأة، مذ رينا رام بالخلق خلقًا!! فالرَّبُ يومَ شاءَ لخلقه كمالًا أعملَ يده بكلِّ ما فيه من صفة المُبدع الأّوَّل خلقه المرأة كمالًا لصنيع يديه، ولمّا أَراد منها تكميلًا بثَّ نبوءته بلغةِ الضّاد ووهبهم العربيَّة لسانًا ليتأنق أَهلُها اكتمالًا!!
ذاكَ النؤاسيّ العتيق، تعتعته الخمرة، حتّى أَخذت سلافتها به، إلى ديار الصّوفية تساميًا… وها بنؤاسينا المعاصر، الشّاعر إبراهيم قاسم عودِه، قد أَخذ به جمال لغتنا، بسكرةٍ بات مُماهيًا بها امرأةً؛ لطالما جعلها تأَنس لجمالها، مُصحيًا مكامن الأُنثى، ومضاجع الأُنوثة فيها، حتّى غدتا على لسانه عروستين، يتباريان بصفات حُسنٍ، يتمنّى الخلقُ أن يكون لهم من محاسنها نصيبٌ، وخمرةٌ تسمو بمحتسييها تدرُّجا بأمائر رضىً؛ نحو الخالق، بتسابيح من نثرٍ وابتهالات من عيون الشِّعر السّاميات.
كم كانت سوحتي معكم في “كرم ضادكم” من غوالي السَّناجات الرَّيقاتِ الشَّيقات، التي طابت لها نفسي، متمنِّيا أن تكون قراءَتي قد أَصابت من مرامي ما أردتم الذّهاب إليه، بعضًا من نواصي معانيه.
عنَّايا، في10/ 5/ 2020

كرمُ الضَّادِ
ابراهيم عوده
حدَّقتُ في لغة الضادِ التبستُ بها
كوجهِ كأسِ نبيذٍ حاور العنبا
ما الحقلُ ؟ ما الكرمُ ؟ ما العنقودُ ؟ ما عرفوا
إلا الذي قطرةً من أضلعي سُكبا
هذي هي الضاد خمرٌ في عبارتها
أنْ كلُّ ما قلَّ من تكثيفه رَحُبا
ليست حروفا ولا لفظا فتلك انا
أو شاعرٌ تائه من ذاته اقتربا
أدنو من الكرم كي اجتازه فأرى
وجهي الذي طالما عن اعيني احتجبا
لا سرَّ في الخمر قال الكرم حكمتَه
إلا الجداول … كي يسقي كما شربا
أعتى الينابيع حطَّت عند كرمتها
وأترعتْ في البذور الفكرَ والأدبا
فمن أعُدُّ ؟ لكلٍّ بصمةٌ ومدى
وبين أتلامِهم نخلُ الزمان حبا
طافوا مع الحرف خلتُ الأرضَ معجمَهم
وحلَّقوا فيه حتى أمطروا السُحُبا
فمن أعدُّ ولا تُحصى معاجمهم
من بينهم مثلا ربُّ السما كتبا
أنثى إذا بدَّلت أثوابها ازدهرت
وكلُّ ما شعَّ أخفت تحته ذهبا
قصر وصقر ورقص والحروف هي
الحروف … نسلٌ كأنْ من ثوبها سُحبا
حرفان .. ربٌّ وبِرٌّ … زاد أفقَهما
بَرٌّ وبرٌّ … ومعنى فاض حين ربا
رَ .. ذاك حرفٌ وأمرٌ في كثافته
قِ ما ورِثتَ وزد في أصلها نسبا
قد أكمل اللهُ خلقَ الكون بامرأة
وأتقنَ الضاد حتى يكملَ الكُتُبا



