سجلوا عندكم

جديد دار نلسن: “طائرُ الرَّفراف” (سيرة روائيّة) للدكتور  ربيعة أبي فاضل

Views: 66

صدر عن دار نلسن في بيروت كتاب “طائرُ الرَّفراف” (سيرة روائيّة) للدكتور  ربيعة أبي فاضل. في ما يلي المقدمة في عنوان ” نافذة: رَيَّانُ الرَّفراف ” وفصل من الكتاب بعنوان ” في ظلّ الزّيتون”.

نافذة: رَيَّانُ الرَّفراف 

الرَفرافُ طائرٌ إذا رأى ظلّه في الماء أقبل َ إليه ليخطَفَهُ. قيلَ إنّه كالظّليم، ذَكرِ النَّعام وَيُقاربُ الرُّخَّ، بَعضُه منَ الجمل، شأن العُنق، وبَعضُه منَ الطّيرِ، شأن الجناح، يأكلُ الحَصى والجمرَ، ولا يَشعرُ بالضُّرّ! وقيلَ لونُه أغبرُ إلى البياض، ومن معاني أَغبرَ: الذّاهبُ والزّائلُ، وَمِنه قولُهم: لا يَغُرَّنَّكَ عزُّ الدُّنيا فإنَّه أغبرُ، لا بقاءَ له.

 نحن في دنيانا، نحاولُ خطفَ ظلالِنا، فإمَّا نتركُها تركَ الظَّبي ظلَّه، ولا تلفُّتَ نحوَها، أو نبقى كالقِرِلَّى – الطّائر، يقفُ على وجه الماء عَينٌ على القعر وأُخرى إلى فوق، فإنْ رأى خيراً تَدلَّى، وإنْ رأى شرّاً تولَّى، ويرافقُه ثلاثةٌ: الحزمُ، والحذرُ، واللَّعبُ مع الظّل الذي يتَّخذُ كلَّ حضورِه مِنَ الذَّات والنُور، وبَسْطِ الوجود. فالنّورُ يُظهرُ الظّلَّ لأَنّ امتدادَ هذا الأخير ليس مِن نفسه! 

إنَّ روايةَ الرّفراف هذه تلعبُ مع الظّلال، فَلِكُلّ مرحلةٍ من حياةِ المرءِ ظلُّها، يُحاولُ الرّفرافُ خَطفَ ما استطاعَ من ظلالهِ أو الَّنأيَ عَما يزعجُ رحلتَهُ، أو نسْخَ ما ارتسمَ من ظلالِ الأمس، والدُّنيا، على تراب جَناحَيه! هو في السَّبعينَ يَقفُ عينٌ على السُّحُبِ، وثانيةٌ على ريشهِ، وتَتراوحُ حالُه ما بين الرَّيَّان(*) والعطشان، وما يَرويهِ للطُّيورِ العاشقة

إنّما هو حياةٌ وخيالٌ وجمالٌ، وأُفقٌ له ظِلالٌ، مِنَ الفجر إلى الغياب!

 والظّلالُ لا ترمزُ إلى البدايات، والحالات الهشَّة النّازلة وحسبُ، بل هي تُشير إلى طفولة، وتُنبئُ بولادة جديدة، وتُنشّط وَتُوقظُ، وتُدفئُ، وَتُشعلُ… وقد قيلَ عن صلة الطّير بالسّيمرغ (ملك الطّير، وراء جبل قاف، هو قريبٌ، وَهْيَ بعيدةٌ، في “منطق الطيّر” لفريد الدّين النيسابوري المتوفَّى في أوائل القرن السَّابعِ). 

إنّه (السّيمرغ) تجلّى كالشّمس من وراء الحُجب، فوقعت على الأرض آلاف الظّلال، والطّير هي هذه الظّلال.. تسعى عبر أودية المعرفة، والعشق، والاستغناء، للوصول إلى الفناء والبقاء… وخلال العُبور تَمّحي في ضوء الشّمس، آلاف الظّلال، ولا يصل إلى العزّة إلّا قلّة من آلاف أبناء الحيرة، كلّما اقتربت ضاع ظلّها في الشّمس… وقد قيل قديماً، إنّ أشعّة الشّمس لا تختلف عن الشّمس، والموج الطّالع من البحر لا يختلف عن البحر، والشّرر الشّارد من النّار هو النّار، وإنّ النّفس المنبثقة من الذات الإلهيّة هي إلهيّة. 

ولأنّ بشرَ الرّواية، وأبطالها، وآلهتها، تبقى جميعها باردةً وبعيدةً، ومن حبرٍ يفتقرُ إلى الحياة، قرّر ريّان أن يَبني نصّه بنبض الحياة، وبهاء النّظم والجمال، فسمّاه “سيرة روائية” وهو يحتوي على نوعين فنّيين هما السّيرة والرّواية، ما سمح له بتركيز البناء عبر خيط الذّات وزمانها ومكانها وحركتها ورؤيتها وتمدّداتها وفضاءاتها وذوقها وخيالها وعالمها كلّه…. وهو عالم القرن الحادي والعشرين. علماً أنّ ريّان أبصر النّور في قلب القرن العشرين (1 تشرين الثاني 1950)، وكتب “طائر الرفراف” وهو شيخٌ اعتزل الدنيا وإيقاعاتها، ونسج حالة خاصّة به تحرّره من أشياء كثيرة إلّا من وهنه الجسديّ، وَمُعاناته النفسيّة والروحيّة، وبينهما معاناةٌ مشرقيّة آخر محطاتها لبنان وقد أُشقيت عيشته، وغطّاه قدرُه بالكلوم!

وكانت هدى رزق، وهي زميلة ريّان في الجامعة، تكرّرُ أمامه: ’’متى سَتَكتب رواية؟‘‘ وتَكرَّرَ الجواب: ” عندما تقرّر هي أن تُكتبَ! ’’وكتب النصّ بعد ثلاث وثلاثين سنة! وهو ليس روايةً بالمعنى التقليديّ. فبعد بناء هذه السّيرة الروائيّة، قرأ ريّان في كتاب جاد حاتم: “Schelling, l’angoisse de la vie” (ص 115) المقطع الآتي، وهو يوجز موقف شللنغ وكوهين وحاتم نفسه، قال:

Il n’est de vie d’homme qui ne soit l’univers en son entier; il me plait de répéter ici des mots de Schelling, dans le Âges du monde: Celui qui serait à même d’écrire l’histoire de sa propre vie écrirait, en même temps, une histoire brève et résumée du cosmos”. Or il n’est à mon sens, de fable, de poème, d’essai, de récit, de narration, en un mot tout écrit, qui n’y participe

والفحوى الذي يتناغم معه ريّان، حتماً، أنّ الإنسان في حياته الفرديّة، يمثّل الكون الشّامل، لذلك، عندما يكتب سيرته الذاتيّة إنّما يعبّر، في الوقت نفسه، بخفر، عن حياة الكون. وبدت الأنواع الأدبيّة لحاتم في معظمها، مؤهّلة للتشارك حول هذه المَهمّة الموجّهة نحو الدّاخل والخارج، لكونهما في وحدة مُتراصّة. وهذا الانفتاح للسّيرة الرّوائيّة، يمنحها دائماً، مدى جديداً وفضاءً واسعاً يضّم في رحمها العميقة ما لذّ وطاب، وعنَّ ببال القلب، والدّمع، والخيال، من سفرٍ، وتجريب، وأحوال….

***

في ظلّ الزّيتون

وُلد ريّان في بيئةٍ خاليةٍ من المصانع والدّخان، وعجقةِ السّيّارات، وازدهرت طفولته في ظُلّةِ الزّيتونِ والسّنديانِ، عندما كان يتبع أباه إلى الحقول، لأنّ جيله تعلّم في الطّبيعة، ما لم يره أو يسمعه في المدرسة! أمضى زمانه السّاحرَ ما بين 1950 و1960، ومنذ ذاك، نشأت صداقةٌ حميمةٌ بينه وبين الأشجارِ والطّيور، والأنهار والأزهار والثّمار، والغاباتِ والصّخور، وأحبَّ الزّعتر والرّيحان، وعبق الوردِ، والكروم، وحلمَ كثيراً وهو ينظرُ إلى النّجوم.

لحظ ريّان منذ صغره أنّ أباه قليلُ الكلام، يعملُ بشوقٍ وحريّة وإخلاص في أرضه، ويتقنُ الغناء لكون صوته يتحلّى بالعذوبة، ونسيمه ناعمٌ. ومن عاداته أنّهُ لا يترك الطّعام يوخمه، فبقي طوالَ حياته، رقيقَ الحاشية، صافي الرّوح، نظيفَ الجسد، نقيّ الفكر. وقد عشقَ صحبتهُ، وانجذبَ إلى زهدهِ، وحرصَ على رؤية الفجر معه، وعلى وداعِ الشّمس، والعصافير وهو قربه، لأنّ الحياةَ مع أبٍ حنونٍ تكونُ أطيب! والغريبُ أنّهُ يحسنُ قراءةَ عنترة والزّير، لكنّه لم يتخرّج في مار يوسف- قرنة شهوان، شأنَ أبيه وجدّه، ومعظم العائلة!

 وفي ذهن ريّان أنّ مساءَ الله، ومساءَ الأب على الأرض واحدٌ، فلم يكن الصّباح يعني له الخير، والمساءُ الشرَّ، لأنّ حكاياتِ أبيه عن عنترة والزّير وربيعة، وما يطلقُ من أشعارٍ جميلة حماسيّة، إنّما وحّد الألوان والأزمنة وألغى البشاعات وخلقَ السّحر والعجب. وكان يمطُّ ويمدّ الأبيات التي تعجبه بمهارة ولطف، شأن قوله: ’’سوادي بياضٌ حينَ تبدو شمائلي/ وفعلي على الإنسان يزهو ويفخرُ‘‘/ أو: ’’يا طائراً قد بات يندبُ إلفَهُ/ وينوح وهو مُولّهٌ حيران/ عِرني جناحك واستعر دمعي الذي/ أفنى ولا يَفنى له جريانُ/. ومع أنّ الرّاوي السّاهر لم يكن ناقداً فلم يخفِ دهشته بإزاء الثنائيّات البهيّة، وفحواها أنّ قيمة الإنسان ليست في مظهره، ولونه، بل في سلوكه وَقيمه!

وعندما سأل الطّفل أباه عن سبب تركه المدرسة باكراً، قال: ’’إنّ الجيل الذي عايش الحرب الكُبرى، هاجر بعد 1918 إلى أميركا وأفريقيا، ومنَ المغامرين والدي، وعمّي. واستمّر غياب جدّك خمسَ عشرةَ سنةً، وهي المرحلة التي خسرتُ خلالها فرصتي لأحصّل ما يجب من معرفةٍ وأدب. وكانت أرضنا هي مصدر العيش، بدلاً من التعليم والصِّحافة، والسّياسة والكهنوت، فزرعنا وتاجرنا بالحطب، وأشعلنا مشاحر الفحم، وآتونات الكلس، وبذلنا التضحيات في سبيل البقاء، وتحمّلنا الكثير، الكثير من العناء والشّقاء.

 

أمّا أُمّ ريّان فكانت، إلى جلب الماء وإنجاب الأطفال، تهتمّ بالعجنة والطّبخة. وفي حال صَحّت المشحرة، وبيعتِ الفحماتُ، ومعها الحَطبات، يكبر الجنين في بطنها وتُنشد ’’عالروزانا‘‘ كي تُخفّف منَ الغّم والهّم:

’’عالروزانا عالروزانا كلّ الهَنا فيها
وشو عملت الرّوزانا الله يجازيها
يا رايحين لحلب حُبّي مَعكم راحْ
يا محمّلين العنب تحتِ العنب تفّاح
كِلْمِنْ حبيبو معو وأَنا وليفي راحْ
يا ربّي نسمة هوا تْرِدّ الولف لِيَّ‘‘
وقد يخطر ببالها لحنٌ آخر فَتُردّد:
’’ميّل يا غزيّل يا غزيّل مَيّل
مَيّلك مَيّولي قيّلك قَيّولي
مْنِسقيك فنجان قهوة مْنَعملّك تبّولة
آه مِنَّك يا غزيّل آه يا غزيّل يا غزيّل‘‘ 

 

وفي حال جارَ الدّهر على رجُلها ولم توفّقه الأيّام، فهي تطّرح عطيّة الله قبل كمالها، وتبقى طوال حياتها كئيبةً، بسبب هذه الدّعسة النّاقصة على الحياة. وقد أخبرتْ أحد الذين وُلدوا غصباً عنها، بعد ثلاث محاولات، أنّها كانت جدّية في عدم تركه يفتح عينيه، لكنّ السّماء أنقذته برغم ما في قلبه من قلق.

 هذا الطّفل، وهو في السّابعة، والتّاسعة، تعرّفَ طعم السّعادة في ظلّ الزّيتون، وفي فضاءٍ تروح فيه سُنونوات القرميد وَتَجيء، وتهاجر الطّيور فوق الأودية والبحار، وتغطّي الغلال الجهات، ويتحاور الفلّاحون بقلوب تُجمّلها البساطة، ولا تحدّها حدودٌ، ولا تجفّفها أحقادٌ، وتفيض الأرض فراشاتٍ وطَيّباتٍ وحياة… كان ملتصقاً بالتراب، يهوى رائحتهُ، ولا يُطيق الانفصال عنه، إلى حدٍّ أنّهُ استمتع مرّةً بمشهد أفعيين واحدةٍ سوداءَ وأخرى شقراءَ، واستغربَ كيف أنَّ أباهُ تابعَ عمله بسلام، ولم يُطلق النّار لأنّ للغابة نظامها، وهي تحيا بتوازن!

ها هي نبعةُ الماءِ، تنادي العطاش، وبينهم ريّان، يملأُ الإبريق ليُطفئَ تعبَ أبيه، لينعشَ في قلبهِ، الفرح. ها هي الجلول تقولُ: ’’شكراً‘‘ لأيدٍ لا تهدأ، وعضلاتٍ لا تكلُّ، ونفوس تظلُّ مستيقظةً كي لا تضجر الأرض، وتيبس، وتيأس. ها هي الأغصانُ تمدُّ أعناقها نحوَ القامات الكريمة، تستمدُّ منها العافية، كما منَ المطر، والشَّمس، والقمر، والنّدى. ها هي العصافيرُ تطيرُ وتطيرُ وتحطُّ على الزّعرور والبلّوط، والتّين، والبيدر الحزين! ها هنَّ النِّساء يَسبقن الرِّجال إلى عرس المواسم، إلى راحة البال!

كنّ يتجمّلْنَ بالحياء، ويتحلّين بالوداعة، ويدأبنَ على العمل من دون منن تهدم الصّنيعة. لا كحل حول عيونهنّ، لا بصمات غريبةً على أُنوفهنّ، ووجوههنّ، ولا خرائط جديدة ترسم على أجسادهنّ، فهنّ ملكاتٌ بين الأشجار، تفوح من أصابعهنّ رائحة الوردِ والعسل، ومن أعينهنّ تشرقُ الشّمس وتغيب. وكانت زوّادتهنّ ما تُعطي البقرة أو العنزة، وما تتكرّمُ به الدّجاجات، وما يطلعُ من أرض الخيرات والبركات. ولحسن حظهنّ لم تكن السّوبرماركات قد انتشرت، وكانتِ الدنيا وتقاليدها في دائرة البساطة.

وفي مرحلة طفولته، لم تفرغ ناحية البستان وراميّا، والغزّارة، وعين الحلالة، من أهلها، ولم تكُّفَّ الجباهُ عن تسييل العرق، وأحياناً الدّم، من أجل التراب المقدّس. وبدا أنّ الهجرة تراجعت بين 1950 و1973، وعاد القرويّون إلى جذورهم، ولم يتكاثر السّماسرة لنهب الأرض بأسعار بخسة، وبوقاحة غير مسبوقة، كما لم تسيطر قروشُ الوظيفة، وقيل عنها ’’الفائشة‘‘، على كثيرين، ولم تهجم الشّركات لتلتهم الشّجر، والبشر، والتّلال، والينابيع! وما أكثر ما ذُرِفت دموعٌ بينما الفلّاحون يُلقون نظراتهم الأخيرة على جنّاتهم!

ولم ينسَ ريّان شهداء جُبلت أجسادهم، وأرواحهم، بتربةٍ عطّرها الجدود. ففي الآتونات والكسّارات، وفي الكهوف والأغوار، وفي الغابات والآبار، وعلى الدّروب، ووسط الوحوش، وخلال الحروب 1914 و1940 و1975 ومن بعد، ومن قبل، سقط كثيرون، فبكتهمُ العيون والقلوب، منهم: روفائيل، ميخائيل، نجم، فارس، نادر، عبود، عيسى، جريس، لطيف، رالف، سليم، إِيلي وراحيل… والطّريق بين نابيه وزحلة وداريّا الشّام، شهدتِ الكثير من المآسي، فمنهم من قتلهم وحشُ الجوع، وآخرون أَودى بهم وحشُ التعصّب والتخلّف، وشرّدتهم حروبٌ قادها في العتمات، جهّال مستبدّون، يكرهون الوطن والمواطنة، والحريّة وحقوق الإنسان، ولا تهتّزُ جفونهم لجريمة أو لفقر شعبٍ أو لانهيار مجتمع. وما يقول ريّان عن عدد من الشهداء سقطوا في الشّويفات، وزحلة، في أزمنة الصّراعات الحادّة التي تخطّت كلّ حدود المنطق والعقل!؟ 

هذا التاريخ ارتبط به ريّان طفلاً وهو يصغي إلى بعض كبار العائلة يتحدّثون عن رحيل قومنا من الزَّبداني، وعين حَلية، في سوريا، إلى شمالِ لبنان، والى طواحين أنطلياس، ونهرها، حيث كان بنو تنُّوخ هجروا سوريا وبعلبك إليها، وتمدّدوا في ساحل المتن وريفه… فامتزج المسيحيُّون بهم، وتعاونوا، وتفاهموا، وعملوا في الأرض التي أشعرتهم بالأمان، نظراً إلى كثرة المياه… ومع مرِّ الايام، تحوّلت الجغرافية، فانتقل الدّروز من السّاحل والرِّيف الأوسط، إلى المتن الأعلى، بين رأس المتن، والمتين. وبرغم التّجارب المرّة، والهجمات على برِّمانا والمحيط، فقد أدرك الفريقان أنّ خلافاتهما الكيانيّة تعني نهاية لبنان الوطن، وليتذكّر التنوخيّون أنّهم أصلاً، نصارى من الحِيرة، أسلموا ثمَّ انتموا إلى الباطنيّة الدرزيّة.

لم تكنِ العلاقة بين ريّان ومدرستهِ الأولى الرّسميَّة مشرقة، لأنّه لا يتذكّر اليومَ، أيّ شيءٍ طَبعهُ أو أفرحهُ أو لا يزالُ يحاورهُ، ويُزهرُ في أعماقه. فما لا ينساه هو ذلك الكتاب الصّغير واسمه: ’’الحرفوش‘‘، فيه كلماتٌ وعباراتٌ بالفرنسيّة والعربيّة، كما بقي في ذهنه قضيبُ التُّوت، وغيابُ المعلِّم الوحيد، والفوضى التي كادت تدمِّر حياتهم لأنَّ معظم الرِّفاق تعثّروا في مسيرة الحياة، في حين انسحب ريّان قاصداً معهداً داخلياً يُحرِّرهُ من واقع صعب!

قالت له أمُّهُ، بعد أن لحظت تأفُّفهِ من حال المدرسة. ’’اذهب فخالُكَ ينتظرك كي تتعلّم النِّجارة‘‘ ولمّا لمْ يستطع إقناعهم بالتعلُّم في مدرسة ’’راهبات الصّليب‘‘، في القريّة، نظراً إلى عدم توافر المال، ولأنّه لا يجد في ذاته موهبة التحوّل إلى نجّار، شأن مار يوسف المربِّي الحكيم، أقنعَ خالهُ بإنقاذهِ من ورطتهِ، من خلال إدخاله المعهد الأنطوني، في بعبدا. وكان خاله يعمل عند الرهبان في بحرصاف، فالتقيا الأب مارون عطا الله الذي طلب من الولد قراءة نصٍّ من رسائل بولس، ففعل. وهكذا انتمى إلى الدَّير في أيلول من عام 1962، وهو في الثانية عشرة.

في الرّحلة إلى الدّير، مرَّ مع أخيه، ملاكه الحارس، بساحة البُرج في بيروت حيث وقف أمام أرمنيّ عتيق كي يتصوّر، قال له: ’’ابتسم يا بابا!‘‘ حاول ريّان أن يُطيعَ، لكنّهُ وجدَ صعوبة. فهو منذ صغرهِ، لا يعرفُ ما معنى الابتسام، وحتى في ذروة اللّعب كان يشعر بكآبةٍ غريبة قد يكونُ مصدرها خطيئة آدم وخرافاته! على أنّه رأى في العبارة الإِيعازية للأَرمنيّ، حامل الذّاكرة المعذّبة، إشارة إلى انتهاء مرحلة وبداية أُخرى، وفي هذا العمر، وذلك ليس مصادفةً بل هو مكتوبٌ على الجبين. والنِّظام الكونيّ الذي يديرُ شؤون هذا الفضاء، ومخلوقاته، وعلى رأسه ساهرٌ عارفٌ، إنّما يمتلك اسرار كلِّ حركةٍ وكلِّ صوتٍ، وكلّ تنهّدٍ، وكلّ حلم!

وهكذا، خطف الرّفراف ظلاًّ من ظلال ريّان وحمله إلى تلّة الزيتون الجديدة في بعبدا، حيث رفاقٌ من كلّ جهات لبنان السّتّينيّات!

 

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *