سجلوا عندكم

البطريرك الحويك: رفع اسم لبنان عاليًا منذ تاريخ الاستقلال

Views: 108

المحامي شارل الخوري يوسف أبي صعب

تلقينا بفرح كبير وبغبطة لا توصف نبأ اعلان البطريرك الحويك طوباويًا لنهنئ أنفسنا وعائلته ولبنان بهذا الخبر الرّوحي والوطني الذي يشمل كافة الطوائف والفئات اللّبنانيّة على اختلاف انتماءتها ومشاربها، لأنه مثل لبنان في فرنسا عن كافة الطوائف ونادى باستقلال هذا الوطن الذي آمن به خلود الإيمان في النفوس. 

  وعندما كانت تشتدّ النكبات وتتوالى الأحداث على لبنان كان هذا البطريرك المؤمن، المتجذر بتراب بلده يدعو إلى الصلاة وتلاوة القداديس رفع الشدائد عن كاهل الببنانيين كما حدث أثناء الحرب الكونيّة الأولى، اذ وضع الأتراك خطة رهيبة مقصودة لتجويع لبنان وإبادة أكبر عدد من سكانه، بواسطة الطاغية  جمال باشا السفاح الذي كان يستولي أو يحاول الاستيلاء على كل ما تنتج سوريا ولبنان من وسائل العيش وينقله الى الجنود الأتراك والألمان في أوروبا، ويترك الشعب فريسة للمرض والجوع والموت والهلاك. وما يزال الأحياء يذكرون تلك المآسي الرهيبة التي مرت بهم، وعصفت بحياة الكثيرين من ذويهم وكيف كان البعض يموتون في الطرقات، وهم يبحثون عن شيء يقتاتون به. وان خسارة لبنان في الأرواح في تلك الحرب بلغت المئة ألف نسمة.

    المؤرخ الخوري يوسف أبي صعب ولكثرة تعلقه بايمان ووطنيّة هذا البطريرك العظيم والذي اتخذه كرمز يحتذى به في الكهنوت والرسالة الرّوحيّة التي ينذر الكاهن نفسه من أجلها، أتى على ذكره في مؤلفه “تاريخ الكفور كسروان وأسرها” وذلك أثناء سرده عن بعض العائلا ت الكفوريّة ورجالاتها العظام، كأسرة صافي التي نبغ منها خليل اسكندر صافي وكان من بين الذين سعوا الى تأسيس الجمعيّة السّوريّة اللّبنانيّة في عاصمة الأرغواي. وأول رئيس اقيم عليها وجدد انتخابه أكثر من ست مرات إلى حين انقلابها إلى اسم النادي اللبناني سنة ١٩۲۰. وكان من مؤسسي الصّليب الأحمر الفرنسي الرّوسي وترأسه، وسنة ١٩۰۷ اقنع حكومة الأرغواي بان تعتبر السّوري واللّبناني من الجنس الأبيض وتأمر بدخولهم البلاد. وفي سنة ١٩١٦ إبان الحرب الكونيّة الأولى سعى لتأليف لجنة وطنيّة لبنانيّة سورية للدفاع عنهما والمطالبة باستقلال لبنان بواسطة الحلفاء وكان رئيسًا عليها حتى آب سنة ١٩٢٢ حيث تغير اسمها من لجنة إلى جمعية العهد الوطني اللّبناني وترأسها ست مرات. وقد أرسلت المساعادات المالية إلى الصّليب الأحمر الدّولي وإلى مشوهي الحرب في باريس كما أنها بعثث أثني عشر ألف ريالًا إسعافًا للبنان بواسطة وزارة الخارجيّة الفرنسيّة. وكان لها مخابرات مع الجمعيات اللّبنانيّة في نيويورك، البرازيل، الأرجتين والمكسيك. وقد أرسلت التلغرافات إلى مؤتمر الصلح في فرساي طالبة منه أن يلبي طلب البطريرك الحويك وحاشيته باستقلال لبنان.

 

إضافة إلى ذلك نشر المؤرخ أبي صعب بعض الوثائق العائدة للبطريرك الحويك كتلك المنشورة عند تكلمه عن أسرة علام نورد ما جاء عنها حرفيًا في كتاب “تاريخ الكفور كسروان وأسرها”: “كان حنا الفتى ابن أبي علام عبداللّه الفتى نافذ الكلمة لدى الأمراء والحكام في أيامه. فأحبه مواطنوه الجدد أهالي الجديدة. وكان له أملاك في ضبيّه يقيم فيها شتاءً. ويوقع اسمه كمناصب البلاد. وقرأنا توقيعه في كتاب كشف النقاب عن بقعة بيت شباب الجزء الثالث ص ٣۷ وتاريخ الرهبانيّة الأنطونيانية ص ٢٤٦ و٢٤٨ عند تسليم دير مار جرجس ضبيّه إلى الرّهبانيّة المذكورة سنة ١۷٤۰ هكذا: “ الشيخ بو يوسف حنا الفتى من قرية بلوزا من أقارب المطران مخايل البلوزاني” إنّ المطران مخايل البلوزاني هذا كان مطران بانياس وحلب وابن شقيق البطريرك جبرائيل البلوزاني. ومما لا ريب فيه أنّهم كانوا أنسباء من عائلة واحدة ومن قرية واحدة. وهذه القرابة كانت أبوية لا بالمصاهرة. وتوفي حنا في منتصف الجيل الثامن عشر شيخًا معمرًا. وكان له أملاك (عودة توت) في سرعل استأجرها البطريرك يوحنا الصفراوي. وهذه صورة الإيجار:

يوحنا البطريرك (مكان الختم)

وجه التحرير الأحرف هو أن حضر قدامنا حنا ابن الفتى وأجرنا توته الذي في قرية سرعل إلى دير قنوبين في مدة ثلاث سنين. وكلّ سنة يصال إليه أجاره ثلاث قروش مكفًا ولم يكون عليه شيء أبدًا من جميع الهوايت (كذا) الذّي تجنى على التوت المذكور وكتبنا له ذلك بيده لوقت الحاجة إليه وصار ذلك سنة ١٦٥٥ ربانية صح  

شهود الحال

المطران جرجس          المطران يعقوب         القس الياس      الشّدقياق جبرايل

          البشعلاني                   الرامي              الغزراني           البلوزاني

 

   وبعدئذ سلّم هذه العودة للبطريركية، بيت علام، كأمانة ووداعة وتعهد البطاركة على التعاقب بموجب أوراق محفوظة عند أولاد المرحوم يوسف بن علام حنا علام، وقرأنا طبق الأصل لها في السّجل البطريركي الثّاني – بكركي – ص ۷۷. وقد طالب مؤخرًا أبناء علام بملكهم على عهد السعيد الذكر البطريرك الحويك فلم يحصلوا على نتيجة نظرًا لمرور الزّمن ولعدم معرفتهم بمكانه وحدوده ولأن أملاك سرعل أكثرها لسيدة قنوبين. والبطاركة كانوا يدفعون لبيت علام كل سنة ثلاث غروش واعفوهم من العشور بمثابة اثبات لملكيتهم. ولا بد لنا من نقل ورقتين من الأوراق التي طالعناها.

الأولى من البطريرك الدّويهي: 

                                         اسطفان بطرس                       (مكان الختم)        البطريرك الإنطاكيّ 

 

أمّا عن مشاهيرعائلة الفغالي، فقد كان المثلث الرحمات العلامة المطران بطرس الفغالي في طليعة رجال الدّين الذين عددهم المرحوم حنا الخوري الفغالي في تاريخ العائلة المخطوط أكثر من ۷٥ كاهنًا، كان النائب البطريركي ورئيس أساقفة حماه شرفًا ورأسه البطريرك الحويك على ديوانه لأنه كان في أعماله وأقواله مثال الإستقالة والعدل والفلسفة النّاضجة والوجدان الصحيح، والمجمع المقدّس أثنى عليه عدّة مرات في أجوبته لتقديره حسن ضبط وسير محاضره وأشغاله .

   وهو من أرسخ الأساقفة المارونيين علمًا ووداعة وتقوى، ولذلك لا تسمع له جعجعة فارغة. وعندما توفي المثلث الرحمات البطريرك الحويك شخصت الأبصار إلى اسقف هو المطران عبداللّه الخوري وختمت القلوب على اسقف هو المطران الفغالي. إلّا أنّ الفغالي لا يأبه لرهرهة العروش فهو كاهن وحسب. انك لا تراه حتى تتمثّل أمام عينيك الكمال الكهنوتي فتهنىء لطائفة المارونية وهذا الشّرق بحبر، وهو مثال للبر وللعفة، للتجرد المسيحيّ، للتساهل، للوداعة، للحكمة، فهو على كماله الرّوحي لا يدعي الكمال لنفسه… “

  ولا بدّ من التنويه بأن المطران فغالي كان أحد أعضاء الوفد اللّبنانيّ الذي ترأسه غبطة البطريرك الحويك سنة ١٩١٩ لدى جمعية الأمم للمطالبة باستقلال لبنان. وفي أيام الحرب الكونيّة الأولى استلم الكرسيّ البطريركيّ في الدّيمان فحافظ عليها وعني بحياة الشّركاء والفقراء.

 

أمّا عن الخوري مخايل الفغالي: 

عيّن البطريرك الحويك الخوراسقف مخايل الفغالي وكيلًا بطريركيًا في باريس وهو كاهن مشهوربعلمه وفضيلته وله منزلة كبيرة لدى الحكومة الفرنسيّة  فتلقت هذا التّعيين جبين الرّضى. وكتب المسيو بريان وزير الخارجية يشكر البطريرك الحويك على ذلك، ويدعو “Déléguéالوكيل بالإفرنسية “.

(المرجع كتاب دلائل العناية الصمدانية في ترجمة معلّي منار الطائفة المارونية مار الياس بطرس الحويك، لمؤلفه الأب ابراهيم حرفوش – صفحة ٦۷٤ )

   تطرّق المؤرخ أبي صعب أثناء تأريخه حياة وأعمال وانجازات الكهنة الذين انجبتهم الدوحة الصعبيّة، الى الذين كانت لهم صلة بالبطريرك الحويك أمثال الخوري مخايل بن طنوس أبي صعب الذي كان يقضي متنقلًا من عيادة المرضى واسعاف المنازعين، إلى التأمّل والصّلاة، إلى مطالعة اللاهوت والكتب الرّوحيّة، إلى الوعظ والإرشاد أيام الأحاد والأعياد كما تأمر قوانين الكنيسة المقدّسة خدمة الرّعايا، محسنًا إلى الجميع أغنياء وفقراء. حتى أصبحت ثقة أصحاب الغبطة المثلثي الرحمات بطاركة طائفتنا يوسف حبيش ويوسف الخازن وبولس مسعد ويوحنا الحاج والياس الحويك كبيرة جدًا به وبأولاده.

 الأمير بشير الكبير والأمير حيدر أبي اللّمع قائمقام النّصارى أحبا هذا الكاهن لحسن سيرته وسريرته ودعته وجرأته. وكان نفوذه عظيمًا عندهما يستعين بالشيخين سلوم ومنصور الدحداحيين اللذين رباهما وثقفهما وكانا من كبار موظفي قصريهما. فكانا يقفان على خاطره ويتممان له رغائبه. وقد استخدم نفوذه في مساعدة كل من أتاه قاصدًا خدمته من أولاد قريته وغيرهم دون تمييز بينهم.

كذلك الخورأسقف بولس أبي صعب: إنّ المثلّث الرّحمات البطريرك الحويك، أول من عني بتعيين كهنة للموارنة في كلّ الأقطار الأميركيّة، والأفرنسيّة يقيمون لهم الرياضات والحفلات الروحيّة ويبنون لهم الكنائس ويؤسسون لهم الجمعيات ويذكرونهم بالوطن الأم. فأرسل للمترجم أمرًا سنة ١٩۰٤ أن يذهب إلى أميركا ويتفقد شؤون الطّائفة هناك. فأبحر إلى الولايات المتحدة. وأعلنت خبر وصوله جريدة الهدى ولم يكن الخبر يعمّ البلاد حتى أتخذت تتدفق عليه الرسائل من أولاد طائفته يدعونه بها لزيارتهم وخدمتهم الرّوحيّة. وقدّموا طلبًا لمطران الأبرشيّة هناك ولغبطة السّيد البطريرك الحويك ليكون كاهنهم الشّرعي فلباهم. 

كلّما طالت إقامة صاحب التّرجمة في أميركا ازداد شهرة وتجلّى للعيان ما تحلّى به من فضائل وصلاح وبرٍ وعلم وطيب شمائل وكثر أصدقاؤه ومقدروه. وعميد لبنان الحويك الذي كان رفيقًا للمترجم في الكليّة الاكليريكيّة في أوائل عهد تأسيسها في غزير. وكان عالمًا بأعمال وتقوى وفضل وغيرة هذا الشّيخ الجليل والأب الصالح الذي خدم الجاليّة اللّبنانيّة والطائفة المارونيّة في حقليّ الدين والدنيا . وأعماله هذه أهلته أن يكافئه على أتباعه ومآثره وحسن قيامه بمهام وظيفته أن يرفعه إلى رتبة الخورأسقف في حزيران سنة ١٩٣١ في براءة خطية مع كل ما يتبعها من الإنعامات، كلبس الخاتم والتّقديس بالعصا والتّاج بمناسبة مرور خمسين سنة على سيامته كاهنًا. 

أنعم غبطة البطريرك المجبل مار الياس بطرس الحويك بطريرك الطائفة المارونية على الخوري بولس أبي صعب برتبة “الخوأسقفية” – انعام محله ولاقى أهله – أنعام على استحقاق كثير لخدم كثيرة في سبيل اللّه والوطن – لحياة طويلة طافحة بجليل الأعمال الطيبة – فائحة بعرف العوارف الطيبة – لفضائل مسيحيّة كاملة – لشمائل عالية شاملة – لخير كثير – لفضل غزير – لتهذيب عال – لتعليم صحيح – لرجل العلم والنبل والطهر والفضل والبر والبذل – للعالم الفاضل – للمعلم الفاضل – للمرشد الكامل – للمهذب العاقل – لكاهن اللّه الحقيقي الوديع المتواضع – 

والموسنيور مخايل أبي صعب لما علم بما جرى له عمه المنسنيور بولس أبي صعب المذكور آنفًا استدعاه إلى حيث يقيم في الولايات المتحدة سنة ١٩٦۰ وأرسله بأمر سياة مطران الأبرشية إلى جامعة سان سولبيس في مدينة مونتريال – كندا – لأجل اقتباس العلوم الفلسفيّة ومراجعة علم اللاهوت والتّعمق في أسرار اللغات الإنكليزية، والأفرنسية واللاتنية واليونانيّة، فضلًا عن تضلعه باللغتين العربيّة والسّريانيّة. وبعد أن حصل على الشّهادات العاليّة متخرجًا من تلك الإكليريكيّة الكبرى رقاه رئيس أساقفة مونتريال بولس بروشاسي في كاتدرائية سان جيمس، إلى درجة الكهنوت المقدّسة في ٢٣ كانون الأول سنة ١٩١١ بعد الإجازة من غبطة السّيد البطريرك الياس الحويك وبأمر الكرسي الرّسولي ومصادقتها على كتابة البطريرك وبرضى سيادة مطران سبرنغفيلد واستشارة القاصد الرّسولي في واشنطن. وكان احتفال سيامته في الكنيسة الكتدرائية حافلًا  بالجماهير العديدة يتقدمهم نيافة القاصد الرّسولي والسادات المطارنة مع جمهور غفير من الكهنة واللبنانيين والسوريين وقنصلي فرنسا وانكلترا. ودعي باسم مخايل. 

  أمّا عن الخوري بطرس أبي صعب الثّاني، فقد ترافق تاريخ رسامته الكهنوتيّة مع زيارة  المثلث الرحمة عميد لبنان الأكبر البطريرك الحويك  مدرسة مار عبدا هرهريا وانتقل منها إلى غزير فاستقبله الأباء اليسوعيون وأهالي القصبة بمزيد الاكرام ونزل ضيفًا عليهم. وفي الكنيسة انبرى المترجم وألقى خطابًا بليغًا كالدرر حاسًا الغزيريين على التكاتف حول غبطته وتوحيد كلمتهم ثمّ تخطى الى التنويه بذكر محامد وأفضال الأباء اليسوعيين العميمة على الطائفة المارونيّة وقد أثنى الثناء العاطر على الدّولة الأفرنسيّة لما تبديه من الأعمال المبرورة المشكورة. وختم كلامه بالشكر لغبطته والدعاء له كثيرًا حتى دهش الجمع الحاضر في وسط الكنيسة من كلام هذا الخطيب  الفيلسوف وشهدوا بسعة علمه. والسّعيد الذكر الحويك لقبّه: “بفريد دهره وواحد عصره” 

  وكان ان انتدبه المثلث الرحمة البطريرط الحويك مع الخوري بولس عقل (المطران بعدئذ) لمعاونة المطران عواد في تنظيم شؤون مدرسة مار عبدا هرهريا عند وفاة رئيسها المنسيور يوسف آصاف. وكان الخوري بولس عقل يعرف الخوري بطرس المترجم ويحبه ويحترمه ويقدر فضائله وعلومه قدرها. فشاركني مشاركة فعالة تذكر بالشكر في العناية به قائلًا لى: “يجب أن نبذل كل ما في وسعنا لصيانة حياة هذا الكاهن المفيدة” وأرسل إلى بيروت من دعا الأطباء يوسف زياده وابراهيم صوما وصعب لمعالجته. 

أمّا نسيبه شكري أبي صعب كانت جمعيّة التّحالف اللّبنانيّ في بوينس أيرس قد أصدرت جريدة سياسيّة سنة ١٩١٩ لتكون صوتًا صارخًا للبنانيين للدفاع عن استقلالهم الثّابت ولتأييد الحماية الأفرنسية لهذا الإستقلال، دعوها باسم “التحالف اللّبناني” كان شكري ينشر فيها آراءه وأفكاره وكان يفهم بالإنتداب تفهم إرشاد لا سيطرة. ولأنّه كان عارفًا بأنّ لبنان بحاجة إلى إشراف ومساعدة فرنسا لتنظم أموره اقتصاديًّا وسياسيًا وإداريًا. وهذا ما أراده اللبنانيون بلسان مجلس إدارة الجبل. وهكذا فعلت جمعيّة إتحاد الطّوائف المسيحيّة في بيروت مع اللّجنة الأميركية. وهذا ما جهر به عميد لبنان الأكبر المثلث الرّحمات البطريرك الحويك وكان قد فوضّه عموم اللبنانيين على اختلاف طوائفهم ليعرض على مؤتمر الصلح خلاصة مطاليبهم. فقدم غبطته إلى مؤتمر السّلام مذكرة إضافيّة ضمنها مطاليب اللبنانيين التي منها توسيع لبنان وتأييده بحدوده الطبيعيّة والتّاريخيّة تحت مراقبة ومعاونة فرنسا لتشرده وتعني بأموره وشؤونه عناية صادقة. وقد تطرق إلى التنويه لما بين لبنان وفرنسا من الصلات التّاريخية العريقة مما يحدو به إلى اختيارها لهذه المهمة…

 

كان شكري عالمًا بالخطر الذي يهدد لبنان في الدّاخل والخارج. ومن مواصلة سعي الأمير فيصل لادماج لبنان في سوريا وحمل الحلفاء على عدهما في جملة الممالك العربية… فأخذ يعمل بكل قواه لاستمالة لبنان إليه ليضمه إلى سوريا التي تسمّى أميرًا عليها. وجعل اعترافه الصّريح بالإنتداب الفرنساوي على سوريا ولبنان معلّقًا على هذا الشّرط…

وقد عارض غبطة البطريرك الحويك لهذا الإقتراح. فأجابوه: انه إذا أصرّ لبنان على الرّفض فإنّه يحصر ضمن الحدود التي كانت له قبل الحرب بحيث يحرم سهوله وموانيه. فكان جواب البطريرك على هذا التهديد ما يأتي: “أننا نفصل الموت جوعًا في ظل صخورنا على أن نكون تابعين لدمشق”. فجاء جواب البطريرك معربًا عن عواطف جميع اللبنانيين وسكان الأقاليم التي انفصلت عن لبنان في عهد الأتراك على أثر خلع الأمير بشير الثّاني الكبير.

أمّا المؤرخ أبي صعب، فقد كتب عن رحلته إلى فرنسا واسبانيا وايطاليا بتاريخ ٣۲/٩/١٩٩٩ وذلك بمناسبة إعلان الطوباوي شربل قديسًا، وأثناء تجواله في فرنسا زار قصر فيرساي وتكلّم بشكل مفصّل ومسهب عما يحتويه هذا القصر من آثار ورموز تعود إلى قرون غابرة . ومما قاله حرفيًا في هذا الصدد: ” انتقلنا إلى قصور فرسايل التي عدد غرفها ۲۰۰۰ غرفة. مررنا بقوس النّصر المربع الشّكل والمحفور على حيطانه تماثيل نافرة تمثل أهم معارك نابوليون. ثمّ تحت برج ايفل. وتابعنا سيرنا بين الغابات وتحت الأنفاق مدّة نصف ساعة بالأتوبيس إلى أن وصلنا إلى فرسايل. فالقصور ابتدأ ببنائها الملك لويس الثالث عشر ضمن غابة كبيرة من الأشجار. ولكن لويس الرابع عشر أتمها. وعلى مدخلها الرّسمي تمثاله راكبًا على جواده من البرونز في ساحة كبيرة محاطة بتصوينةوعليها درابزون وبوابته الكبيرة عليها اشارات الإنتصار وساعة كبيرة. والقصور محاطة بجنائن زهور متنوعة الألوان والأجناس وبحيرات. 

وتقوم فرساي غربي باريس على بعد عشرين كيلومترًا وقصرها الذي يعد من أعظم أرباب الفن الدرسي الأفرنسي الذين أفرغوا كل عبقريتهم في هندسته الخارجيّة وتزيينه الدّاخلي وهندمة حدائقه السّاحرة. 

ولجنا القصر من جهته اليمنى وصعدنا بدرج واسع وله درابزون من النّحاس. فيه كنيسة بداخلها فن من الرّسوم البديعة ثمّ المساكن التّاريخيّة، كمخدع الملك ودار المرايا ذات الثلاث والسّبعين مترًا طولًا، وهي معجزة فنيّة زينت جدرانها بريشة الفنان برون وفيها قد تمت معاهدة الصلح بعد الحرب الكبرى الأولى سنة  ١٩١٨ ولم تزل الطاولة التي وقعت عليها المعاهدة. وفي فرسايل حضر السّعيد الذّكر البطريرك الياس الحويك ممثلًا جميع الطّوائف اللّبنانيّة ومفوضًا من مجلس الإدارة بالمطالبة باستقلال لبنان.”

  البطريرك الحويك لم يتجاوز المبادىء التي وضعها نضب عينيه، ولم يحيد عن الرّكائز التي يجب أن تبنى عليها الأوطان وتصان.

فرغم الخيارات التي كانت مطروحة أمامه، لم يأبه إلّا لخيار واحد هو “لبنان” فقط وطنه العزيز الموحد السّيد والمستقل. أليس هو القائل: “لبنان ليس قطعة من وطن بل هو الوطن كلّه”.

 علّ اللبنانيين ينسجون على منواله في حب وطنهم، ويضحون في سبيله، ويتعالوا عن مصالحهم الشّخصيّة، لتصب هذه المصالح في خدمة “المجتمع الإنسان” الإنسان الذي يستحق أن يعيش بكرامة ونزاهة.

 

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *