سجلوا عندكم

الـسعي المضني وراء “معنى المعنى… “قراءة في ترجمة هنري زغيب لـ “نبي” جبران

Views: 1343

 د. جان جبور

حين تناهى اليّ للمرة الأولى أن الشاعر هنري زغيب يُعدّ لترجمة جديدة لكتاب “النبي” لجبران راودتني جملة شهيرة للكاتب الفرنسي لابرويار: Tout est dit et l’on vient trop tard “كل شيء قد قيل ونحن نأتي في وقت متأخر”. فما الذي بإمكان مترجم جديد أن يقدّمه بعد أن انبرى لهذه المهمة كبار من أمثال انطونيوس بشير وميخائيل نعيمة ويوسف الخال وسركون بولص وثروت عكاشة.. كي لا أسمّي سوى الترجمات المعروفة والواسعة الانتشار. 

نقطة الانطلاق إذن في هذه المغامرة هي الجرأة التي لم يتوانَ بعض النقاد عن وصفها بالتهوّر. في الواقع، لقد أثارت هذه الترجمة جدلاً واسعاً، إذ ليس من السهل زعزعة ما رسخ في ذهن الناس من ترجمات كلاسيكية متداولة، أضفى على بعض نصوصها صوت فيروز سحراً لا يضاهى. وقد أدرك زغيب بحدسه ما سوف يتعرّض له من سهام، فاستبق الأمر بمقدمة حول “فن الترجمة” ضمّنها تجربتَه الخاصة وسعيَه لترجمة “إنكليزية جبران الأمس بعربية اليوم ورشاقتها وإيقاعها العصري”. كما أوضح في أكثر من مقابلة عن أن التساؤل حول إمكانية وضع ترجمة جديدة بعد ترجمات كثيرة سابقة، بينها ما هو ممتاز، لم يعد يؤرقه، ذاك “أن النص المترجم، كما يقول، ليس ابنَ حقيقةٍ علمية ثابتة لا حيادَ عن صوابيَّتها، بل هو وليدُ احتمالات في النص الأَصلي يتَّسع لها النص المنقول إِلى اللغة الجديدة، خصوصاً حين هذه تكون، كالعربية، لغةً غنية بالمفردات والمرادفات والتورية والمجازات والاستعارات”. 

 

لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل كل النصوص تفتح الشهية على إعادة الترجمة. بالطبع لا. إلا أن النص الجبراني ببساطته وعمقه في آن، وبما يكتنز من تلميح وإيحاء ورموز يفتح الباب واسعاً أمام الاجتهاد، ومن هنا كثرة المحاولات التي تفترق أو تتقاطع في أكثر من مكان. وهذا ما أشار اليه ببلاغة ميخائيل نعيمة في مقدمة ترجمته، حيث قال: 

“ترجمة كتاب من طراز النبي ليست من السهولة في شيء، بل إنها من المشقة بمكان. فالكتاب يزخر بالتلوين الشعري والإيقاع الموسيقي والإيماءات الرمزية والاستعارات المبتكرة، إلى جانب ما فيه من تصوير الأفكار والأحاسيس المبهمة تصويراً أقل ما يقال فيه إنه ليس مألوفاً. ولا أقول إن جبران كان يتعمد الإبهام، بل كان يعتقد أن من الأفكار والأحاسيس ما يتعذر نقله إلا بالتلميح وإلا بالرموز… ومن ثم فجبران كان شديد الحرص على أن يزاوج الكلمات بطريقة تطرب لها الأذن. فاهتمامه بالمعنى لم يكن أشد من اهتمامه باللون واللحن… “

إذن النص الجبراني “حمّال احتمالات” كما يقول زغيب في مقدمته، والترجمة عمل ابداعي.. كما أن “اللغة كائن حي يتطوّر مع العصور والأجيال المتعاقبة على استعمالها”. فهل أحدثت ترجمة زغيب فارقاً؟ هل أضافت جديداً؟ هل أمكن المترجم من الدخول الى “معنى المعنى” كما يقول؟ هل تمكّن من إحداث خرق فعلي؟ هل أتت الصياغة العربية المتجددة لتصنع تحديثاً للأصل الإنكليزي، أم أن الشاعر اكتفى بوضع بصمته الأسلوبية، بما في ذلك بعض التراكيب الغريبة، ليُحدث صدمة تستثير النقاش، ويكون بالتالي كمن كسر مزراب العين؟

 

الجواب على كل هذه التساؤلات ليس بالسهل. إلا أن أول ما يلفتنا حين تقع أنظارنا على نص زغيب هي تلك اللغة الأنيقة، المنمّقة، المنصّعة. فهنري زغيب يتعامل مع النص الجبراني كمتضلّع باللغتين الإنكليزية والعربية، لكن الأهم أنه يتعامل مع الترجمة كشاعر مرهف الأحاسيس. وهو استخدم إحساسه الشعري ليرتقي الى شاعرية وروحانية جبران.

بداية لا بد من الملاحظة أن زغيب بدأ “ثورته” بالتلاعب بالبنية التيبوغرافية للنص الجبراني فجعلها عمودية وقد أتت كل جملة على سطر خاص، حتى أن بعض الأسطر في الترجمة تتكوّن من كلمة أو كلمتين خلافاً للنص الإنكليزي. هكذا بدا النص أشبه بالشعر الحر أو الشعر المنثور. في الواقع، أنا كقارىء أُعجبت بجمالية التوزيع، لكني كمترجم تساءلت إن كان يحق لأي مترجم تعديل البنية الجبرانية وطابعها النثري، سيما وأن الشعر الحر كان معروفاً في الولايات المتحدة منذ نهاية القرن التاسع عشر مع أعمال الشاعر والت ويتمان Walt Whitman وقد تأثر به كل من جبران وأمين الريحاني، وهذا الأخير أصدر عام 1910 ديوانه “هتاف الأودية” الذي يعدّه النقاد أول ديوان في الشعر المنثور، ويبدو فيه تأثير ويتمان واضحاً. فلو كان جبران يريد أن يصدر كتابه “النبي” بصيغة الشعر المنثور لكان فعل، فهل يحق لنا بحجة التحديث ترتيب نصّه وفق صيغة لم يخترها هو ككاتب؟

 

من التحديث في الشكل الى التحديث في بنية النص وتنصيعه. وهنا يكمن الجهد الفعلي الذي بذله هنري زغيب. لقد تعامل الشاعر مع النص بحبٍ على الطريقة الجبرانية. في فصل “الحب” يقول جبران: “الحب يدرسُكم حتى يعرّيكم. يغربلكم حتى يحرّرَكم من قشوركم. يطحنُكم حتى النقاء. يعجنُكم حتى تلينوا…”. هكذا اشتغل المترجم بالنص، فراح يشحّلُه، ويعصرُه، ويلمّعُه، معتمداً على مهاراته اللغوية وحسّه الشاعري. لقد عمل زغيب بشكل أساسي على ترشيق الجملة، فنراه يخفّفُها من كل ما يثقلُها عن طريق الاقتضاب والحذف: “سألناكَ تخاطبُنا فتعطينا من حقيقتكَ ما نعطيه أولادنا وهم أولادَهم فلا يفنى” (30). .. “قلْ لنا كلّ ما انكشف لك عمّا بين الولادة والموت” ( 31). وهو لهذا الغرض غالباً ما يبتر الاسم الموصول: “المدى الفاصلك عن سفينتك” (30) ، “هي الكانت” (30، 57)، “الجوفّتَها” (57)، “يا الأم التي لا تغفو” (26)، “يا الوحدَك” (26)، “إن جميع هذه الأعلاه” (82)، “يا عاشق القمم اللاتُبلغ” ( 136). 

وهو لا يتوانى عن التلاعب بالجملة عن طريق التأخير والتقديم: “حين في السوق أنتم” ( 66)، “تعليم القفزَ السلحفاةِ” (103)، “النبرة في صوتكم تخاطبُ أذن سماعه” ( 98)، “تمسي ذكرياتٍ سنواتُك معنا” (29).

كما يلجأ الى الاشتقاق والمفردات والتراكيب غير المألوفة: “موج البحر ينائيك عنا” (29)، “في اطّلابك الكائن الأسمى” (30)، “تعاشقا.. تساكبا الكأس” (37)، “وما سوى حين تعملون بحبٍ ترتبطون بذواتكم وبالسوى وبالإله” (53)، “أغنيةً تعذوذب بحبه” ( 55)، “جمٌّ فيكم أصبح إنساناً” ( 71)، “يزور المدينة مرة إحدى كل عام” (109)، “نحن تيّاهون” ( 127)، “أكثر الأغرودات حرية” (119)، “الشغف المنسرح وحده” ( 85)، “حديقة مزهوهرة دوماً” (116)، “كي أؤمن بكم أكثر وأفهمَكم أكثبَ” (137).

ما من شك في أن زغيب يسعى لأن يعطي اللغة مداها الأوسع، لكني لست متيقناً من أن القارىء يستسيغ دائماً هذا التجرّؤ، فهل تمكّن شاعرنا من سكب النص الجبراني في “لغة رشيقة هي بنت عصر اليوم لا عصر جبران”، كما يقول، أم أنه قولب النص الجبراني ونمّقه بما يجعله أقرب الى نفَس زغيب وأسلوبه من لغة جبران؟ 

 

يبقى القول إن هذه الترجمة وضّحت الكثير من المفاهيم، كاعتماد “الحب” صاحب الدروب الوعرة الشائكة، الذي “يطحنكم ويعجنكم، ثم يصطفيكم الى ناره المقدسة”، بدلاً من “المحبة” ذات المنحى الطوباوي؛ واعتماد كلمة “الإله” لشموليتها ايماناً ومعتقدات مختلفة، بدلاً من كلمة “الله” التي لا تنطبق إلا على المؤمنين بالأديان الإبراهيمية، علماً بأني ميّال هنا الى الاعتقاد ومن خلال المقارنة مع نصوص جبرانية أخرى بأن كلمة الله تصحّ في أماكن كثيرة من النص، وبكل حال، أنا حين أحب -على الطريقة الجبرانية- أفضّل أن أكون في قلب الله وليس في قلب الإله !

لا تقدّم للعلم من دون اجتهاد، وهنري زغيب اجتهد، لذلك له أجران حيث أصاب كما ورد في الحديث الشريف، وأجر واحد حيث لم يُصب. هنري زغيب عرف كيف يثمّر وزناته ويسلّط الضوء مجدداً على كبير من أرضنا، جبران خليل جبران، وتحفتِه كتاب “النبي” الذي مضى مائة عام على صدوره. ولا أظن أن باحثاً بعد الآن يمكنه التطرق الى “نبي” جبران دون المرور بصياغة هنري زغيب التي أبرزت ثراء النص الجبراني وانفتاحه على فضاءات جديدة، نظراً لما يتضمّنه من ايحاءات ورموز.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *