سجلوا عندكم

بين الهجاءِ والتّرنيمة: قراءةٌ في “سمطة” لكمال خيرالله

Views: 181

خديجة أنور مغنية

“سمطة” محاولةٌ طموحةٌ للكاتب كمال خيرالله يتألّفُ من جزأين هما “سمطة” و”استمليحا”، وهو أوّلُ أعمالِه ونتاجُ سنينَ حملَه فيها معه. وفي ما يأتي قراءةٌ نقديّةٌ تحاولُ تبيان ما ينهضُ عليه العملُ من طموحٍ وجرأةٍ، وما يعتريه من هفوات عفويّة لأستاذ علم الجبر والهندسة.

قليلةٌ هي النّصوصُ الّتي تجرؤُ على أن تضعَ العقلَ الجمعيَّ الدّينيَّ والطّائفيَّ في قفصِ المحاكمةِ، وتفعلُ ذلك بلغةٍ لا تخطبُ ولا تعِظُ، بل تَسخرُ وتُرتّلُ وتنوحُ في آنٍ واحدٍ. وهذانِ نصّانِ من هذا النّوعِ النّادرِ: عملٌ طموحٌ ينتمي إلى تيّارِ الشّعرِ النّثريِّ والقصيدةِ-الكولاجِ، يوظّفُ التّناصَّ الكثيفَ من القرآنِ، والكتابِ المقدّسِ، ودرويش، والأغنيةِ الوطنيّةِ اللّبنانيّةِ والفلسطينيّةِ، وسيرج غينسبور، وبينك فلويد، وإينيو موريكوني، ليبنيَ نصًّا شعائريًّا ساخرًا عن العنفِ الدّينيِّ والحربِ الأهليّةِ والهُويّةِ اللّبنانيّةِ المنهارةِ. والطّموحُ فيه واضحٌ، والصّوتُ حاضرٌ، والجرأةُ على الموضوعِ أندرُ من الطّموحِ نفسِه.

ولأنّ العملَ يستحقّ أن يُؤخذَ على محملِ الجدِّ، فإنّ ما يلي ليس ثناءً عابرًا ولا إدانةً صرفةً، بل قراءةٌ تحاولُ أن تصفَ ما ينجحُ فيه النّصُّ ولماذا ينجحُ، ثمّ ما يتعثّرُ فيه وكيف يمكنُ أن يُنقَذَ. وسأنتقلُ من الفكرةِ إلى الموسيقى إلى الانسيابِ والقواعد، لأنّ هذه المحاورَ الثّلاثةَ هي الّتي يقومُ عليها هذا النّوعُ من الكتابةِ.

بادئ ذي بدءٍ، إنّ الفكرةَ المركزيّةَ واضحةٌ وشجاعةٌ، فالنّصّانِ معًا يقيمانِ محاكمةً للعقلِ الجمعيِّ الدّينيِّ الطّائفيِّ، ولكيفيّةِ تحوّلِ المعرفةِ إلى جمودٍ، والخوفِ إلى أداةِ سيطرةٍ، والإيمانِ إلى قطيعٍ. وأقوى ما في هذه الفكرةِ أنّها كثيرًا ما تصلُ دون أن تُقالَ، ومجازُ الكشكِ خيرُ دليلٍ، إذ تتحوّلُ وصفةُ الطّبخِ المنزليّةُ إلى مجازٍ عن صناعةِ الطّائفيّةِ والأمّةِ: “بدنا اياها سميكة مش سايطة متل تاريخك”، “فأنت خير مثال لهذه الأمة”. هنا يفكّكُ النّصُّ القداسةَ بالتّفاهةِ لا بالخطبةِ، فتتطابقُ الفكرةُ والشّكلُ، وتفضحُ تفاهةُ الوصفةِ جدّيّةَ الادّعاءِ. وهذا أنجحُ ما في النّصّينِ معًا.

غير أنّ الفكرةَ، على قوّتِها، تعاني من توتّرينِ بنيويّينِ يَحسُنُ حسمُهما. أوّلُهما ازدواجُ الرّسالةِ، فالمقدّمةُ تُعلنُ أنّ هذا “دعوة إلى إعادة النظر، لا رفض للتّراث”، بينما المتنُ أقربُ إلى الهجاءِ الكاسحِ منه إلى الدّعوةِ المتأنّيةِ. ثمّةَ تناقضٌ بين اللّطفِ المُعلَنِ في المقدّمةِ والعنفِ السّاخرِ في القصائدِ، وهو ليس عيبًا في ذاتِه، بل قد يكونُ تمويهًا مقصودًا، لكنّه غيرُ محسومٍ، فيقرأُه المتلقّي ترددًا لا استراتيجيّةً. والحلُّ أن تكون المقدّمةَ أكثرَ شراسةً لتتوافقَ مع المتنِ، مع إمكان أن تبقى كما هي لتزرعَ في المتنِ لحظاتِ رحمةٍ تنقذُ الأطروحةَ من أن تكونَ إدانةً صرفةً.

أمّا التّوتّرُ الثّاني فهو أنّ الحلَّ المقترحَ أضعفُ من التّشخيصِ، فالنّصُّ بارعٌ في تفكيكِ المرضِ: الطّائفيّةِ، والدّجّالِ، والقطيعِ، لكنّه حين يقدّمُ الدّواءَ يلجأُ إلى وصفةٍ نهضويّةٍ متوقّعةٍ: “استنسخ ابن سينا وابن خلدون… استنسخ أندلسًا جديدة”. وكلمةُ “الاستنساخ” هنا مفتاحيّةٌ وموفّقةٌ، لأنّها تسخرُ من الحنينِ بينما تدعو إليه، لكنّ قائمةَ الأعلامِ تسقطُ في النّوستالجيا نفسِها الّتي كان النّصُّ يفكّكُها، فيبدو الختامُ أضعفَ من الجسدِ الّذي سبقَه.

أمّا على مستوى الموسيقى، فالنّصُّ نثريٌّ في جوهرِه، لكنّه يستعيرُ أدواتِ الإيقاعِ الشّعريِّ بذكاءٍ متفاوتٍ. وحين يُصيبُ، يُصيبُ تمامًا. فاللّازماتُ المتكرّرةُ  “يمرّ الزمان ويمضي”، و”هنيهات… آهات… تنوح… تبسم… تبوح… وصدود”  تعملُ كنبضةٍ إيقاعيّةٍ تعيدُ لملمةَ النّصِّ كلّما تشظّى، والجملةُ الثّانيةُ تحديدًا بناءٌ صوتيٌّ متقنٌ، مبنيٌّ على الجناسِ الدّاخليِّ بين “تنوح” و”تبوح”، والتّوازي في الأفعالِ المضارعةِ، والقفلةِ على “صدود” بالدّالِ المشدّدةِ الّتي توقفُ النَّفَسَ، هي أفضلُ جملةٍ إيقاعيّةٍ في العملِ كلّه. وكذلك “خذ مني هذه الكأس” توظيفٌ قويٌّ، يحمّلُ الجملةَ أكثرَ من طبقةٍ ببُعدٍ مستمَدٍّ من الإنجيلِ. ويضافُ إلى ذلك استثمارُ الأغنيةِ والتّرنيمةِ، الّذي يمنحُ مقاطعَ كاملةً إيقاعًا جاهزًا “طلّ نهار يا دار عالعزّ”، “موطني موطني”، إذ ينسابُ النّصُّ صوتيًّا لأنّ أذنَ القارئِ تكملُ الوزنَ نيابةً عنه.

لكنّ الأداةَ نفسَها الّتي تنجحُ هنا تتعثّرُ في مواضعَ أخرى. فالانتقالُ بين الفصحى والعاميّةِ يكسرُ الإيقاعَ أحيانًا بلا مبرّرٍ: في “بدنا اياها سميكة مش سايطة متل تاريخك” يكونُ الكسرُ مقصودًا وساخرًا وجيّدًا، لكنّه في مواضعَ أخرى يقعُ وسطَ جملةٍ فصيحةٍ مضبوطةٍ بالشّكلِ، فيبدو تعثّرًا لا اختيارًا. كذلك المقاطعُ الإنجليزيّةُ (بينك فلويد، غينسبور) تُحدثُ تنافرًا صوتيًّا حادًّا مع العربيّةِ، وقد يكونُ ذلك تغريبًا مقصودًا، لكنّه يقطعُ الانسيابَ بحدّةٍ.

على أنّ عملًا بهذا الطّموحِ يتطلّبُ حراسةً لغويّةً توازي حراستَه الإيقاعيّةَ، إذ إنّ هفوةَ الضّبطِ أو زلّةَ الإعرابِ لا تمرُّ في نصٍّ يجعلُ من دقّةِ اللّفظِ سلاحَه. وقد تناثرت في المتنِ مواضعُ تحتاجُ إلى مراجعةٍ نحويّةٍ وطباعيّةٍ، وهذا أمرٌ مغفور كبداية لأستاذ تمرّس في معاشرة الأرقام والخوارزميّات والزّوايا والكسور.

و لكنها ليست ملاحظةً شكليّةً على هامشِ العملِ، بل هي في صميمِه، فالنّصُّ الّذي يحاكمُ “جمودَ المعرفةِ” مطالَبٌ بأن يكونَ قدوةً في إحكامِ أداتِه، وإلّا انقلبَ الخللُ اللّغويُّ حجّةً على صاحبِه.

 كلّ ما ذُكر لا يُنكر أنّ هذا العملَ عملٌ ذو صوتٍ حقيقيٍّ وطموحٍ نادرٍ، أقوى في التّشخيصِ من العلاجِ، وفي السّخريةِ من الرّثاءِ، وفي نصّهِ الثّاني منه في الأوّلِ.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *