سجلوا عندكم

نبيل أبو مراد في كتابه الجديد: شحرور الوادي شاعر خارج المنبر ورائد من روّاد النهضة الأدبيّة

Views: 2488

جورج طراد

  في كتابه الجديد” شحرور الوادي (أسعد الخوري الفغالي) مؤسّس المنبر ورائد النهضة الزجلية في لبنان”، الصادر أخيرًا عن “دار النهار”، يتصدى نبيل أبومراد لموضوع بات منذ زمن جزءًا من التراث الأدبي والإجتماعي اللبناني. فثمّة مدوّنات كثيرة صيغتْ باللغة العامية، أو على الأدق بلغة الزجل، لتدخل في النتاج الأدبي اللبناني، بصرف النظر عن مستواها الفنّي أو عن تحفّظ البعض على تصنيفها عملا أدبيّا كامل المواصفات. ولعل أحدث تلك المدوّنات هي التي وضعها في السنوات الماضية الشاعر نجيب بولس كرم الذي كتب ،زجلا، قصة حياة عدد كبير من القديسين. فهل كان مثل هذا الأمر واردا لولم يكن هناك رجل اشتُهر بلقب شحرور الوادي (1894-1937) فعل ما فعله من أجل تطوير لغة الزجل ووضعها على طريق التخلّص من اللهجات المناطقيّة لتصبح لائقة بأن تستقبل الإبداع الشعري وترتقي لاحقا لتصير وعاء للشعر العامي الراقي كذلك الذي كتبه ميشال طراد والأسعديْن ، سابا والسبعلي، وطلال حيدر وعشرات الآخرين؟

 يقارب نبيل أبومراد موضوعه بروح علمية وبمنهجيّة واضحة المعالم، مستندًا إلى ثقافة عامة واسعة وإلى معرفة عميقة بالزجل اللبناني، لاسيما من خلال تجربته الناجحة في دراسة نتاج شاعر منبري آخر هو موسى زغيب، فيغوص في حياة شحرور الوادي وفي تجربته الشعرية منذ بداياته مع والده الشاعر خليل سمعان الإفغالي الذي دخل سلك الكهنوت لاحقا، والذي يرى أبومراد أنه كان ” شاعرا فحلا، غزير الإنتاج، لا يكلّ ولا يمل”(ص.40). وبعد أن تدرّب على يد الوالد وصقل تجربته بما يكفي، انطلق في مسيرته الشعرية التي لم يُكتَب لها أن تطول لأنه مات وهو لم يكمل الثانية والأربعين من عمره. ومع هذا فإنه زلزل الزجل الذي كان سائدا، لغة وأوزانا وموضوعات. ويقينا أنه لو قُيِّض له أن يعمّر أكثر لكان ربما أحدث ثورة زجليّة اوسع بكثير ممّا فعل!

 

 ليس هناك من مجال لإستعراض كل ما تضمّنه كتاب نبيل أبو مراد، لأنه مؤلَّف يُقرأ من أوله إلى آخره، إنما نكتفي هنا بذكر بعض ما هو غير معروف في سيرة الشحرور وفي تجربته الشعرية، وقد استقى أبومراد معلومات ثمينة على هذا الصعيد، من نجل الشحرور، نبيل أسعد الخوري الفغالي، فجاءت على شكل التماعات كشفت في شكل علمي حالة الزجل السائد أوائل القرن الماضي.

 فمثلا، كان هناك تكسير في الأوزان الشعريّة يلجأ الشعراء إلى إخفائها أحيانا من طريق التطويل في اللفظ أو التقصير فيبدو الوزن سليمًا في حين أنه غير ذلك بالفعل (ص. 21 وما بعد). كذلك كان الزجّالون يتوكأون في شعرهم على اللغة الفصحى ولا يتورعون عن اللجوء إلى خاصية التنوين الملازمة للفصحى (ص. 20) وينطقون شعرًا بلغة مليئة بالتصنّع والتكلّف والغرابة حتى على لسان شاعر بوزن رشيد نخلة، بما يعتبره أبو مراد “آخر مرحلة من مراحل الزجل القديم الذي انتهى مع خليل سمعان بداية القرن العشرين” (ص.19).

  ويمضي أبومراد في استعراض مظاهر التردّي التي أثقلتْ الزجل في تلك المرحلة، فيتناول “خطف حرف اللين أو أحرف العلّة”(ص.24) واللجوء إلى الأوزان المعقّدة واستخدام المفردات البائدة (ص.25) وينتهي بملاحظة إنتشار ظاهرة الإرصاد وردّ الصدر أو العجز، مقدّما عليها نماذج كثيرة (ص ص.26 و27 و28 و29)، إلى أن يصل إلى المفترق الحاسم، أي إلى والد الشحرور، خليل سمعان الذي يعتبره أبومراد “المرحلة الفاصلة بين الزجل القديم والزجل الحديث الذي مهّد لتأليف جوقات جيّدة تتبارى على منابر أمام جمهور يتوافد من شتّى الأصقاع” (ص.39).

 

 من أكثر ما يميّز كتاب نبيل أبو مراد أنه يكشف، أو يعيد التذكير أستنادا إلى المراجع، بحوادث مفصليّة رافقت انطلاقة الشحرور الشعرية وأظهرتْ تجليات اشتداد ساعده الشعري. ولعل أبرز تلك الحوادث حادثة مواجهة الشحرور الشعريّة الأولى، وهو متنكّر بزيّ بدوي، مع والده خليل سمعان في عرس أحد الأقارب. وأهم ما في هذه الحادثة التي يفرد لها أبومراد خمس صفحات ونيّفًا، أنها تستعرض التحدّي الإختباري الذي مارسه خليل سمعان مع إبنه الشحرور من دون ان يعرفه (من ص.46 إلى ص.51)، وهو اختبار نجح فيه الفتى، ابن الخامسة عشرة، رغم صعوبته القصوى واشتماله على فنون شعريّة تركيبيّة بالغة التعقيد، وهي: المسجّع والمحبوك والبحر الهيّاج والمطبّق والمغصوب والمركّب المشقوع وكرج الحجل وطرق النمل والشرقي والخالي من التنقيط والمعجّم والمنقّط بحرف مهمل وحرف منقّط والخالية من النقط.(لاحظ هنا التشابه بين كل هذا وما كان سائدا في شعر اللغة الفصحى أبّان عصور الإنحطاط).

  واللافت في هذا السياق، أن أبو مراد بمنهجيته العلمية وبحرصه على الثقافة الزجليّة، كان يشرح تركيب كل نوع من أنواع هذا التحدي الشعري، بحيث يتمكّن القارئ بسهولة قياس مدى نجاج الشحرور في الإختبار الصعب أمام والده” الشاعر الفحل” !

  أمّا فكرة تأسيس المنبر الزجلي فيُرجع أبو مراد التمهيد لها لوالد الشحرورالذي ظلّ ناشطا في الشعر حتى العام 1911 عنما ارتسم كاهنا. حينها ” لم يبقً في الميدان إلا حديْدان”، أي الشحرور، الذي نهض لتجسيد فكرة المنبر الزجلي وتحويلها إلى واقع. 

وبعد أن يتفحّص أبو مراد الروايات المختلفة يميل إلى فكرة الشاعرة حنيْنة ضاهر التي تقول إن” الشحرور أسّس جوقته سنة1925 وضمّ إليها الشعراء أمين أيوب والياس القهوجي ويوسف عبدالله رزق الله المعروف بيوسف الكحالي، وإن أول حفلة أحيتها هذه الجوقة كانتْ في المطعم الفرنساوي في بيروت” (ص.57).

 

 وهنا يبلغ الموضوع مليّا مرحلة الشعر الزجلي المنبري الذي ما يزال إلى اليوم محتفظا بالعدد 4 للشعراء وبمبدأ التحاور بينهم وبالأوزان الأساسيّة التي أرساها منبر الشحرور وبموضوعات الحوار(ص.66 وما بعد). 

ويؤكد أبومراد في دراسته أن الشحرور كان أيضا شاعرا خارج المنبر، مقدّما نماذج من قصائده (ص.77 وما بعد)، ومستعرضا المواضيع الكبرى في شعره خارج المنبر، فإذا هي تتوزع على الشؤون الوطنيّة والإجتماعيّة وقصائد الألم والشجن، إضافة إلى شعر الغزل والهجاء، مستفيضًا طوال القسم الثالث من الكتاب في تقديم نماذج معبّرة تثبت شاعرية الشحرور وسرعة بديهته وحسّه الإنساني والإجتماعي المرهف (ص.105 وما بعد).

  ويخصّص نبيل أبومراد القسم الرابع من الكتاب لتفصيل المهارات المنبريّة التي اشتهر بها شحرور الوادي، مستعرضًا نماذج شعريّة كثيرة لا مجال هنا للتوقّف عندها ولكنها تنمّ جميعا عن مدى اطلاع أبو مراد على شعر الشحرور وعن خبرته في تبيان نقاط التفوق التي يمتاز بها شعراء الزجل (ص. 195 وما بعد)

  امّا الفصل الخامس والأخير من الكتاب فيخصّصه المؤلف لدراسة فضل الشحرور على إطلاق النهضة الزجليّة، ما أدّى إلى انتشار الشعر الزجلي وإلى صدور مجلات متخصّصة بالزجل لترافق الجوقات الزجلية التي عرفت انتشارا واسعا بفضل المبادئ التي أرساها شحرور الوادي لشعر المنبر(ص. 237 وما بعد).

 وبالوصول إلى “آخر الكلام”، في خاتمة الكتاب، يؤكد الكاتب ” أن شحرور الوادي رائد من روّاد النهضة الأدبيّة والفكريّة” (ص.264) ما يعني أن قيمة النهضة التي قام بها لا تقتصر على الزجل فحسب، إنما تشمل الثقافة التي عاشها لبنان في النصف الأول من القرن العشرين.

  

والحقيقة أن ما فعله شحرور الوادي في الزجل ساهم في تنقية هذا الفن من شوائب كثيرة كانت تعْتوره، كما أثبت نبيل أبو مراد في دراسته المنهجيّة القيّمة والتي لا بد من أن تكون في مكتبة كل متابع للشعر، زجلا كان أم شعرا عاميّا أم شعرا فصيحا. فالشعر شعر، أيّا كان الثوب اللغوي الذي يرتديه. فأحمد شوقي قال ” لا أخاف على الفصحى إلاّ من بيرم” (وبيرم التونسي شاعر مصري بالعاميّة)- علمًا بأنّ شوقي نفسه كتب شعرًا بالعاميّة لاسيما أغنيات لمحمد عبد الوهاب مثل “الليل نجاشي” و”كروان حيران” و”في الليل لمّا خلي”.وطه حسين نفسه ذُهل لمقدرة الشحرور ورفاقه في الجوقة على ارتجال الشعر الجميل. كذلك كان الشحرور وجوقته قد زاروا مصر وأشعلوا حفلاتها بالتصفيق “فتعرّف المصريون بشكا أكثر قربًا على زجل يختلف عن زجلهم في طبيعته ونظمه وقوافيه”ص.250)

  أكثر من هذا، يمكن القول إن ما أسّس له الشحرور في الزجل أوصل إلى رقي الشعر العامي اللبناني. ومعروف أن ثمّة شعراء تركوا دواوين بالشعر العامي ، وغنّوا زجلا على المنبر، وامتازوا برقي العبارة والرؤيا، ومن أبرزهم أسعد السبعلي وأسعد سابا ونبيل خوري. فلو لم يحرّك شحرور الوادي نهضة الزجل لما وصلنا إلى رقي الشعر العامي الذي لا يقل إبداعا عن الشعر الفصيح. وقد أكّد نبيل أبومراد في كتابه العلمي هذا مفصليّة دور شحرور الوادي ليس في نهضة الزجل فحسب وإنما كذلك في نهضة الشعر عموما .

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *