السلطة الثقافية والسردية للمؤلف في “سارق الغنم ” لحسن الموسوي
إبراهيم رسول
القراءةُ النقديةُ الإيجابيةُ, تأخذُ جنبةً مميزةً هيمنتْ بكثرة وتجلّت في أكثرِ من موضوعٍ, تتناول القراءة هذا الجانب بشيءٍ من التفصيلِ, ليُفسحَ المجال لقراءة أخرى, تتناولُ جوانب أخرى, وهكذا تستمر القراءات وفق ما يراه القراء على تباين مستويات التلقي والفهم عندهم, وهذه المستويات تتناوبُ وتتقاطع, تتعمق أو تتسطح بحسب وعي القارئ, ولكنها كلها محط نظر للمؤلف, ولها فائدة في تجربته الإبداعية, لأنَّ الأديبَ حينَ يطبع إبداعه وينشرهُ, يصبحُ ملكًا للقراء جميعًا, يتناولنه حسبما يفهمونه, وهنا على المؤلف المبدع, أنْ يحترمَ ويأخذ هذه الآراء على أنَّها آراءٌ بنَّاءةٌ.
الهيمنةُ ليست سلبيةً دومًا, وليست إيجابية قطعًا, بلْ تتراوح حسب الأثر الفعّال, لأنَّ الأدبَ فنٌ والفن يجب أنْ تتحدد فنيته وفق الأثر الفعلي الذي يحدث في الآخرِ, لذا, يكونُ تصنيف الهيمنة على أنَّها سلبية أو إيجابية وفق ما يحتاجه الفن الأدبي, فسيكونُ المقياس إذن, هو الفن وحده, في هذه المجموعةُ نقرأ ونلمح هيمنة سردية وثقافية للمؤلف, فالهيمنةُ السرديةُ هي التقنيات, وأما الهيمنة الثقافية هي الأفكار, وهنا سنتناولُ الاثنين معًا.
خمسة عشر قصة موّزعة في المجموعة التي جاء العنوان الرئيس من عنوان قصة في المجموعة, في هذه المجموعة التي قرأتها غير مرة يوجدُ هيمنة تسلطية, يلاحظها القارئ, جاءت الهيمنة السردية عبر استخدام تقنيات السرد التي يعرفها الجميع, إلَّا أنَّ لكلِّ مبدع طريقة خاصة في الاستعمال, في هذه المجموعة تبرزُ رغبة المؤلف في التسلط التقني على بناء القصص, وهذا البناء الأسلوبي يجعل من القصص كأنَّها لُعبةٌ فنيةٌ, فالأسلوبُ يتناوبُ تارة ويتسلسل طورًا, كأنَّ رغبة اللعب الفني قدْ استهوت المؤلف فراحَ يمارسها كأنَّها نوعٌ من اللعب اللذيذ, أسلوب التناوبُ يمكّن المؤلف من أنْ يجعلَ من قصصه غير نمطية, يبعد الرتابة والملل عنها, ويمد من خلال التناوب جسورًا من التواصل الإيجابيّ مع القارئ, وهنا تبدو القصص مبنية وفق ما يريده الكاتب لكنها تنسجم مع ذوق القارئ.

تعنى القصص المجموعة في هذا الكتاب, بعملية التغرب الثقافي, هو يكتبُ في قصة ( اختبار في المزرعة/ الجزء الثاني) بالاكتشاف المعرفي, حيثُ يقول:
اكتشفتُ أن على الإنسان العاقل أنْ لا ينجرفَ وراء الشعارات الرنانة, وأن لا يضحي بحياته من أجل أنْ يحقق أمنيات الآخرين.(صفحة: 9), هذا الاغتراب بعد أنْ قرأ رواية, وهو كان بصحبة مجموعة من الناس, إلَّا أنَّ تميّزَ عنهم بالقراءة, التي كانت قراءة كاشفة.
نقرأُ في القصصِ المجموعة في هذا الكتاب, ثمّةَ ما يجمعها موضوعاتيًا, الثقافةُ والأدلجة تبرز متضمنة, فأنت حينَ تقرأ فإنما تقرأ قصصًا لا أفكارًا, بل الأفكار جاءت مضمنة من خلالِ النصوص المضمرة لا الظاهرة, لهذا حينَ نُصنف الكتاب على أنَّه مجموعةٌ قصصيةٌ لا كتاب في الأفكار والأدلجةِ لا نبتعد عن الصواب في ذلكَ, وهذا يشكّل أهميةً بالغة في العملِ, لأنَّ الآدابَ والعلومَ تعتمد الوصف الحقيقي لكلِّ تخصصٍ, لذا, فلن نبتعد عن الصواب حينَ نقول عن الكتاب, أنَّه مجموعةٌ قصصيةٌ يجمعها الهم الفكري والثقافي, إذ نلاحظ هيمنة المؤلف حتَّى على نمط شخصياته, فهو يجعل من شخصياته تميلُ إلى الوعي الثقافي, كنوعٍ من إبراز القيمة الثقافية للإنسان, وقصته مع هيام تمثل ما نذهب إليه, واختياره نقيض هيام وهي عبير في إحدى قصصه, دليلٌ على التنوّع وإبراز المختلف والمتناقض من الشخصيات النسائية, لهذا ثمّة فرقٌ شاسع بين هيام وعبير, يقول عن هيام: فأعظم جهاد هو أن تجبر نفسك على أن تتعايش مع وجوه ملونة, وجوه أدمنت ارتداء الأقنعة.. ( صفحة: 66), وفي ذات القصة, يقول: إن أعظم جهاد في حياته, هو جهاد نفسه وروحه وقلبه الذين تحمّلوا هُيام, التي أُجبرَ على الزواج منها بحيلة مدبرة ومكيدة واضحة, في القصةِ ذاتها أيضًا, أما عبير يقول عنها: رقيقة, طيبة قلب, ثقافة عالية.( صفحة: 62), الفرقُ الذي يضعه هنا هو فرقٌ نوعيٌ, فلاحظ وصفه لكلا الشخصيتين, ستجد أنَّ في وصفه, تكمنُ سلطةً آيديولوجية واضحة, فالنفسُ الإنسانية حينَ تكره تضع كلمات الكره, وحينَ تحبّ تضع كلمات الحبّ.
يستعمل القاصُ تقنية في السرد ما يجعل منه فنانًا يُمارسُ فنه بحرفية عالية, كما يقول أرسطو أو كما يُنقل عنه: إن الفن لا يعني التقليد التام, لأنَّ الفنان وهو يحاكي الطبيعة يصنع ما هو أجمل منها. فالأجملُ من الطبيعة هو الابتكار الجديد الذي يُحاكي الطبيعة في وجهٍ جديدٍ من وجوهها, لهذا تبرز التقنية السردية من طريقة بناء القصة, فهو يضع في بداية أو أعلى كل قصة مدخلاً بخطٍ أكثف, لندخل من خلاله إلى السرد, هذه صورةٌ سرديةٌ تعتمد على التشويق والإثارة عبر ما يتركه الخط السميك المرتفع أعلى القصة أسفل العنوان, وقد يعني للقارئ كما يعني للمؤلف هذا التكنيك المكتوب, فالعلاماتُ إشاراتٌ تدلُ على شيءٍ وتشير إلى معنىً في ذهن المؤلف يُراد إرساله إلى القارئ, وأحسبُ أنَّ الشخصيات مبنية وفق منظور غير نمطي, هذا المنظور يجعلها قريبة منا.
هذه القصصُ المجموعةُ في هذا الكتاب, تتضمنُ العديد من الرؤى الاجتماعية الراكزة في وعي المؤلف, لأنَّ موضوعةَ الاغتراب الثقافي والعزلة المعرفية واضحة, فهو يمشي مع الناس ولكن خطواته وحدهُ, نخلص بعدَ قراءة القصص إلى أنَّ نوعَ الهيمنة كانَ إيجابيًا تلقائيًا وليسَ حشرًا لإظهار التنوّع الثقافي للمؤلف, هذه الخلاصات السردية التي انتهى إليها, هي مكتوبة عفو الخاطر, بلْ جاءت عبر منظور لا يقف عند الفكرة فحسب ولا عند التقنية فحسب, بل فيهما معًا, لا يقف القاص موقفًا شاذًا, بلْ تجيء الشخصيات السلبية وفق ما يراه غير ناقصة, كأنَّ أولئك السكارى في أول قصةٍ له, عميان وهو المبصر فيهم, هو قضى ليلته يقرأ في رواية جورج أوريل التي اكتشف منها ما اكتشف, وهم قضوا ليلتهم بمتعة, وفي الصباحِ انكشف النور الحقيقي لجميع الوجوه بما فيهم شخصية البطل, فالبطل خرج بقراءة كاشفة وخرجوا هم بأسوأِ حالٍ, هذه النتيجة السلبية والإيجابية ثمة فرق بينهما, والفرق هو بكثرة العدد مقابل القلة, النوع المنتج والعدد المستهلك, لهذا النقدُ الاجتماعي الذي مارسه عبر قصصه يمثل أصدق تمثيل حالة النزوع الثقافي الذي يركنُ إليه, فالحبيبة بنت الجيران, تمثلُ الحب البريء الذي يمر به جميع الشباب في مراحل عمرية مكبرة, ولكن هيام التي تجيء بأوقات الظهر لصاحب المولدة الأهلية, وتدبر له مكيدة الزواج, هو نقدٌ اجتماعيٌ واقعيٌ له تمثلات حيّة, أنتجتها البيئة الاجتماعية التي يعيش المبدعُ فيها وهو حينَ يكتب لا بُدَّ أنْ ينقلَ الواقع نقلاً إبداعيًا لا آليًا, وهذا ما اشتملت عليه المجموعة القصصية كلّها.
وبالنهايةُ التي هي ختامٌ حسنٌ جيّدٌ, نُسجّلُ للقاص حسن الموسوي, شهادة إبداع, ومدوّنة وعيّ لما أنتجه من اشتغال ثقافي تمَّ عبر كتابٍ ضمّ خمس عشرةَ قصة, كلّ قصة تهدفُ إلى معنى وتشير إلى غاية, والغايةُ في الأدبِ, هي أخلاقية إنسانية, غاية جمالية, يقرأها المتلقي, فيلمحُ فيها أنَّ هيمنةَ المؤلف كانتْ على درجات متفاوتة من حيث المباشرة والتخفي, لذا, يستعينُ القاص بمرآته الإبداعية, لينقل الواقع نقلاً غير مباشر, بلْ عبر إعادة خلق وابتكار جديد, فتتضمن النصوص قيمة إنسانية إلى واقعيتها الاجتماعية.




