سجلوا عندكم

جديد دار نلسن: “جَسَدٌ مِنْ عُمرِ الرِّيح!” لـ أدال بشاره الحوراني

Views: 64

صدر عن “دار نلسن في بيروت” ديوان “جَسَدٌ مِنْ عُمرِ الرِّيح! ” للأديبة أدال بشاره الحوراني. في ما يلي المقدّمة بقلم د. ربيعة ابي فاضل ومقتطفات من الديوان.

 

المقدمة

جَسَدُ الرِّيح!

مَيَّز عبد القاهر الجرجاني، في مقام حديثه عن طَبْعِ الشِّعر، التَّفَهَ أّيّ الْغَثَّ والْخَسَّ، لا حلاوةَ له، ولا مرارةَ، مِنَ الحلو اللّذيذ. وهذا النّوعُ الثّاني العذبُ، الأَنيقُ، الرّشيقُ، الخَلوبُ، الرّائعُ، لا يَرجعُ إلى ظاهر الوضع اللّغويّ، وإلى رَنينِ الحروف، وحَسبُ، بَلْ إلى أَمرٍ يقعُ منَ المرءِ في فؤادِهِ، وَفضلٍ يَقتدحُه العقلُ من زناده! (أسرار البلاغة 3، 311).

ولئنْ كانَتْ قصيدةُ النّثرِ، أَو كما أُوثِرُ تَسميةَ نَصِّها “النّثرُ الشّاعر”، أَزْعجا مُتذوِّقي النَّظم العمودي، فَطاردُوها بنظريّاتهم، واجتهاداتهم، وتَأويلاتهم، فإنَّ الإبداعَ الفنيَّ، في مُعظم حقولِه، التجأَ إلى ثلاثة أَساليب من دونِ تردّد أَو حياء: الموهبة والثّقافة، أَوّلًا، والحرّيَّة والجمال، ثانيًا، والانضباط والانطلاق معًا، بلا حدودٍ أَو قيود.

فأيُّ حلو لذيذ لا يَستيقظُ من مَنجَم التّفاهة بَلْ مِنْ نهضةِ العقلِ، ووَلَهِ القلب، وعَطَشِ الرّوح إلى مُعايَشةِ الأَبهى. ونظرًا إلى زماننا اللُّبنانيّ التّافه، في هذه الأيام، لجأَتْ أدال الشّاعرة إلى الكتابة والبَيان لإزالةِ أَطباقِ الوَحشة عَنِ النّفس. فالمَجازُ مُعجِبٌ ومُعجزٌ يَنقلُنا منَ الْحَزازات والتَّنافر، والتّخليط والخبط، إلى إشارات، وتلويحات، واستعارات لطيفة، مَحاسنُها لا تزول، ولَطائفها لا تحول!

وبرّغم حِسبانِ أدال أنّ خيرَ الشّعرِ أَصدقُهُ، فهِيَ لم تبخلْ في اعتماد التّخييل، والصّدمات السّورياليّة الموحية، والصُّور الّتي تحملُ الكثير من الفطنة، والغوص، والفهم. ومُعظم تخيُّلاتها مُستمدّةٌ منَ الحقيقة إلى حَدّ أَنَّكَ لا تستطيعُ فصلَ مَجازها عن حقيقتها، في وَحدةٍ عضويَّةٍ تَصلُ النُّصوصَ المكتنزة، المكثّفة بعضها ببعض، وتجعلها تتألّمُ لأَلمها، وتَتناغمُ معَ روح قَلبها المُشتعل إلى حدِّ الرّماد!

وفي مجموعتها الشّعريّة الثّانية هذه: “جسدٌ من عمرِ الرّيح”، تكتبُ هذه المرأةُ بحبر جمالها، وتتركُ كلماتِها تتعرَّى أَمامَنا، وسَطَ الرّيح، وتأتينا بما لا نتوقّعُ من أرَجِ جُرأتها، وَحِلم حِكمتها، واشتعال شوقِها، وجَنّاتِ جنونها، وَحَرارةِ رموزها. وما لَفتني، في شاعريّتها، هذه الغرابةُ في تأليف المُتناقضات، وبناءِ لغة خاصّة بها لا تتأثّرُ أيّ جيلٍ من أَجيال الحداثة الشّعريّة، من أُنسي الحاج إلى بول شاوول، ومن جبران إلى أمين نخله. وخيرًا فعلت أنّها رفعتِ الحياة من وَحلها اليوميّ إلى أَلحانها الخالدة!

إذا كان غيابُك يَحملُ إلينا هذه الثّمارَ أّيّتُها الشّجرةُ المُباركة، فَغوري في صّمتِك، وجذوركِ، واستمدِّي من شمس الشّعر، والسّفر، والخوف على المصير، كلّ هذا السِّحر، وكلّ هذا الّذي دَهّشنا، وأَمدَّنا بالمزيد من اللّطائف، والمجازات العاشقة، والتّخييل الخالي من التّمحُّل والتّكلّف، والغنيّ بالأجنحة والفضاءات!

****

مقتطفات من الديوان

اِسمعني!

اِسمعني، فَصَوتي لحنٌ يَبحثُ عن أُنشودةٍ عاريةِ الكلمات، تَمْتَشِقُ أَنينَ الصَّلوات:

مثلي مثلُكَ، مَلِكٌ على وَعْدِ الصَّباح، وَمَلَكَةٌ على أَربعةِ أَقدار… تُحبُّني وأُحبُّها…

خالقٌ سَرمَديٌّ، لكَ أَجوبةُ الأساطير، وَلي شكوكُ المُستنير…

امتهنْتَ الصَّمتَ، وغيابَ الْحُضور، والطّاعةَ المُستدامة، والأَمرَ النَّاهي اليتيمَ… أمَّا أنا، فَأنا أُمٌّ، أَمتلِكُ رَحِمًا، وَفِعْلَ خلقٍ، أُبدعُ بديعَ الحنانِ بِإيمانٍ مُطْبِقٍ على حَصادٍ وافرٍ، من حَقلِ روحي وقلبي، يُعانقُ أَغصانَ المدى بِقرابينِ المُنى… أَملِكُ صَوتًا يُرى، وَنظرًا يُطرِبُ، وَوِصالًا يُهيمُ بالأَنا حتّى النَّفَسِ الأَخير…

لكن، بيننا طُفَيليٌّ، يَعبثُ بِالنُّورِ والتُّرابِ، يَعيشُ عندَ المُنعطفات، يُدعى خوفًا راعبًا، فَتتعرَّى عباءَتي، وتاجُ نَرجسِيَّتي حتّى قاعِ العامَّةِ، عندئذٍ أَعي عَجزَ صداك، وأُصبحُ قصيدةً تَستجدي صوتَ رؤاك…

فاسمعْني!

بينيلوبي البَيان

تَوَسّمتُ بالشِّعرِ خيرًا

لِلَعبِ الفصول، 

مَرّةً أَنا العاشقةُ،

والمعشوقةُ مرّات،

أُدحرجُ حُروفَ الحبِّ

عَنِ الحروبِ،

فأَرتفعُ قليلًا

وَهديلُ الأَسئلةِ حولي:

مَنْ هو؟

أَسمرُ الرِّمحِ

طويلُ الشّطِّ

أَخضرُ الزَّندِ

نمرُ الغمام،

اصطفاهُ قلبي

فأَخَذَني لَهُ

بينيلوبي الْبَيَان

أُردِّدُ “يُقْبرني”

أَمَدَ الْحياة..

 

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *