سجلوا عندكم

فاتورةٌ كشفَتْ زَيفَهم/ قصة قصيرة

Views: 405

ديانا جورج حنّون 

 وأنا أحتسي قهوتي الصّباحيّة، وصلَتْني فاتورة كهرباء البيت على جوّالي: إثنان وسبعون مليون ليرة لبنانيّة.

صُعِقْتُ!

أعدْتُ قراءة الرّقم لأتأكّدَ من صحّته، ومن سلامة نظري.

ضربْتُ أخماساً بأسداس. من أين آتي بهذا المبلغ الكبير جدّاً، ومعاشي التّقاعديّ أتقشّفُ في صرفه كي أُكمِلَ به الشّهر؟ اتّصلْتُ بالجابي أستوضحُه عن فاتورتي. فلمْ يردّ. بعثْتُ له رسالة نصّيّة أسألُه فيها: هل سأدفعُ اثنين وسبعين مليون ليرة لبنانيّة فاتورة كهرباء بيتي بعد يومين؟ ووضعْتُ الجوّال على الطّاولة، أنتظرُ الرّدّ.

لا مدخّرات ولا مال.. مَنْ سيقرضُني هذا المبلغ الهائل؟  

أوّل مَنْ مرّ ببالي صديقي “رامز”، مالك معرض السّيّارات. لنْ يخذلَني.

على عجل، قمْتُ عن مقعدي وتوجّهْتُ إلى غرفتي. إرتديْتُ ثيابي، وخرجْتُ من البيت. إستقبلَني “رامز” استقبالاً أخويّاً حارّاً، وأحسن ضيافتي، وعاتبَني بلباقة على تغيّبي عنه. إعتذرْتُ منه على تقصيري، وطلبْتُ منه أنْ يقرضَني اثنين وسبعين مليون ليرة لبنانيّة قيمة فاتورة الكهرباء. مسحَ جبينه، وقالَ، وهو لا ينظرُ في عينيّ: البارحة، دفعْتُ أقساط أولادي الثّلاثة الجامعيّة. المال لمْ يعدْ متوفّراً لديّ. سامحْني، يا صديقي.

رسمْتُ على شفتيّ شبه ابتسامة، وودّعْتُهُ والقهر يتآكلُني. 

قصدْتُ صديقي “توفيق”، مالك “ميني ماركت”.

بعد التّحيّة والسّلام والسّؤال عن الحال، طلبْتُ منه مال الفاتورة، على أنْ أردَّه “مقسّطاً” لاحقاً. ببرودة ظاهرة، قالَ: آسف، ليس متوفّراً لأنّني دفعْتُ ضُعفَيه في صفقة شراء بضاعة.

أوجعَني ردّه. ودّعْتُه، وأنا ناقم على وضعي التّعيس.

لمْ يبقَ أمامي إلّا صديقي “أكرم”.

ذهبْتُ إليه في متجر الألبسة، وطلبْتُ منه المال لأدفع فاتورة الكهرباء. ربَتَ على كتفي، وأبدى تعاطفاً كلاميّاً، وقالَ بلهجة كسيرة: آسف، يا صديقي، لا مردوداً قويّاً لهذا المتجر. وأنت تعرف الضّائقة الاقتصاديّة التي يمرُّ بها البلد. سوق الشّراء جامد والمال لا أمتلكه حالياً. سامحْني، أرجوك.  

اسودَّتِ الدّنيا في وجهي، وحرْتُ في أمري. ماذا أفعل؟ من أين آتي باثنين وسبعين مليون ليرة لبنانيّة؟  أصدقاء العمر الذين توسّمتُ فيهم خيراً خذلوني وخيّبوا أملي، وأنا العارف بقدرتهم المادّية. لِمَ لمْ يساعدوني بقليل من مال أغدقَه الله عليهم؟ 

عدْتُ إلى داري أجرُّ ذيل الخيبة واليأس. بدّلْتُ ثيابي، وتمدَّدْتُ على الأريكة في غرفة المعيشة. بعد تفكير عزمْتُ على بيع البرّاد والتّلفاز و”البوتغاز”، من أجل تسديد فاتورة الكهرباء. 

قرّرْتُ أنْ أتّصلَ بمحلّ “أمين” لبيع وشراء الأجهزة الكهربائيّة المستعملة. لمْ أجدْ جوّالي في جيبي. بحثْتُ عنه في أرجاء البيت وهو موجود أمام ناظري على الطّاولة. ما انْ أمسكْتُهُ تلقّيْتُ رسالة نصّيّة من جابي الكهرباء ردّاً على رسالتي: “إنَّ فاتورتك قيد التّصحيح”… 

ما إنْ قرأتُها، رفعْتُ يديّ إلى السّماء، شاكراً وحامداً، وقلْتُ: لنْ أدفعَ اثنين وسبعين مليون ليرة.. لنْ أبيعَ البرّاد والتّلفاز وفرن الغاز. لنْ أقترضَ المال من…أي صديق. هلّلْتُ وفرحْتُ، لكنّني وعيْتُ على حقيقة مرّة آلمَتْني وأوجعَتْني حتّى العظم. فاتورة كهرباء عرّتْ أصدقائي وكشفَتْ زَيفهم ونفاقهم.

يا للخسارة!

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *