سجلوا عندكم

“عشرون ليلة وليلة” للدكتور جورج ديب… إضافة جديدة على التراث اللبناني في الفرنكوفونيّة

Views: 604

د. جورج طراد

لم نعد نقع إلا نادرًا على كتاب يستحق القراءة من الغلاف إلى الغلاف، ذلك أن السائد في مؤلفات هذه الأيام هو الإستعجال والإفتعال. إستعجال فى المعالجة والإستنتاج. وافتعال في التحليل والنسق السرديq. أضف إلى هذا أن السواد الأعظم من الكتّاب لم يعد يرتضي إلا الموضوعات” الكبرى” حتى ولو لم يكن يفقه منها كبير شيء. والدليل أن “كتّابنا”نادرًا ما يتنازلون لتناول الحياة اليومية البسيطة للناس العاديين، فيتجاهلون ما حولهم ويهيمون وراء معادلات كونيّة فلسفيّة لا تفيد القارىء – هذا إذا وُجِد- في شيء.

  جورج ديب، في كتابه الجديد “عشرون ليلة وليلة”، لم ينجرف مع الموجة السائدة، إنما اختطّ لنفسه دربًا خاصة موغلة في البساطة الجذابة، التي هي، من دون أدنى شك، أصعب من التعقيد والحذلقة بكثير. وسلوك هذه الدرب يتطلّب التزوّد بعدّة شغل خاصة، أولها الفكرة التي يُبنى عليها الكتاب، وأهمّها اللغة التي تتناسب والفكرة فلا تبدو مفتعلة او “مبهْططة” على الجسد الذي تغلّفه.

 

  فالكتاب، بلغته الفرنسيّة الرشيقة، ينتمي إلى الأجواء الشرقيّة الصافية. هو لايتغرّب إلا في الثوب الذي يلفّ الفكرة، أما الفضاء الذي تتحرك فيه الأحداث فشرقيّ بكل ما للكلمة من معنى. يذكّرنا بأجواء ألف ليلة وليلة وبساط الريح والسندباد. بهذا المعنى الكتاب سليل تراث شرقي هو جزء لا يتجزأ من تكويننا الفكري ومن ذاكرتنا الأدبيّة. لا غرابة في هذا، فكتاب ” عشرون ليلة وليلة”، بغلافه الخارجي وبرسومه الداخلية وتقطيعاته السرديّة، هو كتاب موجّه إلى الأطفال. تخيّلوا المعادلة الذهبيّة: كتاب مشبع بالأجواء الشرقية يتوجّه إلى الأطفال الفرنكوفونيين في كل العالم!

  والغرابة اللافتة تكمن في أن القارىء، حتى ولو لم يكن طفلا، يستمتع بالقراءة ويتابع بشغف بريء أحداثًا خياليّة محبوكة وفق بنية فنيّة مدروسة ومتماسكة. والشخصيات في الكتاب وليدة خيال شرقي خصب يتمتع به المؤلف جورج ديب، المُشبَع بالثقافة العلمية الفرنسيّة، وهو الذي عاش ودرس الطب في فرنسا. لكنه لم يخنق أصوله الشرقية، كما فعل آخرون، إنما سعى إلى توليفة ذكية تجمع الغرب والشرق في فضاء أدبي واحد. وها أن اسماء أبطاله تُظهر تمسكه بمخزونه الثقافي الشرقي الكامن في لاوعيه، وفي لاوعينا جميعًا. ميْساء وسيف ونديم وروان. حتى أسماء الممالك فعربيّة شرقيّة: مملكة مكان ومملكة زمان.

  والطريف في هذا السياق أن جورج ديبنهل من تركيبة التسميات العربية ليعبّر عنها باللغة الفرنسيّة. مثلا، والد بطله” اركنسيال”( قوس قزح) هو أبو اركنسيال، أي أبو فلان وفق الصيغة العربيّة المتوارَثَة.(ص. 36).

   واللافت أن المؤلف، وإن كان يكتب للأطفال، فإنه يطرح موضوعات فكرية فلسفية يعرف كيف يصوغها ببساطة فلا تبدومفتعَلة ونافرة وان وردت على لسان طفل. والمثال على هذا فكرة التمييز بين الفرح والسعادة. فالفرح عابر ومرحلي في حين ان السعادة راسخة ودائمة. وفي هذا يبسّط ويقول:” أدرك الابن أن أباه كان فرِحًا وليس سعيدًا… هو يريد بإلحاح أن يكون والده طوال الوقت فرِحًا أي سعيدًا”( ص42).

 

  بالتأكيد جورج ديب الكاتب لا ينسى أبدًا أنه طبيب. وهذا ظاهر في ثنايا كتابه. فمن أنقذ روان من الموت المحتم، وبذكاء شديد، هو الحكيم الأكبر، أي الطبيب. كذلك فإن ما يوفّر السعادة في نظر جورج ديب الطبيب ليس الثروة او الجاه او السلطة ولكن السعي قدْر المستطاع لإمتلاك صحة جيّدة (ص. 14). حتى عندما ينجح الحكيم الأكبر في حمل روان على معاودة الأكل بعد طول إنقطاع فإنه ينصح له بان يأكل قليلا كي لا تتضرّر صحته.

  باختصار، كتاب” عشرون ليلة وليلة” للدكتور جورج ديب الصادر بالفرنسيّة عن مكتبة انطوان في بيروت، هو كتاب يمثّل امتدادًا جيّدا لتراث لبناني واسع في الفرنكوفونيّة، من أيام شار ل قرم وجورج شحادة وفينوس خوري واندريه شديد وصولا إلى فرج الله حايك و ناديا تويني وصلاح ستيْتيّة وأمين معلوف وآخرين. والكتاب، نظرا إلى لغته الجيّدة وللأفكار الناضجة التي يتضمنها يصلح بالتأكيد لأن يوضع بين أيدي تلامذة المرحلة الوسطى، علّ أجيالنا الطالعة تستعيد الرغبة في القراءة التي لم تعد، مع الأسف، “دارجة” إلاّ عبر وسائل التواصل الإجتماعي التي لا تسمن ولا تغني عن جوع!

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *