سجلوا عندكم

كيفَ تُواجِهُ الفجور؟

Views: 570

د. مصطفى الحلوة

كَتَبَ الأستاذ محمد عيّاد، في صفحته على الفايسبوك، “پوست” من ثلاث كلمات “كيفَ تُواجِهُ الفجور؟”. وقد كَتَبَه بالخط الأبيض العريض (Bold)، وبخلفيّة سوداء، كان لها، من منطلق جدل الألوان المتعارضة، أن تُبرز هذا الپوست بجلاء.

إشارة إلى أنّ “الپوست” يُخاطب الشخص الفرد، بتوسُّله ضمير المخاطب “أنت”.

كانت تعليقات شتّى، عكست التنوّع في الآراء، كما أشّرت على المستوى الفكري، ارتفاعًا وهبوطًا، لمن أدلوا بتعليقاتهم، مُجيبين عن السؤال المطروح.

إذْ ننتقي بعض نماذج من التعليقات، فقد آثرنا أن نستهلّ بما تَوَجَّه به بعضهم إلى الأستاذ عيّاد، طارحًا عليه بضعة أسئلة وجيهة، قبل إبداء رأيهم في المسألة.

أحدهم طرح قضية تحديد المصطلح، أي مصطلح الفجور (الشيخ أ.و)، فهو يتوّجه إليه متسائلًا: “شو قصدك بالفجور؟”. كأننا به يقول له: كان عليك أن تحدّد هذا المصطلح كي تأتي المقاربة في موضعها. وإلى ذلك ثمًة من تساءل عن توصيف الفجور (السيدة غ.ع)، إذْ علّقت، قائلةً إنّ المواجهة هي”بحسب نوع الفجور، إذا إجتماعي (..)، أو إذا سياسي(..)”.

في ردّ الأستاذ عيّاد على استفسار (الشيخ أ.و)، يورد الآية القرآنية الكريمة: “أم نجعل الذين آمنوا، وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض، أم نجعل المتّقين كالفُجّار؟”(سورة ص/28). بهذه الإحالة إلى القرآن الكريم، يروح العيّاد إلى المنحى الديني، إذْ الفُجّار هم خلاف المتّقين، المؤمنين الذين يخشون الله، ويؤمنون بما أُنزل على النبي محمد (ص). ومما يدعم، لدينا، هذا التوجّه، ما ذهبت إليه الآية القرآنية الكريمة: “فألهَمَها فجورَها وتقواها” (سورة الشمس/9)، حيث وُضع الفجور قبالةَ التقوى.

ولقد كان لأحد الملتزمين بالدين (ف.ع) أن يُدلي بمطالعة مُسهبة، إستعرض فيها بعض قضايا، متفرّعة عن القضية الأساسيّة: “أوّلًا، تعريف وتحديد معنى الفجور (يتقاطع مع من طلب تحديد المصطلح). ثمّ أورد الآية القرآنية الكريمة، المنوّه عنها آنفًا “فألهَمَها فجورَها وتقواها”.وقد رأى أنّها تُحيلُ إلى تطارح موضوع القدريّة والجبرية، ومفهوم العدالة الإلهية (خارج الإطار الذي أراده واضع الپوست، كونها تُفضي إلى الجدل الذي قام بين علماء الكلام  المسلمين ). ثمّ ينتقل إلى تعريف الفجور، قانونًا، وإلى حدود أنواعه، والعقوبات، التي نصّت على مرتكب كل نوع منه. وفي تفسيره “الشخصي” (لنا تحفُّظ عنه)، يقول: “باختصار، يُقال للرجل إنّه فاجر في المواضيع المالية (هو ينطلق، حسبما أعتقد، من القول المتداول: الفاجر أكل مال التاجر!). ويُقال للمرأة إنّها فاجرة في المواضيع السلوكيّة!(لماذا، يا عزيزي، لا يُقال للرجل إنّه فاجر في  المواضيع السلوكيّة، وبالمقابل لماذا لا يُقال للمرأة إنّها فاجرة في المواضيع المالية؟!). وإذْ يُتابع مطالعته، يتساءل تساؤل العارف: “أخيرًا: هل مواجهة الفجور مسؤولية فرديّة، كما تدلّ صيغة سؤالك، أم هي مسؤولية القاضي وصاحب الشرطة (يتوسّل تعبيرًا، يُستخدم في دولة إسلامية تنتهج حكم الشرع)؟. ويُضيف، متّهمًا دولتنا بممارسة الفجور، بكلّ ألوانه وتمظهراته: “إن كانت مواجهته مسؤولية فرديّة، فقد قَلَبتنا “مُطاوعين” (شرطة الآداب العامة والنهي عن المُنكر)، وإن كانت الدولة، كدولتنا، فلا يُوجّه لها هذا السؤال، لأنها تمارسه (أي الفجور). وقد تقاطعت معه إحدى “المعلّقات”إلنا زمان عم نواجه الفجور، من بعض رجال السياسة، لدرجة تخال نفسك في الفرن، والسيدات يصنعن الخبز ، وسط الثرثرة، يلّي ما إلها لزوم!”

…في استعراضنا مختلف التعليقات، يتحصّل أنّ غالبيّة “المعلقين” فهموا  الفجور، بمعناه الرائج شعبّيًا، أي أن الفاجر هو  من يتطاول على الآخرين، و “يتسلبط” عليهم، ويمارس الاحتيال، ويُعلي الصوت، “فيأخذ وجه الآخرين”.

حول أساليب المواجهة، التي رصدنا، هناك المواجهة “العُنفية”(بعضها بشكل كاريكاتوري)، وهناك المواجهة باللسان (أضعف الإيمان)، وثمة المواجهة باعتماد السلوك المخالف، وثمة المواجهة بالتجاهل والإعراض عن الفَجَرَة.

عن المواجهة العنفية، نورد هذه “العيّنة” : بالكفّ/بالرصاص!/بالبعكور/بفجور أكبر!

وعن المواجهة بسلوك مضاد: ما تواجه بالمباشر، قدِّمْ صورة مختلفة الخ

عن المواجهة بعدم الاكتراث: بالتجاهل/بالبلوك block/بالصمت والإعراض.

..من جهتنا، إذْ نضع الأمور في نصابها، حول المسألة المطروحة، إلى ما يتجاوزها، نتوقّف عند مسألتين: اولاهما، جلاء مفهوم الفجور، لغة واصطلاحًا، وثانيتهما، الخروج من هذا السؤال إلى فضاءات أكثر اتساعًا.

– الفجور، لغةً واصطلاحًا، فَجَرَ يفجر فجورًا، أي فَسَقَ. والكلمة تدلّ على التفتُّح في الشيء، ومن ذلك إنفجر الماء إنفجارًا، أي تفتّح..هذا في اللغة. أما في الإصطلاح، بحسب عبد القاهر الجرجاني، فهو ه‍يئة حاصلة للنفس، بها يُباشر الفاجر أمورًا، هي على خلاف الشرع والمروءة. وقيل: الفجور بمعنى الانبعاث في المعاصي والتوسُّغ فيها..الخ.

وعن الحكم على الفُجّار: “، إسلاميًّا، بحسب (الشيخ أ.و)، آنف الذكر: “..حكمهم يبدأ من التعزير (أي التربية والإرشاد)، وصولًا إلى القتل، بحسب درجة الفجور والإفساد، وبين التعزير والقتل وقطع اليد أو الرِجل أو كليهما، أو النفي!”

– حبّذا لو وسّع الاستاذ  محمد عيّاد من إطار سؤاله، فكان توصيفٌ للفجور، من السياسي (لدينا)، إلى الفجور الإجتماعي ، إلى الفجور الثقافي، وهو الطّامة الكبرى، في زمننا، زمن التفاهة والتافهين ..بهذه التوسعة، كان يمكن أن نُطلّ على مشكلاتنا، التي لا يحصرها عدٌّ، ويُفتح ساعتها نقاش أكثر خصوبةً!

حبّذا لو نعمد جميعًا، نحن المبتلين بلوثة الكتابة، إلى الشهادة لزمننا، فالشهادة للزمن هي السبيل لتحقيق كينونتنا الانسانية، وذلك أقوى الايمان، وليس أضعفه!

***

* من بيادر الفسابكة/قراءة نقديّة في قضيّة.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *