سجلوا عندكم

سمات الأدب الماسونيّ

Views: 135

د. ميرنا الشويري

لا توجد قوى اليوم أخطر من الماسونيّة؛ لأنّ قوّتها غير مرئيّة، وهي متغلغلة في مختلف الأماكن. تعرّف موسوعة بريتانيكا الماسونيّة بأنّها التعاليم والممارسات لأكثر المنظّمات السرّيّة انتشارًا في العالم .

تُعَدّ بريطانيا من أكثر الدول التي ساهمت في نشر الماسونيّة، ويُقدَّر عدد أعضائها في القرن الحادي والعشرين بما يتراوح بين مليونين وستّة ملايين عضو.

بالتأكيد، قوى بخطورة الماسونيّة تدرك أهمّيّة سلطة الكلمة وتأثيرها في الرأي العامّ، وبالتالي أهمّيّة الأدب ودوره في التأثير في المجتمع. ومن هنا يطرح السؤال نفسه: هل يوجد أدب ماسونيّ؟

استُخدم مصطلح الأدب الماسونيّ لأوّل مرّة من قِبَل الكاتبين ن. ك. بيكسنوف وب. ن. سوكلين. لكنّ هذا المصطلح غالبًا ما يشير إلى مجمل كتابات الماسونييين. يشكّك بعض الباحثين، مثل الكاتب أندرياس أونرفورس، في دقّة هذا المصطلح؛ لأنّ معظم روّاد الفكر فيالقرن الثامن عشر، أي عصر التنوير، كانوا من الماسونيين، ومن أبرزهم الكاتب فولتير. وعلى الرغم من أنّ هذا المصطلح يثير الجدل، فإنّني أعتقد أنّ للحركة الماسونيّة أدبًا خاصًّا بها، يتميّز بخصائص تميّزه عن المدارس الأدبيّة الأخرى.

السّمة الأولى: ارتباط الأدب الماسونيّ بالسلطة السياسيّة.ففي روسيا، مثلًا، وفي عهد كاترين العظمى، مُنع نشر كتب الأدب الماسونيّ، ولا سيّما أعمال الكاتب نيكولاي تيانوفيتش. وهكذا اختفت كتابات الماسونيين، وبالتالي الأدب الماسونيّ، من المشهد الثقافيّ في روسيا.

لكن في عهد الإسكندر الأوّل، لعب الماسونيّون دورًا مهمًّا في المشهد الثقافيّ في أوروبا، وذلك بعد هزيمة نابليون بونابرت. ويعود السبب الأساسيّ إلى أنّ روسيا أدّت دورًا قياديًّا في هزيمة نابليون، كما أنّ دخول الجيش الروسيّ إلى باريس عزّز التواصل بين الماسونيين الروس وإخوتهم في فرنسا. وهكذا كان للكاتبين الماسونيين الروسيين نيكولاي تورغينيف وألكسندر ديمرتريف تأثير كبير في عدد من الكتّاب الأوروبيين.

السّمة الثانية: ارتباط الأدب الماسونيّ بالأسرار غير المكتوبة للتوراة، المعروفة بالكابلا. وتعرّف موسوعة بريتانيكا الكابلا اليهوديّة بأنّها مجموعة من التعاليم التي تشرح العلاقة بين الله والعالم المجهول والمخلوقات غير الخالدة.

لقد أعجب الكتّاب الألمان بالبنية اللغويّة للكابالا الماسونيّة، واعتمدوها أساسًا لبنية اللغة الشعريّة. وفي سنة 1799، قال الفيلسوف والشاعر فريدريك شليغل:

« الكابلا هي الرّوح الفنّيّة لشعر»

السّمة الثالثة: اهتمام الكتّاب الماسونيين بالأرقام وربطها بالكابلا.كان الكتّاب الماسونيّون يستعملون الأرقام لتبادل الرسائل الخفيّة بين أعضاء الماسونيّة. فعلى سبيل المثال، عندما كان الكاتب ألكسندر بوشكين يزور بلدًا أوروبيًّا، كان الصحفيّون الماسونيّون ينشرون خبرًا في موضع محدّد من الصحيفة، وفق رقم متّفق عليه مسبقًا، ليعلم أعضاء الماسونيّة بقدومه.

وفي رواية ليو تولستوي «الحرب والسلام»، يكشف أحد الماسونيين عن نبوءة متعلّقة بنابليون، مفادها أنّ «الوحش»، أي نابليون، يساوي مجموع أحرف اسمه، عند ترقيم الأحرف الفرنسيّة وفق النظام العبريّ، العدد 666. وبناءً على ذلك، فإنّ نابليون، بالنسبة إليهم، هو «الوحش» الذي تنبّأ به القدّيس يوحنّا.

إنّ ربط الكابلا بعلم الأرقام أدّى إلى ارتباط الأدب الماسونيّ بالقمار. ففي إحدى روايات بوشكين، تسأل إحدى البطلات بطل الرواية عن أسرار الكابلا، قائلة: «لديك ثلاث جدّات وملكة، لكنّك لم تتعلّم مبادئ الكابلا».

إنّ انجذاب الأدب الماسونيّ إلى الأرقام يتجلّى أيضًا في قصّة الكاتب فلاديمير أودوفسكي، التي يشير إليها سيغيلييل. ففي هذه القصّة، يمتلك الطبيب الفيزيائيّ قوى شيطانيّة تمكّنه من ملء الغرفة بالأحرف والأرقام، ويستدرج موسيقيًّا إلى تعلّم الأرقام، مقنعًا إيّاه بأنّ اكتساب هذه المعرفة سيعمّق فهمه لتناغم الموسيقى وانسجامها. غير أنّ النتيجة تأتي عكسيّة؛ إذ يفقد الموسيقيّ، بعد اكتشاف أسرار الأرقام، مشاعره الإنسانيّة، وكأنّ المعرفة الرياضيّة المطلقة تسلب الإنسان بُعده العاطفيّ والوجداني.

وفي سنة 1830، ارتبطت لفظة الكابلا بالسحر الأسود. ففي رواية «المرأة السوداء» لنيقولاي غريتش، تتّهم إحدى الشخصيّات البصّارة اليهوديّة بأنّ الشيطان يسكن تحت لسانها، ويتكلّم من خلال الكابلا.

السّمة الرابعة: تصوير مجتمعات يوتوبيّة في الأدب الماسونيّيقول المؤرّخ الروسيّ غريغوري غوكوسكي، في وصفه للأعمال الماسونيّة:

(Morris, 2014, p. 40)«اخترعوا في كتاباتهم عوالم يوتوبيّة عن بلاد رائعة يحكمها قدّيسون، ويعيش فيها الجميع سعداء، ولا يوجد فيها فقر ولا ضرائب»

السّمة الخامسة: توظيف الرموز الماسونيّة في الأعمال الأدبيّةففي مغامرات شارلوك هولمز، يرد ذكر الخاتم الماسونيّ و النجمة السداسية.وتعكس هذه المغامرات انتشار الماسونيّة بين أفراد الطبقة الوسطى في العصر الفيكتوريّ، خلال حكم الملكة فيكتوريا التي تولّت العرش سنة 1837.

السّمة السادسة: الأنواع الأدبيّة الماسونيّة

يؤكّد الكاتب أ. آي. سيركوف أنّ للأدب الماسونيّ أنواعًا مختلفة، من أبرزها:

الأدب التعليميّ الموجّه إلى الأجيال الماسونيّة المستقبلي.1

الأعمال الماسونيّة التي تُكتب للإخوة الماسونيين، وتُقرأ داخل المحافل الماسونيّة فقط.2

الكتابات النقديّة التي تُعرض داخل المحافل الماسونيّة.3

أوافق الكاتب على أنّ ما ذكره يندرج ضمن الأدب الماسونيّ، لكنّه لم يتطرّق إلى أنواع أخرى، مثل الروايات التي ناقشتها سابقًا، كما لم يذكر المسرح الماسونيّ، ومن أبرز ما يُنسب إليه، بحسب ألفرد دود، مسرح وليم شكسبير.

أوافق ألفرد دود في رأيه القائل إنّ شكسبير كان ماسونيًّا. فأيّ قارئ للأدب الإنكليزيّ يدرك أنّ حياة شكسبير أحاطها الغموض. وكما يؤكّد دود، فإنّ جميع مسرحيّات شكسبير تنتهي بالأرقام 157 أو 287، ومن المعروف أهمّيّة الأرقام في الفكر الماسونيّ.ويعتمد دود في دراسته على عدد كبير من مقولات شكسبير التي تتقاطع مع الفكر الماسونيّ، ومن أبرزها ما ورد في مسرحيّة «هاملت»، إذ يقول: 

«سوف أجد الحقيقة، مع أنّ الحقيقة مخبّأة في الجوهر»

سيركوف لم يذكر شيئًا عن الأغاني التي وُجدت في مركز كانونبيري الماسونيّ، والتي كان الأعضاء يؤدّونها وهم يمسكون بأيدي بعضهم بعضًا حول طاولة دائريّة، وعندما ينتهون من الغناء كانوا يقفزون إلى الأعلى

ومن إحدى الأغاني التي كانوا يستهلّون بها طقوسهم:

أيّها الناس الطيّبون، اسمعوا،

لأنّ الحقيقة ستظهر

بالرغم من احتقارنا لظلّ الحقيقة،

لكنّ احتقارنا لا يظهر على وجوهنا

لقد تكاسلنا كثيرًا،

والتهينا بأمور تافهة،

لكنّنا ماسونيّون أحرار

(Stewart, 2003, p. 8)

أمّا إحدى الأغنيات التي نُشرت سنة 1763 في ديفون، فكانوا يؤدّونها بعد انتهاء الطقوس في المحفل:

بعد أن ننتهي من أشغالنا،

نفرح ونغنّي،

والمعلّم الأكبر يشرب نخبنا،

وملكنا هو جورج الثالث

(Stewart, 2003, p. 8)

هناك أنواع أدبيّة كثيرة، لكنّني أعتقد أنّ الأدب الماسونيّ يُعَدّ من أخطرها؛ لأنّه يرتبط بالحركة الماسونيّة ونفوذها السياسيّ، ولذلك تبدو ملامحه غير واضحة، وأهدافه محاطة بالسرّيّة. وربّما يفسّر ذلك اتّهام بعض الكتّاب، أحيانًا، زورًا بالانتماء إلى الماسونيّة، مثل الكاتب باولو كويلو، الذي اتُّهم بأنّه ماسونيّ بسبب اقتباس عدد من الكتّاب الماسونيين من كتابه «الخيميائي»، على الرغم من أنّه ليس ماسونيًّا.هذه هي الخطوط العامّة للأدب الماسونيّ، وهي تحتاج إلى مزيد من التوسّع والاستفاضة في دراسة كلّ سمة من سماته. لكن، نظرًا إلى قلّة المراجع والدراسات المتخصّصة في هذا المجال، أكتفي بهذه الخلاصة التي ترسم الملامح العامّة لهذا النوع الأدبيّ.

***

References

.Arthur, F. (n.d.). Masonic references in 20th-century prose. Grand Lodge

.Dodd, A. (2001). Shakespeare: Creator of Freemasonry. London: Rider

Morris, B. (2014). Freemasonry in literature. Scottish Rite

Önnerfors, A. (2009). Freemasonry and fraternalism in eighteenth-century Russia. University of  Sheffield

.Pushkin, A. (2005). [Title of the work]. Wildside Press

.Stewart, T. (2003). Canonbury Papers: Freemasonry in music and literature

.Serkov, A. I. (n.d.). [Title of the work]

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *