سجلوا عندكم

التفكير نشوة الحياة وعذابها

Views: 692

وفيق غريزي

كتاب “نيتشة وجذور ما بعد الحداثة”، الذي حرره الدكتور احمد عبد الحليم عطية.، هو عبارة عن قراءة لبعض نصوص الفيلسوف الالماني فريدريك نيتشة ( 1844- 1900)النفسية. وربما تثير الكلمة الأخيرة شيئا غير قليل من الشك والحيرة. وربما ذكرت القارىء بالجدل الطويل الذي دار وما زال يدور حول هذا الفيلسوف الشاعر مولف كتاب ” هكذا تكلم زرادشت”، وأناشيد ديونيزوس الديثرامبية، صاحب الأسلوب المتوهج بالصور الحية والروًى العميقة المخيفة، والعبارات البركانية المتفجرة بالغضب والشوق.

ولا شك في ان نيتشة مفكر وجد في التفكير وحده كل نشوته وعذابه، وبهجته وألمه. بل ان التفكير المجرد ليبلغ  عند تلك القمة التي يصبح فيها فكرا غنيا بالصور الحية التي تليق ” بفيلسوف الحياة “. ويكفي ان نطلع على فقرة واحدة مما كتب، وان نتذكر العبارة التي قالها في كتابه الأكبر ” ارادة القوة ” الذي لم يقدر له ان يتمه : ” ان الفكر هو اقوى شيء نجده في كل مستويات الحياة “. والعبارة التي صرح بها في احدى كتاباته المتأخرة :” ان التفكير المجرد لدي الكثيرين عناء وشقاء ، اما عندي فهو الايام الموًاتية عيد ونشوة “.

لهذا علينا ان نفهم هذا المفكر اللاهب الملتهب، وان نتعاطف معه ونجرب ان نرى روًاه، وبذلك نرضي مطلب الموضوعية الذي لا غنى عنه ونستجيب لدفء الوجدان الساحر الذي ينفخ وجوهنا مع كل شطر من سطوره.

 

نيتشة وسيغموند فرويد :

يؤكد نيتشة في كتابه ” ضد فاغنر ” انه كلما ازدادت خبرة المرء بالنفس واتجه كعالم نفس بالفطرة والضرورة إلى الحالات الاستثنائية والأنماط المختارة من البشر زاد الخطر الذي يتهدده بالاختناق شفقة عليها.

الدكتور  عبد الغفار مكاوي  يشير إلى ان نيتشة، بعد شوبنهاور وفويرباخ، اكتشف ان الجسد  فكرة اكثر اثارة للدهشة من فكرة النفس العتيقة. ويقول مكاوي :” وقد لا نعدو الصواب إذا قلنا باختصار يحتمه ضيق المقام ان هوًلاء الثلاثة قد عملوا على تحول الفكر الحديث من ميتافيزيقا العقل الذي انهار وخلع عن عرشه بعد موت الفيلسوف هيغل، إلى ميتافيزيقا الجسد والإرادة والدوافع “. ولعل نيتشة ان يكون اشدهم من هذه الناحية تاثيرا على تيارات عديدة من فلسفة الحياة إلى فلسفة الوجود، إلى علم النفس الوجودي الى الأنثربولوجيا الفلسفية الى مدارس التحليل النفسي المختلفة. هذا وقد كانت لنيتشةتاثيرات مباشرة وغير المباشرة على أعلام التحليل النفسي بدءا من فرويد

ويرى مكاوي ان فرويد كان معاصرا لنيتشة الذي يكبره في السن باثني عشر عاما فحسب، وانه اتخذ منه ومن فلسفته موقف التحفظ الذي لم يكد يتزحزح عنه.

اننا نجد فرويد يشيد بالفيلسوف شوبنهاور ويتحدث عن التطابق القوي بين التحليل النفسي وفلسفته. وهو يشهد  بان شوبنهاور لم يصرح فحسب بأولويات الانفعالية والأهمية القصوى للجنسية، وانما توصل كذلك الى نظرات نافذة في آلية الكبت. ويستدرك فرويدحسب راي مكاوي الذي كان فيما يبدو شديد الحرص على  عدم المساس بأصالته واكتشافه للاوعي، فيقول :” لا يمكن الحديث عن اي تاثير لشوبنهاور فيه وفي بناء نظريته لان لم يطلع على كتابات الفيلسوف إلا في وقت متاخر جدا”،ولم يكن ينتظر من رجل مثل فرويد الذي عرف بثقافته واطلاعه الادبي الواسع، ان يتجاهل معاصره نيتشة، فنجد مكاوي يقول :” يسجل في سيرته هذه الملاحظة الدالة، اما نيتشة الذي كثيرا ما تتطابق مشاعره ونظراته بصورة مذهلة مع النتايج المضنية للتحليل النفسي، فقد تجنبه فرويد طويلا، ولم يكن يرجع الى السبق او الاولية بقدر ما كان يرجع إلى حرصه على المحافظة على حريته.

 

النزعة الأنثوية عند نيتشة :

اشتهر نيتشة في تاريخ الفلسفة بأنه  الفيلسوف الكاره للنساء، وأقواله عنهن تعبر عن ازدراء واحتقار. الكاتبة عطيات ابو السعود توكد ان هذا الفيلسوف كان جادا  او متوهجا في كتاباته النقدية وفي تحليلاته للقيم واعادة تقييمها، وفي مواقفه  من الفلسفة والدين، لكن كتاباته عن النساء كانت سطحية وأندادا لتراث طويل من كراهية المرأة. ” ولذلك جاءت عباراته عًن النساء تقليدية وتمثل جزءا من كراهية المرأة في التراث الغربي “.

لقد اتخذت المرأة في أعماله اشكالاً عديدة وصوراً استعارية مختلفة واحيانا متعارضة، كتشبيهه للحقيقةبانها امراة في واحد من أعماله ” ما وراء الخير والشر “. وفي الوقت نفسه تتحدث المرأة عن نفسها في بعض أعماله الأخرى مثل ” هكذا تكلم زرادشت ” كانها الحياة، وفي مواضع اخرى من العمل تكون هي الحكمة الجميلة المخادعة. وترى الكاتبة ابو السعود ان افتراض الحقيقة امراة قد يترتب عليه، ان نيتشة ربط المرأة بموضوع من اهم موضوعات الفلسفة وهو البحث عن الأصول او مشكلة الحقيقة، التي شغلت التفكير الفلسفي عبر عصوره الطويلة وسعى اليها الفلاسفة على اختلاف مذاهبهم. وتقول ابو السعود :” لو افترضنا ان الحقيقة امراة لكان كل الفلاسفة اغبياء لأهم لم يستطيعوا ان يكتسبوا قلبها كما يقر نيتشه بذلك “.

افتراض ان الحقيقة امراة هي أحجية من أحجيات نيتشة الكثيرة، بحيث تظهر المرأة وكانها الحقيقة المحجبة التي تغرينا وتعذبنا في وقت واحد، ونعتقد بانها تخفي شيئا ما عنا وهو الحقيقة، ولكن هل المرأة تريد الحقيقة؟ يجيب نيتشة :” ان المرأة لا تريد الحقيقة، ما هي الحقيقة بالنسبة الى المرأة ؟ منذ البداية لم يكن هناك شيء ابغض اليها ولا اكثر نفورا من الحقيقة “. يقدم نيتشة في كتابه ” العلم المرح” أنماطا مختلفة من النساء، من خلال علاقتهم بالرجال . تارة يصف المرأة بالبقرة  الغبية، التظاهر انها تحبه الان وتنظر إلى المستقبل في ثقة كاملة، مثل البقرة. ان ما سحره منها كان على وجه الدقة انها بدت قابلة للتغيير بصورة مطلقة وبشكل يتعذر فهمه. و “تارة  يصفها بالضعف الذي منه تستمد قوتها عندما تبالغ في إظهار ضعفها للرجل فتشعره بالحمق “.

خلاصة القول كما تعتقد ابو السعود، ان نيتشة يعبر عن التغييرات المختلفة التي يواجهها الكائن البشري سواء كان امراة او رجلا والمثيرات النفسية التي تحكم طبيعة العلاقة بينهما. ويعرض تحليلا لسلوك ودوافع كل منهما تجاه الاخر، ” لان الرجل هو الذي يبدع صورة المرأة. وتشكيل المرأة نفسها طبقا لهذه الصورة.. ان الارادة هي خلق الرجال، والقبول هو خلق النساء “. ذلك هو القانون الذي يحكم الجنسين، حسب اعتقاد نيتشة.

 

الجذور النيتشوية لما بعد الحداثة:

اذا كانت الحداثة قد قامت على فكرة وجود تاريخ للفكر يتحرك بواسطة انبثاق تدريجي، وذلك على اساس امتلاك واعادة امتلاك الاسس، المفهومة عادة على انها أصول مكتملة دوما، إلى حد ان الثورات  النظريةوالعملية   في تاريخ الغرب تنصًب نفسها وتدافع عن مشروعيتها غالبا باستخدام مصطلحات مثل ” العودة – البعث – الميلاد الجديد”. ويقول الباحث عصام العبدالله : ” واذا كان مفهوم التجاوز الذي يحتل مكانة بالغة في الحداثة الغربية ومجمل اتجاهات الفلسفة الحديثة، يصورمجرى الفكر على انه تطور تدريجي، حيث الجديد يتمثل القيمة بتوسط الاستعادة او الاستحواذعلى الأصل والأساس، فان هذا بالتحديد ما ينتقده نيتشة جذريا “.

يمكن اعتبار نيتشة ” الاب الروحي ” لما بعد الحداثة، فالمقطع ( ما بعد ) في عبارة ما بعد الحداثة يشير إلى انسحاب يحاول ان يبتعدان منطق التطور في الحداثة، وان يبتعد بشكل خاص عن فكرة التجاوز النقدي الذي ينحو نحو تاسيس جديد.

لقد كان احدالمضامين الاولى والأساسية للفلسفة في القرن التاسع عشر، قرن الصيرورة، يتمثل في نفي وجود بنى ثابتة للوجود يتحتم على الفكر ان يرجع اليها ليتأسس في صورة يقينيات لا تتزعزع، ولكن كما يقول عصام  العبدالله : “نفي ثبات الوجود هذا،لم يكن في الواقع إلا نفيا جزئيا، داخل اطار الأنساق الفكرية المرتبطة بالنزعة التاريخية الميتافيزيقية في القرن التاسع  عشر” فبالنسبةلهذه الانساق، فان الوجود لا يبقى وانما يتحول تبعا لإيقاعات ضرورية تحتفظ بشيء من الثبات المثالي، إلا ان نيتشةكان اول من نظر إلى الوجودبشكل اكثر جذرية، في اواخر القرن التاسع عشر، ورأى ان الوجود حادث، مما يعني انه لكي نتحدث عن الوجود، يبدو حتميا ان نفهم إلى اي حد قد وصلنا مع الوجود..

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *