سنظلُّ نسمعُه ونقرأه ونُغنّيه حتى يطلعُ الضوء
سليمان بختي
سنة بلا زياد الرحباني .ولا تزال نسمع وقع خطاه على الرصيف المجاور والشارع الأليف. سنة بلا سخرية تكشفنا . ولا بيانو يوجعنا. وبلا جملة تقول ما نخاف ان نقوله. وبلا لحظة مسرحية لا نعرف فيها هل نضحك على ماساتنا ام نبكي على احوالنا. لو ان الجنازات تتكلم لقالت عنا. في مصر يتذكرون الجنازات التاريخية مثل جنازة جمال عبد الناصر وام كلثوم وعبد الحليم حافظ. في بيروت نتذكر تلك الجنازة التاريخية للفنان زياد الرحباني التي انطلقت في مسيرة عفوية صامتة رافقته من شارع عبد العزيز حتى اخر شارع الحمرا. مسيرة مكللة بالصمت والدموع . ورود حمراء ودموع كثيرة واسى. كأنه احد اقرب المقربين الى كل واحد منهم.
زياد الرحباني كان قيمة ليس فقط في الانجاز الغني الخالص بل في كونه سجل وحدانيا وفنيا وسياسيا لجيل كامل واكثر عبر ادوات موسيقية ومسرحية غير مسبوقة في السياق اللبناني والعربي.
ينتمي زياد الرحباني الى النهضويين الكبار الذين عرفناهم في تاريخنا حيث الثقافة هي المعرفة الواعية ممزوجة بالكرامة وبالنزاهة الفكرية والأخلاقية والوطنية والإلتزام العميق بقضايا المجتمع. ذات مرة قالت السيدة فيروز عنه ان قوة زياد تاتي من نظرته للانسان والمجتمع في بلادنا. وزياد هو هو كما عرفناه ابن عاصي وفيروز وابن السبعينيات وابن اليسار الاصلاحي وابن الحرب اللبنانية وابن راس بيروت.
نتحمل جميعا المسؤولية باننا لم نستطع انقاذ زياد والحفاظ على صحته وسلامته باعتباره ثروة وطنية. فهل يمكننا اليوم في ذكراه الاولى ان نحفظ ونصون هذا التراث العظيم الذي تركه زياد من الضياع واقصد البرامج الإذاعية والتسجيلية والمسرحيات والنوطات الموسيقية وذلك من خلال ارشفة رقمية شاملة، ومن خلال اعادة نشر اعماله المسرحية لتبقى متداولة في يد كل جيل من هواة المسرح.اقترح ان يكون هناك مؤسسة او مركز يحمل اسمه وفيه بحث أرشيفي كامل لكل اعماله. وايضا تشجيع الدراسات الجامعية للبحث حول اثره في المسرح اللبناني والعربي ودوره في تطوير الموسيقى اللبنانية والعربية. وكذلك تنظيم امسيات وعروض سنوية تعيد تقديم اعماله لجيل لم يعاصر عروضها الاصلية. وانتاج اعمال توثيقية تروي تجربته وسيرته وكفاحه.
ثمة ما لا يمكن تعويضه مع زياد الرحباني كمن اقام طويلا في عالم الدهشة ، وانى له ان يستفيق. ولكننا معه اهتدينا الى حكمة الإصغاء الى نبض الروح وشغفها، وإلى نبض الشعب، وإلى نبرة الاعتراض على السائد والمنجز والبلاغة وسؤ التفاهم الشامل مع السلطة والموروث والبلاد والحياة. ولكن برأيي ان افضل تكريم لزياد الرحباني ان يبقى صوته حاضرا في النقاش العام لا كايقونة بل كمراة تعكس واقعا لبنانيا إنسانيا مأزوما ولم يتغير كثيرا منذ قاربه زياد لأول مرة. زياد الرحباني علمنا ان السخرية هي اخر سلاح الضعيف. ويضيف:”ومش بس هيك وعمبيصادروه كمان”. وقال ذات مرة :”انا ما يعمل فن للمتاحف . الفن يا بيعيش مع الناس يا بيموت”. زياد لا يريد تماثيل يريد شغل ويخاف ان ننسى حالنا في الغمرة. قال”المهم مش انه تتذكرني المهم انك ما تنسى حالك”.
هناك سؤال اود ان اطرحه هنا ومستمد من تجربة زياد ونراها اليوم تنسحب على الكثير من المبدعين. لماذا المبدعون الكبار يغادرون المسرح او ينكفئون في بيوتهم او يغادرون البلاد؟ لان المبدع يموت لما لا يسمعه احد او يفهمه احد . في اخر أيامه أجاب زياد الرحباني عن سؤال حول الموت. قال:” انا ما بخاف من الموت . بخاف من النسيان . الموت شغلة شخصية . النسيان شغلة وطنية”. بعد سنة على رحيله ترانا نعيش الوضع نفسه والحكي نفسه والخوف الذي عانى منه زياد . هناك مبدعين يغادرون. هناك بيوت وشوارع تقفل وقرى تتدمر. وهناك دفاتر “عمتتسكر” . ونحن نحتفل بالذكرى ولا تحل المشكلة .
الوفاء لزياد ان لا تتسكر دفاتره ابدا . زياد صار سؤالًا. صار طريقة تفكير. صار تحدي . اليوم وعد وليس ذكرى. وعد لأن يظل صوته يصل الى من يحتاجه. وان نظل نسمعه ونقرأه ونغنيه.
ويظل نتاجه الغني جزءا من تاريخنا، ويظل مفتوحا للسؤال في كل اتجاه حتى يطلع الضوء .
***
*ألقيت في ندوة” تحية الى زياد الرحباني” في ذكراه الاولى برعاية وزارة الثقافة، وبدعوة من “جمعية معا لغد افضل” في دار الندوة.



