سجلوا عندكم

حين يكتب الشاعر موته واقفاً ليصبح فعلاً للصمود

Views: 729

جواد العقّاد يلدُ لُغة جديدة للصُّمود

في الشِّعر الفلسطيني

 

 

 

سحر الهنيدي بالمر*

وقعت يداي على نسخة من كتاب الشاعر جواد العقاد “أكتب موتي واقفاً – هوامشُ الكتابة والحرب”، فهو شاعر فلسطيني وباحث ومستشار ثقافي وأستاذ كتابة إبداعية ومهارات اللغة في العديد من المؤسسات.

المختلف في “تصنيفه”، إن صح التعبير، أنه يكتب وهو واقفاً – الشيء الذي شد انتباهي وتداعى استكشاف كتابته عن كثب. فهو مازال في مقتبل العمر… وفي خضم آلام وأوجاع ظهري بعد أعوام متواصلة من الكتابة جلوساً، آمل ألا يقضي أكثر عمره واقفاً!

قد يبدو السؤال عابراً، وفيه شيء من الدعابة، لكنه يفتح باباً مهماً لقراءة الكتاب. فالوقوف هنا لا يبدو مجرد هيئة جسدية، بل يتحول إلى معنى. إنه صمود، وثبات، ورفض لأن يكون الإنسان منكسراً حتى وهو يكتب عن أكثر اللحظات قسوة.

باشرت في قراءة الصفحات الأولى وسرعان ما شعرت بشيء من الارتباك: ماذا أقرأ؟ هل هو مذكرات بيوغرافية؟ سردية لتجربته ومسيرته في الكتابة؟ أم هو شرح لأسلوبه الشعري، أو بحث في معجم مصطلحاته؟ أعربت لصديق وأديب مقرب عن انطباعي الأول، فجاء رده “كما تشائي” – الأمر الذي تداعى لبس نظارات النظر والشروع في التأمل بالكتاب من جديد.

ما لبثت أن قرأت حوالي عشرين صفحة حتى فاجأني تصريحه الذي يفسر كتابته وهو واقف. 

“ألا يحق لي السؤال وأنا في غزة، وأعرف أن العالم مصاب بالعمى والزهايمر: لماذا نموت بلا ثمن؟ الكتابة هي سؤالي الطويل المتروك بلا جواب.”

هذا التساؤل قادني إلى معنى أعمق. فالوقوف هنا لا يبدو مجرد هيئة جسدية، بل موقفاً داخلياً من الحياة والموت. وكأن الشاعر لا يريد أن يكتب عن الخراب من موقع الاستسلام، بل من موقع المواجهة، محتفظاً بقدرته على النظر إلى ما يحدث دون أن يفقد توازنه أو كرامته.

في “أكتب موتي واقفاً”، لا يكتب جواد العقاد عن الحرب من مسافة آمنة. هو يكتب من داخل التجربة، من غزة، من مكان يصبح فيه الموت جزءاً من اليومي، لا فكرة بعيدة أو احتمالاً نظرياً. لذلك لا تبدو الكتابة عنده ترفاً ثقافياً، ولا محاولة لتزيين الألم، بل فعلاً ضرورياً للحفاظ على الوجود الداخلي.

الكتابة حين تصبح موقفاً

لماذا يكتب الإنسان حين يكون محاصراً بالخوف؟ ولماذا يلجأ إلى الشعر حين تصبح الحياة نفسها مهددة؟ لا يقدم العقاد الشعر بوصفه دواءً جاهزاً، ولا مهرباً سهلاً من الواقع. الشعر هنا أقرب إلى فعل بقاء. إنه محاولة لأن يقول الإنسان: ما زلت أرى، ما زلت أشعر، ما زلت قادراً على تحويل الخراب إلى معنى.

يقول العقاد: “أقف أمام انكساري وخساراتي وانتمائي للأرض والدم، وأسأل عن ماهية الكتابة وجدواها في الحرب. فماذا يكتب الإنسان لحظة موته؟ ماذا نكتب والمشهد الحقيقي من دم وبشر يتحولون مع أحلامهم إلى ندوب في القلب وحسرات كثيرة؟”

كلمة “واقفاً” لا تعني الوقوف الجسدي فقط، بل أن يظل الإنسان حاضراً بوعيه وكرامته. أن يكتب موته واقفاً يعني أن يرفض أن يُختصر في الخوف، أو في الموت، أو في صورة الضحية وحدها.

تذويب واقع الحرب في نسيج القصيدة

يتضح أن جواد العقاد لا يكتب من خارج التجربة، ولا تتحول الكتابة عنده إلى صرخة مباشرة أو إلى خطاب سياسي تقريري، بل تصبح محاولة للإمساك بما تبقى من المعنى في عالم يتداعى من حوله. في هذا السياق، تبدو القصيدة أقرب إلى فعل وجودي يحفظ للإنسان قدرته على التفكير والتأمل والشعور، حين يصبح كل شيء آخر مهدداً بالانهيار.

قد يلجأ الإنسان إلى الكتابة ليخفف من وطأة الواقع أو ليعيد ترتيب أفكاره، لكن ما يقدمه جواد العقاد يتجاوز هذا المعنى. فالكتابة هنا فعل مقاومة هادئ، ووسيلة للحفاظ على ما هو إنساني في لحظة يبدو فيها كل شيء مهدداً بالانهيار.

يحمل عنوان الكتاب هذه الرؤية بوضوح. فالفعل “أكتب” يوحي بالشهادة والتوثيق، وكلمة “موتي” تجعل التجربة شخصية ومباشرة، أما “واقفاً” فهي الكلمة التي تمنح العنوان ثقله كله، لأنها تختزل معنى الكرامة والصمود. وكأن الشاعر يقول إن الإنسان قد لا يملك أن يختار الظروف التي يعيشها، لكنه يستطيع أن يختار الطريقة التي يواجهها بها.

العقاد لا يكتب عن الفلسطيني كرمز عام فقط، بل بوصفه إنساناً له خوفه، وذاكرته، وحساسيته، وحاجته إلى الحب والجمال. وهذه نقطة مهمة في قراءة الكتاب، لأنه لا يجعل المأساة تلغي الفرد، بل يجعل الفرد شاهداً حياً على المأساة. الكتابة إذن لا تصبح هروباً من الحرب، بل شكلاً من أشكال البقاء. مجرد أن يواصل الشاعر الكتابة، وأن يحتفظ بلغته وحساسيته وقدرته على رؤية الجمال، هو في ذاته موقف في وجه العدم.

ومن منظوره في لحظة الحرب، يرى الأديب “بالمعنى الأصيل مقاتلاً معركته بالكلمة التي تحمل قوة الفكر والإيمان”، يكتب ليبقى شاهداً على زمنه، ومشعلاً يضيء لمن يبحث عن معنى وسط الركام.

أفق مختلف في الشعر الفلسطيني

تنبع أهمية “أكتب موتي واقفاً” من أنه يضيف بعداً إنسانياً حميماً إلى الكتابة الفلسطينية. فالمقاومة هنا لا تظهر فقط في اللغة العالية أو الخطاب الوطني المباشر، بل في الإصرار على أن يبقى الإنسان إنساناً.

يظهر هذا جلياً في معجمه الشعري الذي يحمل بصمة هذه الحرب: جدار الصوت، الغارة، الدم، الأشلاء – مفردات لم تعد استعارات بعيدة بل واقعاً يسكن اللغة. وتتجه نصوصه نحو فضاءات مفتوحة ومرنة، كأن الشاعر يرفض أن تضيّق عليه الحرب حتى في أشكال تعبيره.

أن يكتب الشاعر وهو تحت القصف يعني أنه يرفض أن تمنعه الحرب من التفكير، ومن الإحساس، ومن تشكيل عالمه الداخلي. وهذا بحد ذاته موقف. فالشعر هنا لا يوقف القصف، ولا يعيد ما فُقد، لكنه يحفظ شيئاً أساسياً: قدرة الإنسان على أن يبقى شاهداً، لا مكسوراً.

لماذا يصر العقاد على أن يكتب واقفاً؟

جواد العقاد لا يكتب ليهرب من الحرب، بل ليؤكد أن الحرب لا تستطيع أن تصادر الكلمة. وحين تصبح الكلمة آخر مساحة متاحة للإنسان، فإن الكتابة لا تعود مجرد أدب، بل تصبح طريقة للوقوف.

وفي النهاية، قد نعود إلى السؤال الأول ببساطته: لماذا يصر على أن يكتب واقفاً؟ ربما لأن الوقوف، في هذا الكتاب، هو الصورة الأخيرة للكرامة. وربما لأن الشاعر، حين لا يملك أن يغيّر شروط الموت، يملك على الأقل أن يكتب حضوره في مواجهته، فيقف صامداً.

 

*كاتبة وبودكاستر بريطانية فلسطينية، صدر لها اثنا عشر كتاباً وتقدّم منذ أكثر من عشرين عاماً مدونة صوتية باللغة الإنجليزية حول الوعي والقيادة الذاتية. وتعمل حالياً على إصدار مجموعتها الشعرية العربية الأولى “أنثى السَّحر” من دار عنوان للنشر.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *