لماذا تخلف المتخلفون؟! (٢)… انهيار الانتخاب الطبيعي في المجتمع
د. علي عبد المنعم
في أكثر عمليات الخلق دقةً لاختيار النسل القادم الذي سيواصل مسيرة الحياة، لا يترك الوجود شيئًا للصدفة من أجل اختيار الأفضل لخلق حياة أفضل، فمن بين ما يقارب ستة ملايين حيوان منوي يتسابقون في رحم المرأة، لا يصل إلى البويضة إلا واحد فقط، هذا الواحد هو الأفضل في الستة ملايين، لقد نجح ليس لأن البقية لم تحاول، بل لأن الوصول ذاته هو اختبار جدارة: سرعة، قدرة، تحمّل، وبقاء حتى اللحظة الأخيرة. هكذا تضمن الطبيعة -عبر الانتخاب الطبيعي- أن يبدأ النسل القادم بأفضل احتمال ممكن، وأفضل مواصفات ممكنة لتستمر مسيرة الحياة نحو الأفضل. لا عاطفة هنا، ولا مجاملة، ولا قرابة، فقط يصل الذي يستحق، ومن يفشل، يخرج من المعادلة دون ضجيج.
لكن ما يحدث خارج الرحم، في المجتمعات المتخلفة، هو العكس تمامًا. فالتخلف ينتشر ويستمر وتتم حمايته لأنه أنسب لمنظومة معطوبة متخلفة قررت أن تعيد تعريف معايير البقاء والنجاح. فيتم إقصاء الكفاءة، وحماية الجهل وانعدام الكفاءة بسياج من الولاءات والعلاقات والقرابة، ليصبح البقاء فيها للأردأ وليس للأفضل.
بينما نجد أن المجتمعات السليمة، تفعل آلية فرز اجتماعية تشبه ما يحدث في الطبيعة: من يُحسن، يتقدم، ومن يعجز يتراجع لا لأن أحدًا يكرهه، بل لأن النظام يريد انتقاء الأفضل.
في مجتمعات التخلف، تعطلت آلية الفرز، ولم يعد الانتخاب طبيعيًا، بل أصبح انتخابًا ولائيًا. لم يعد البقاء للأصلح، بل للأقرب، والأكثر طاعة، والأقل إزعاجًا.
في المجتمعات السليمة، لا يحتاج من يمتلك الكفاءة إلى واسطة، ولا قرابة، ولا يضطر المجتهد إلى إثبات ولائه قبل إثبات قدرته. هناك تعمل آلية فرز غير معلنة لكنها صارمة: من يُحسن، يتقدم؛ ومن يفشل، يتراجع. هذا هو الانتخاب الطبيعي حين يعمل اجتماعيًا.
في مجتمعات التخلف، تتعطل آلية الفرز الطبيعي. فيتم إقصاء الكفاءة، وحماية الجهل، والنتيجة أن التخلف لم يعد حالة فردية عابرة، بل أصبح منظومة قادرة على البقاء وإعادة إنتاج نفسها، ولهذا تخلفت الأمم المتخلفة.
السؤال إذن: ليس لماذا يتخلف المتخلفون؟، بل: كيف انهار الانتخاب الطبيعي اجتماعيًا، ولمصلحة من؟
الانتخاب الطبيعي اجتماعيًا هو الآلية غير المكتوبة التي تجعل: الطبيب الأفضل أكثر حضورًا، المعلم الأجدر أكثر تأثيرًا، الإداري الأكفأ أكثر تقدمًا، أي ببساطة كل من يشغل موقعا يجعله أكثر تقدما وازدهارا. حين تعمل هذه الآلية، لا يحتاج المجتمع إلى شعارات، لأن النتائج تتكلم. وحين تتعطل، يبدأ العبث.
يتحقق الانهيار إذن ( في المجتمع وبالتالي في الدولة) عندما ينهار الانتخاب الطبيعي اجتماعيًا، ولا يعود جواز المرور لأية وظيفة: ماذا تعرف؟ ماذا تُنجز؟ ماذا تضيف؟ بل يصبح: من تعرف؟ لمن تنتمي؟ من يضمنك؟ عند هذه اللحظة، لا يتم استشهاد الكفء لأنه عاجز، بل يُستبعد الكفء لأنه خارج نطاق الولاء. وهنا يتحول المجتمع إلى مجتمع يفرز الولاءات لا الكفاءات.
الولاء هنا لا يعني الالتزام بالمبدأ أو الصالح العام أو حتى مصلحة الوطن، بل يعني أساسا الولاء للأشخاص، الولاء للعائلة، والولاء للدائرة أو المجموعة التي تدعمه ليجلس على كرسي لا يستحقه.
في هذه المنظومة المتخلفة: غير الكفء مرغوب لأنه مطيع، أما الكفء فهو مقلق لأنه يكشف الفارق ويفضح الجاهل الذي وصل بالولاء وليس بالكفاءة. وهكذا يصبح الانتماء أهم من الإنجاز، والطاعة أهم من الإبداع، والهدوء أهم من الجودة.
إن القرابة والعلاقات الشخصية عندما يصبحان معيارا للفرز المجتمعي فإنهما يتحولان الى آلية قتل تدمر المجتمع والأمة بأسرها.
حين تُدار الفرص بالعلاقات، لا تعود المنافسة حقيقية، وحين تُمنح المواقع على أساس القرب، تفقد المناصب معناها.
وهنا تصبح الرسالة التي يتلقاها الفرد واضحة وقاسية: لا تتعب نفسك… تعرّف على الشخص المناسب الذي يوصلك بلا جهد وبلا مؤهلات وبلا كفاءة. بهذه الرسالة: يتم إحباط المجتهد، وينسحب الكفء بصمت، ويتعلم الجيل الجديد أن الجهد مضيعة وقت. ونتيجة لهذه الرسالة يتم ضرب الطموح في مقتل.
هناك مصيبة أخرى: حين يجلس غير الكفء في موقع لا يستحقه، يحيط نفسه بأصفار صغار منعدمي الكفاءة مثله، هؤلاء الأصفار يطيعونه ويتحولون إلى جوقة منتفعة تهيل عليه كل آيات النفاق من مديح كاذب، وإشادة بإخفاقاته القاتلة كأنها إنجازات ترقى للمعجزات، وترفعه فوق الأعناق كبطل عظيم ملهم من السماء، ونتيجة لهذا تتضخم شخصيته تضخما يصنع من الطين ملاكا، ومن قيعان الفشل قمما من النجاح، وبهذا يتوهم القزم الفسل أنه قد صار عملاقا عظيما.
حين يُقصى الأصلح في أي نظام مختل، هناك من يدفع الثمن غاليا: الكفاءات تُهمَّش، العقول تهاجر أو تنسحب، الجيد يصبح استثناءً مزعجًا لا قاعدة يُحتذى بها، ومع الوقت، لا يبقى في الواجهة إلا من يقبل باللعبة ويتقن العلاقات ويتعايش مع السقف المنخفض.
وهنا يكتمل انهيار الانتخاب الطبيعي في المجتمع. ويصبح التخلف منظومة قابلة لإعادة الإنتاج. وينجب الحاضر المتخلف مستقبلا أكثر تعاسة وتخلفا. باستمرار التخلف، يتم الإشادة الدائمة بالمتخلفين، ودعمهم بكل المنح والمكافآت، وتقديمهم كنموذج يحتذى به، ودفعهم للأمام متخطين كل الكفاءات، فيتم اغتيال كل الأمل لدي الأجيال المقبلة، وتكون النتيجة مستقبلا أكثر ظلاما وضياعا.
تخيلوا ماذا يحدث عندما يرى الطفل أن غير الكفء ينجح، والمجتهد يتأخر، وصاحب العلاقة يتقدم، فإنه يتعلم درسًا واحدًا: لا تكن الأفضل… كن الأقرب. وهكذا يُعاد إنتاج التخلف جيلًا بعد جيل.
وأخيرا:
تنهار المجتمعات حين يتكاثر فيها الجهل، نتيجة لحمايته، وحين تصبح الكفاءة مكشوفة بلا سند، بل يتم محاربتها لأنها ببساطة ستكشف منعدمي الكفاءة الذين يحتلون الصفوف الأولى زورا وتدليسا تحت ستار القرابة والولاء والمحسوبية.
التخلف لا ينتصر لأنه أقوى، بل لأن الانتخاب الطبيعي في المجتمع والدولة قد تم تعطيله عمدًا، واستُبدلت الكفاءة بالولاء، والاستحقاق بالقرابة، والإنجاز بالعلاقة الشخصية.
وعندها، لا يعود السؤال: لماذا يتخلف المتخلفون؟
بل يصبح السؤال الأخطر: لماذا نُصرّ على إبقائهم؟



