سجلوا عندكم

لبنان الوطن الجريح، جمهورية الولاءات المتعددة

Views: 1976

العميد الركن المتقاعد  صلاح جانبين

لا نعيش في لبنان في وطن عادي، بل في مختبر سياسي نادر، يصلح أن يُدرّس في كبرى الجامعات كنموذج حيّ عن كيفية تحويل نعمة التعدد إلى نقمة، وكيف يُمكن لدولة أن تُصبح “ملعبًا” بدل أن تكون وطنًا.

من نعم الله علينا انه لدينا طوائف عديدة ، نعم  هي نعمة في الأصل، حيث يفترض أن يشكّل هذا التنوع ثروة إنسانية وروحية، وأن يكون جسرًا للحوار بين مختلف المكوّنات. لكننا أبدعنا في تحويلها إلى نقمة الطائفية، حيث بات الانتماء الديني أو المذهبي بطاقة هوية أهم من جواز السفر، وأثقل من كل القوانين. فالجار يسأل عن مذهب جاره قبل أن يطرق بابه، والسياسي يفتخر بعدد مقاعد طائفته لا بعدد المشاريع التي قدّمها للوطن وقس على ذلك في مختلف المجالات.

أما نعمة تعدّد الأحزاب، فهي الأخرى تحوّل البعض منها إلى ولاءات وطنية على قياس وارتباطها بالخارج. وهي ليست برامج سياسية بقدر ما هي شركات  ممولة، حيث كل حزب يرفع علمًا خارجيًا إلى جانب علم لبنان، ويتلو خطابًا مترجمًا من لغة أجنبية ثم يضع في نهايته شعار “لبنان أولاً”. وبعض الأحزاب لديهم مكاتب في بيروت، لكن عواصمهم الحقيقية في الخارج: في واشنطن، أو طهران، أو الرياض، أو باريس، أو أنقرة، أو غيرها. المواطن يسمع خطاب الزعيم ولا يعرف إن كان يسمع وجهة نظر لبنانية أم نشرات أخبار عالمية مُعاد بثها محليًا.

في هذا البلد، المواطن ليس مواطنًا بالمعنى الحقيقي، بل هو مشروع تابع. فإمّا أن يكون تابعًا لطائفة، أو زعيم، أو سفارة، أو رجل أعمال، أو وسيلة إعلام تموّلها جهة خارجية. أما المواطن الذي يصرّ على أن يكون “لبنانيًا فقط”، بلا إضافات ولا ولاءات، فهذا يُعتبر شاذًا، غريبًا، يحتاج إلى أكثر من بطاقة هوية حتى يُعترف به.

ولأننا نعيش في وطن قائم على قاعدة “أنا ومن بعدي الطوفان”، لا نتورع عن الفرح لموت الآخر إذا كان من حزبٍ أو طائفةٍ أو منطقةٍ غير منطقتنا. بل وصل بنا الأمر إلى توزيع الحلوى على أنقاض بعضنا البعض ،والأنكى من ذلك ان البعض يروّج لأفكار العدو بل يدعمها ويصرّ على تنفيذها ،حتى انه لا يذكر كلمة عدو  ولا يعرف معانيها وغير موجودة في قاموسه أصلاً .

أما إمكاناتنا الثقافية والعلمية، فهي من دون شك غنية، نملك عقولاً نيرة وكفاءات مشهودة في العالم، لكن ما الجدوى؟ نحن أذكياء في التنظير، أغبياء في التطبيق. نكتب مقالات عن الاستقلال فيما نعيش التبعية، ننشد قصائد عن الحرية فيما نحن أسرى الطائفية، نفاخر بالعزة فيما نغرق في الذل اليومي. باختصار: نصنع من الكلمات جبالاً ومن الأفعال حفرًا.

وسط هذا المشهد العبثي، يطلّ الجيش اللبناني والقوى الأمنية كأنهم “الأيتام على موائد اللئام”. نعم، هم النقطة المضيئة الوحيدة في ظلام الولاءات المتعددة. رجال بصدور عارية يحرسون حدودًا لا يحترمها أحد، ويدفعون ثمن دمائهم ليبقى ما تبقّى من الدولة قائمًا. فالقيادة العسكرية تسعى للحفاظ على هيبة الدولة، فيما السياسيون يسعون للحفاظ على حصصهم. والجندي يقف ساعات طويلة تحت الشمس والمطر لحماية المواطن، فيما الزعيم يطلّ بدقيقة على الشاشة ليبيع المواطن نفسه مقابل شعار انتخابي.

والأغرب أن الجيش يُطلب منه المستحيل: أن يضبط الأمن بلا عتاد، أن يحفظ الحدود بلا  امكانيات، أن يُقدّم التضحيات بلا ميزانية، وأن يُنقذ الدولة فيما هذه الدولة تُمعن في إهماله. هو مُطالب بحماية الجميع، حتى أولئك الذين يطعنونه في ظهره بخطاباتهم وشعاراتهم. يُعاملونه كحارس عمارة: مهمته أن يمنع السرقات لكن لا يحق له أن يسأل من سرق، أن يطفئ الحرائق لكن من دون أن يقترب من الذين يشعلونها.

ومع ذلك، يبقى الجيش هو الضمانة الأخيرة، والجدار الحصين الذي إن سقط سقط معه ما تبقى من لبنان. فهل يُعقل أن نرى شبابًا في عمر الورود يسقطون دفاعًا عن وطن لا تقدّر تضحياتهم؟ وهل يُعقل أن نسمع قادة سياسيين يتغنون بتضحيات الجيش فيما هم أوّل من يُعطّل قرارات دعمه وتمويله وتسليحه؟ التهكم هنا ليس في وصف الواقع، بل في أن هذا الواقع بحد ذاته تهكّم على منطق الدول.

في النهاية، نحن وطن يملك كل النعم، لكنه يُصرّ على تحويلها إلى نقم. وطن يشبه قصراً جميلاً، لكن سكّانه يصرّون على العيش في القبو خوفًا من النوافذ. وطن يجلس على ثروات بشرية وثقافية وعلمية، لكنه يصرّ على الارتهان للخارج ودفن رأسه في رمال الانقسامات.

ولأننا نحترف خسارة الفرص، فلا عجب أن نخسر الوطن ذاته، ونبقى نتقاتل على من يملك المفتاح بعد أن يغلق الباب في وجوهنا جميعًا. عندها، لن يبقى لنا سوى أن نضحك بمرارة على أنفسنا، ونكتب مقالات تهكمية انتقادية لا حول لنا ولا قوة، عن وطنٍ جريح يعيش على حافة الموت السريري، فيما أبناؤه منشغلون بتبادل التهم وانتظار التعليمات من الخارج.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *