“قانون الايجارات : معضلة اجتماعية وانسانية تفوق اللامعقول”
المحامي شارل الخوري ابي صعب
جاء في مقدمة الدستور اللبناني – الفقرة ” و ” على ان النظام الاقتصادي في لبنان حر يكفل المبادرة الفردية والملكية الخاصة “، وبالتالي تعتبر الملكية الخاصة حقًا مقدسًا محميًا بموجب الدستور ، ويقابل هذا الحق ، حق آخر لا يقل أهمية عن الحق بالملكية، الا وهو الحق بالسكن ، وهو حق كل شخص بمسكن لائق ومستقل تؤمنه الدولة ، ويمكننا تحديد هذا التعريف العام عبر اللجؤ الى المادة الأولى من القانون الفرنسي الصادر بتاريخ 31 /5 /1990 التي تكرس حق السكن عبر التعريف التالي:
Toute personne ou famille éprouvant des difficultés particulières, en raison notamment de l’ inadaptation de ses ressources ou de ses conditions d’ existence, a droit à une aide de la collectivité, dans les conditions fixées par la présente loi, pour accéder à un logement décent et indépendant ou s’y maintenir
هذان الحقان يفرضهما مبدأ تحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية اللتين نصت عليهما الفقرتان ” ج ” و ” ط ” من مقدمة الدستور، ويتكامل مع ما نصت عليه المعاهدات والمواثيق الدولية لاسيما الفقرة الأولى من الماة ٢٥ من الاعلان لحقوق الانسان .
القانون هو وليد المجتمع الذي تتواجد فيه اماكن لا بد ان يوضع لها تشريع خاص ، يعكس احوالها واوضاعها ، بهدف معالجة مشاكلها الاجتماعية والاقتصادية وغيرها .
من هنا جاءت الاهمية الخاصة والتي انتجت قانون ايجارات جديدًا ، يراعى فيه جانب كل من المستأجر بأن لا يتحمل ما لا طاقة له بغنى عنها ، والمالك احتراماً لملكيته الفردية الخاصة ، ومحافظة عليها .
وبعد ما يزيد عن سبعين عاماً على اصدار اول قانون استثنائي للايجارات وما تلاه من قوانين استثنائية متعاقبة اصدر المشترع القانون المنشور بتاريخ ٢٦/٦/ ٢٠١٤ ليصبحنافذأ اعتباراً من تاريخ ۲۷/۱۲/۲۰۱٤ والقانون الصادر بتاريخ ۲۸/ شباط/۲۰۱۷ علهما يضعان حداً لتمديد عقود الايجارات السكنية.
وإبان احتدام الجدل حول موضوع الايجارات ، قانوناً واجتهاداً ، وإزاء تفاقم الأزمة الاجتماعية بما خلقه قانون الايجارات الاخير من تناقضات واشكالات ، وانصافاً لمالك بذل العمر كله حتى يؤمن دخلاً ويصون كرامة ، وانصافاً لمستأجر ايضاً ليس امامه سوى الشارع والعراء ورحمة ربه الواسعة اذا تم اخلاؤه من مسكنه ، رأت لجنة قانون الايجارات انه لا بد من ايجاد اقتراح قانون جديد للايجارات كبديل عن القوانين الاستثنائية المتعاقبة . اضافة الى ان الصراع بات يتأجج اكثر فأكثر بين المالكين والمستأجرين لاسيما وان المشترع عمد في معظم الاحيان الى تمديد قوانين الايجارات الاستثنائية بصورة مستمرة ولم يتمكن بالتالي من ولوج الغاية المرجوة ، وذلك بسبب ثغرات وتناقضات اعترت التمديدات المتوالية .
من هذا المنطلق انكبت لجنة قانوني الايجارات في نقابة المحامين في بيروت على وضع ودرس عدة اقتراحات قوانين وذلك بهدف وضع حد نهائي للاستثنائية التي زادت الاوضاع تفاقماً بين المالك والمستأجر، علها تعيد تنظيم العلاقة الجدية بين الطرفين وتعمل على تحقيق التوازن بين اطراف عقد الإيجار ، وتؤدي الى سد الثغرات والالتباس الاجتهادي والتشريعي المتعلق بتنظيم العلامة التأجيرية، وتصحيح مواضيع الخلل ، وتعزيز الثقة من الناحية المالية والاستثمارية ، وحماية ذوي الدخل المحدود ، لا سيما وان توالي التمديدات الاستثنائية لم تعد تتناسب مع المتطلبات الحالية في مجال النهضة العقارية والاستثمارية وانعاش مرافق الدولة خاصة الخزينة منها .
وكانت لجنة الإيجارات قد عالجت خمسة اقتراحات قوانين ، ناقشها الاعضاء بعمق وجدية بعدما ابدوا عدة آراء واجتهادات صادرة بهذا الشأن ، وقد رفعت اللجنة هذه الاقتراحات الى نقيب المحامين الذي بدوره احالها الى لجنة الادارة والعدل لمناقشتها وابداء الرأي القانوني بغية احالتها الى الهيئة العامة.
وهذه الاقتراحات هي :
1- اقتراح قانون معجل مكرر يرمي الى تعديل المادل 543 من قانون الموجبات والعقود مؤلف من مادة وحيدة تتضمن ثماني فقرات .
2- اقتراح قانون الخيارات القانونية كبديل عن القانون الاستثنائي ,
3- مشروع قانون تعديل المادة 500 من قانون اصول المحاكمات المدنية يتألف من 11 مادة.
4- اقتراح قانون انشاء التجمعات السكنية يتألف من 13 مادة.
5- مشروع قانون يتعلق بتعليق المهل القضائية القانونية والعقدية ، وكان الهدف من مناقشة هذا المشروع هو ان لبنان لا يزال يمرّ في ظروف استثنائية ، سواء على المستوى الامني او الاقتصادي او المالي ، الامر الذي أدى بالمواطن الى عدم تمكّنه من ممارسة حقوقه وواجباته بشكل عادي.
” وقد وضعت اللجنة نظاماً خاصاً بها ” معتبرة من خلاله انها تخضع في اسسها التقريرية الى انظمة نقابة المحامين وقوانينها والتي من بينها قانون تنظيم مهنة المحاماة ، وبالتالي فانها تتقيد بكافة القرارات التي تصدر عن نقيب المحامين ومجلس النقابة ، لا سيما وان اللجنة معينة بموجب قرار صادر عن نقيب المحامين. وقد حددت اهدافها بشكل حصري في النظام الداخلي ” بأنها لجنة ذات اهداف محددة محصورة فقط في اطار ” موضوع قانون الايجارات للاماكن السكنية وغير السكنية“.
اضافة الى ذلك ، ان النظام المذكور تألف من 10 مواد ، تضمن صلاحيات اللجنة ومدة ولايتها وصلاحيات رئيسها ، وامين السرّ ، ولم يكن هنالك أمين للصندوق كونها لجنة تطوعية لا تبغي الربح ، ومن اهم اهدافها ” اعداد مشاريع القوانين “.
بل اكثر من ذلك ، سعت اللجنة الى تطوير مفهومها واعلان المبادئ التي خلقت لتحقيقها ، عبر “اقامة مؤتمرات “ ، كان اهمها المؤتمر الاول الذي عقد في بيت المحامي بتاريخ 14 /7/ 2022 برعاية نقيب المحامين ناضر كاسبار ، والذي عالجت اللجنة من خلاله ” مشروع التجمعات السكنية للحد من هجرة الشباب اللبناني ” عبر تأمين مساكن لهم ، إذ ان الامر اصبح مستوجباً وضرورياً ، بحيث يصار الى انشاء هذه التجمعات في كل المحافظات من لبنان ، وذلك عن طريق تقديم الدولة ودون اي مقابل ومجاناً ، وفي كل محافظة من المحافظات الست مساحة قدرها ما بين 50 و 100 الف متر مربع ، ليصار البناء عليها التجمع السكني بواسطة شركات هندسية ومحلية او اجنبية ، على اساس ” نظام BOT” اي ان يصار الى تسديد قيمة بناء التجمع اقساطا لمدة 25 سنة ، بحيث تصبح قيمة الوحدة السكنية التي تقام على ارض تقدمها الدولة، وبناء الوحدات السكنية بواسطة نظام اقل كلفة.
هذا المشروع المهم والضخم اذا ما تحققت اهدافه فانه يعمل على تنشيط الحركة الاقتصادية والمالية والانمائية في البلاد ويؤمن فرص العمل للعديد من اللبنانيين العاملين في عدة قطاعات من مصانع وشركات ومؤسسات ، ويشجع بالتالي على عودة الشباب اللبناني المغترب ويستقر مجدداً في وطنه الام لبنان.
اما المؤتمر الثاني، عقد بتاريخ 16/ 1/ 2025 في بيت المحامي ، تمحور موضوعه حول اقتراح قانون يرمي الى وضع حد نهائي للتمديد المتواصل لقانون الايجارات الاستثنائي والذي استمر لاكثر من سبعين عاما، الامر الذي ادى الى احداث العديد من الاشكالات بين المالكين والمستاجرين، وهذا الاقتراح هو قانون الخيارات القانونية ، واعتبرت لجنة الايجارات انه من خلال هذا المؤتمر يتوجب عليها ايجاد صيغة جديدة ونهائية لقانون الايجارات ، وذلك عبر العمل تشريعياً بوضع “تشريع جديد “ يؤدي الى الوصول لقاسم مشترك بين المالكين والمستاجرين . فجرى مناقشة اثناء انعقاد هذا المؤتمر الاشكالات التي سادت بين الطرفين المذكورين ، مما ادى بالتالي الى تجميد الحركة العقارية والاقتصادية ، مما استوجب اشراك الدولة في المسؤولية نتيجة التمديد الحاصل منذ عدة سنوات ، وذلك عبر خلق نسب معينة من التعويضات لمساعدة المالكين من استرداد مأجورهم، مقابل ذلك تامين السكن للمستأجرين . آملةً اللجنة في ختام هذا المؤتمر ان يخلق ” مفهوماً يضع حدا لقلق يساور المالك خوفاً على ملكيته والمستأجر خوفا على ايجارته مفهوماً ينظم العلاقة التأجيرية بشكل منطقي وعادل”.
وفي الختام،
وبعد ان استعرضت ما قامت به لجنة قانون الايجارات من مهام واعمال قانونية ومناقشة اقتراحات ومشاريع قوانين وادت بالتالي وظيفتها القانونية والمهنية وفقاً للقوانين والانظمة العائدة لنقابة المحامين في بيروت، لابد ان اشير الى انه من واجب المشرّع اللبناني ، ان يكون جدياً وجذرياً في ايجاد الحلول للمشاكل التي تعتري قانون الايجارات منذ عقود، وان يأخذ بكل حزم وعن جدارة معالجة المساوئ التي عانى منها المواطن اللبناني، بغية تأمين الاستقرار وازالة المخاوف، وتحقيق الامن الاجتماعي، وذلك بهدف تطبيق المبادئ الدستورية والفقهية دون اهمال او ابعاد النقاط الاساسية التي تراعي وضع القوانين والتشريعات.
وهذا ما اشار اليه المجلس الدستوري بشكل واضح واساسي نتيجة الطعن بقانون الايجارات في القرار رقم 6/2014 تاريخ 6/ 8/ 2014 اثناء تطرقه وفق ما دعاه “البعد السوسيولوجي الاجتماعي “ لقانون الايجارات حيث جاء فيه حرفياً :
” وبما ان القانون المطعون فيه يتصف بطابع القانون البرنامج ” Loi Programme” اذ يتضمن عناصر متكاملة من خلال ارسائه قواعد حقوقية ، وآليات تطبيق متعددة ومتدرجة زمنياً سعياًُ لمعالجة مسألة ليست محض قانونية بالمعنى الحصري ، بل اقتصادية واجتماعية متراكمة زمنياً ، وبالتالي سعياً للتوفيق بين حقوق متضاربة ، ولذا من الضروري التحقق من دستوريته بمقاربة شمولية لعناصره المتعددة والمتكاملة …”



