لبنان: من نشيد الوطن إلى أناشيد الأحزاب والطوائف
د. زهير علامة
لن أجمّل الكلمات، ولن أبحث عن تعابير دبلوماسية تُخفّف وقع الحقيقة. ما أقوله اليوم قاسٍ، لأن الواقع نفسه قاسٍ.
لبنان لم يعد يُسرق فقط… بل يُمحى.
لم يعد يُدار… بل يُفكَّك.
لم يعد وطنًا بالمعنى الحقيقي… بل مساحة تتنازعها الانتماءات، تُدار من خارج حدودها، ويُستثمر فيها فساد بلا حدود.
قبل عام 1975، لم يكن لبنان مثاليًا، رغم الانقسام الحاد بين يمين ويسار، لكنه كان وطنًا. كان هناك شعور جامع، وحدّ أدنى من الهوية المشتركة.
كان الطالب اللبناني يقف في ساحة المدرسة، لا ليكرّر كلمات محفوظة، بل ليُعلن انتماءً حقيقيًا:
“كلّنا للوطن، للعلى، للعلم…”
نشيد لم يكن يُنشَد فقط، بل كان يُعاش.
كانت التربية الوطنية واقعًا يوميًا، لا مادةً مهمّشة. وكان التدريب العسكري المدرسي، رغم بساطته، يزرع الانضباط، ويُشعر الطالب أن له دورًا في حماية هذا الوطن، لا في تمزيقه. لم يكن الهدف عسكرة المجتمع، بل بناء مواطن يعرف معنى الدولة ومعنى الالتزام.
ثم بدأ الانحدار… بل بدأ الاستبدال.
استُبدل الوطن بالحزب،
واستُبدل النشيد الوطني بأناشيد الفصائل،
واستُبدلت الهوية الجامعة بهويات ضيّقة: طائفية، مذهبية، وزبائنية.
لم يعد الطفل اللبناني يسأل: “كيف أخدم وطني؟”
بل: “لمن أنتمي؟ ومن يحميني؟”
حتى الكشافة، التي كانت مصنعًا للمواطنة، تحوّلت إلى مرايا تعكس الانقسام: لكل طائفة كشّافتها، ولكل حزب نشيده، ولكل فئة روايتها الخاصة للبنان. وهنا، لم نعد أمام اختلاف… بل أمام تفكّك.
ثم جاءت الحرب. ولم تكن مجرّد صراع مسلّح، بل عملية إعادة تشكيل قسرية للوعي.
تحوّل السلاح من وسيلة إلى هوية،
وتحوّل اليسار واليمين إلى جيوش تتقاتل،
وانقلب الصراع السياسي إلى صراع طوائف،
وتحوّلت الطائفة من انتماء اجتماعي إلى مشروع سياسي مغلق.
ومنذ ذلك الحين، لم يتوقف النزيف.
الأخطر لم يكن فقط ما جرى في الداخل، بل ما سُمِح له أن يدخل.
تحوّل القرار اللبناني إلى سلعة: يُصاغ هنا، ويُموَّل هناك، ويُنفَّذ على أرضٍ لم تعد تملك قرارها.
تبدّلت الوصايات، وتغيّرت الأسماء، لكن المبدأ بقي واحدًا: لبنان ليس سيد نفسه.
مرّ القرار من عاصمة إلى أخرى، ومن محور إلى آخر، ومن نفوذ إلى نفوذ. وفي كل مرة، كان اللبناني يخسر جزءًا إضافيًا من هويته.
ولنكن صريحين حتى النهاية: المشكلة لم تعد فقط في الخارج… بل في الداخل الذي قَبِل، وتكيّف، واستفاد.
نشأت طبقة سياسية لا تعيش إلا على الانقسام؛ تتغذّى من الخوف وتُعيد إنتاجه. تتحدث باسم الطوائف، لكنها في الحقيقة تستثمر فيها.
الفساد لم يعد انحرافًا… بل أصبح نظام حكم.
من أعلى الهرم إلى أدناه، شبكة مترابطة من المصالح، لا تعرف دولة، ولا تعترف بوطن.
لا أحد مستثنى… ولا أحد بريء بالكامل.
فما الذي تبقّى؟
وطن بلا مرجعية واحدة،
شعب بلا ذاكرة موحّدة،
دولة بلا قرار سيادي كامل،
وأجيال تربّت على أن الانتماء للوطن خيار… بينما الانتماء للطائفة ضرورة.
هذه ليست أزمة سياسية عابرة…
بل أزمة هوية، أزمة وجود.
لبنان اليوم ليس فقط على حافة الانهيار… بل على حافة الذوبان:
ذوبان في مشاريع الآخرين، في حساباتهم، في صراعاتهم التي لا تنتهي.
لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال، مهما كانت موجعة، هي التالية:
لا يمكن لوطن أن يقوم إذا لم يؤمن به أبناؤه أولًا.
ولا يمكن لهوية أن تُفرض إذا لم تُستعاد من الداخل.
ولا يمكن لأي إصلاح أن ينجح إذا بقي الانتماء مجزّأً ومشروطًا.
إمّا أن يكون لبنان أولًا… أو لا يكون.
لا وطن مع ولاءات أعلى منه،
ولا دولة مع سلاح خارجها،
ولا مستقبل مع فساد يُحمى ويُبرَّر،
ولا كرامة مع تبعية تُسوَّق على أنها “حكمة سياسية”.
لبنان لا يحتاج فقط إلى إصلاح اقتصادي أو سياسي، ولا إلى تسويات مؤقتة…
لبنان يحتاج إلى صدمة وعي.
إلى إعادة تعريف معنى أن تكون لبنانيًا.



