لبنان… الدولة العميقة التي لا تعيش إلا في ظل الوصايات
د. زهير علامة
ليس أخطر ما يواجه لبنان أزمة اقتصادية أو انهيار مالي أو فراغ سياسي، بل وجود دولة عميقة نجحت، على مدى أكثر من أربعة عقود، في مصادرة الدولة وتحويلها إلى أداة لخدمة مصالحها، حتى أصبح الوطن أسيراً لمنظومة لا تستطيع العيش إلا تحت ظل وصاية خارجية.
هذه المنظومة لا تؤمن بلبنان القوي، لأن الدولة القوية تعني نهاية امتيازاتها.
ولا تؤمن بالمواطنة، لأن المواطن الحر لا يُشترى ولا يُستعبد.
ولا تؤمن بالمؤسسات، لأن المؤسسات المستقلة تُسقط منطق المحاصصة والاحتكار.
كلما بدأت وصاية خارجية بالانحسار، سارعت هذه الطبقة الحاكمة إلى البحث عن وصاية جديدة. لا يهم اسم العاصمة، ولا لون العلم، ولا هوية الحليف؛ المهم أن تبقى السلطة والنفوذ والامتيازات. وكأن لبنان ليس وطناً مستقلاً، بل ساحة تُؤجَّر لمن يدفع الثمن السياسي الأكبر.
لقد تحولت البلاد إلى رهينة دورة مدمرة: انهيار، ثم استدعاء الخارج، ثم تسويات، ثم تقاسم نفوذ، ثم فساد، ثم انهيار جديد. وفي كل مرة يُطلب من اللبنانيين أن يدفعوا الثمن، بينما ينجو أصحاب القرار من المحاسبة ويعيدون إنتاج أنفسهم بثوب جديد وشعارات جديدة.
إن أخطر ما فعلته هذه المنظومة أنها أقنعت الناس بأن لبنان لا يستطيع أن يعيش إلا تحت مظلة الخارج، بينما الحقيقة أن الذي لا يستطيع العيش من دون الخارج هو الدولة العميقة التي تستمد شرعيتها من الوصايات لا من الشعب.
فكل وصاية كانت تعني فرصة جديدة لتقاسم الحصص، وتقوية شبكات المحسوبيات، وإضعاف القضاء، وشل المؤسسات، وإغراق الدولة في الديون، وإبقاء المواطن أسيراً للخوف والفقر والانقسام.
أما اللبنانيون، فقد أثبتوا في كل أنحاء العالم أنهم قادرون على بناء الدول والاقتصادات والمؤسسات. الطبيب اللبناني، والمهندس، والأستاذ الجامعي، ورجل الأعمال، والعامل، والمزارع، والقاضي النزيه، والعسكري الشريف… جميعهم نجحوا حيث وجدت دولة تحترم الكفاءة. فكيف يُقال إن شعباً بهذا المستوى عاجز عن إدارة وطنه؟
الحقيقة أن المشكلة لم تكن يوماً في الشعب، بل في منظومة جعلت الفساد أسلوب حكم، والطائفية والزبائنية وسيلة سيطرة، والوصاية الخارجية ضمانة لبقائها.
لبنان لا يحتاج إلى وصاية جديدة، ولا إلى تسوية جديدة تُبقي المنظومة نفسها مع تغيير الوجوه.
لبنان يحتاج إلى تفكيك الدولة العميقة التي عطّلت الدستور، وأفرغت المؤسسات من مضمونها، وربطت القرار الوطني بحسابات الخارج، وجعلت المواطن آخر اهتماماتها.
إن أي مشروع لإنقاذ لبنان لن ينجح إذا اقتصر على إصلاحات مالية أو اقتصادية، لأن أصل الداء سياسي وأخلاقي. فلا يمكن بناء اقتصاد سليم فوق منظومة تحمي الفساد، ولا يمكن قيام قضاء مستقل في ظل سلطة تخشى المحاسبة، ولا يمكن قيام دولة سيدة بينما قرارها يُستجدى من الخارج.
لقد آن الأوان لاستعادة الجمهورية من قبضة من اختطفوها، واستعادة الدولة من الدولة العميقة، وإعادة الاعتبار لمفهوم المواطنة، بحيث يكون الولاء للبنان وحده، لا لأي محور أو وصاية أو مصلحة خارجية.
إن لبنان لا ينقصه الرجال والنساء الأكفاء، ولا العقول، ولا الإمكانات. ما ينقصه هو التحرر من منظومة جعلت الوصاية ثقافة، والفساد نظاماً، والطائفية وسيلة حكم.
وعندما يقرر اللبنانيون أن تكون مرجعيتهم الدولة وحدها، وأن السيادة لا تُجزأ، وأن المحاسبة لا تستثني أحداً، عندها فقط يبدأ سقوط الدولة العميقة، ويبدأ قيام دولة القانون.
فالأوطان لا تبنيها الوصايات…
بل يبنيها شعب حر، ومؤسسات حرة، ودولة لا تخضع إلا لدستورها وإرادة مواطنيها.



