سجلوا عندكم

الطب في لبنان بين شرف المهنة وجشع السوق…

Views: 70

د. زهير علامة

لبنان، رغم كل ما أصاب مؤسساته من انهيار وتراجع، لا يزال يملك رصيداً طبياً لا يُستهان به. ففيه أطباء شرفاء، أصحاب علم وخبرة عريقة، بعضهم تدرّب في أفضل الجامعات والمراكز الطبية في العالم، وعاد ليضع معرفته في خدمة المريض. أطباء يعتبرون التشخيص مسؤولية، والوصفة أمانة، والفحص المخبري ضرورة تُطلب عند الحاجة، لا سلعةً تُباع كلما سنحت الفرصة.

وفي المقابل، لا يجوز أن نخفي الوجه الآخر للمشهد

فكما في كل قطاع، دخل إلى الممارسة الطبية من اختزل المهنة في حساب الأرباح، وأصبح يرى في المريض فرصة مالية، لا إنساناً جاء طالباً للعلاج. هنا تبدأ المشكلة الحقيقية: عندما يتحول الخوف من المرض إلى مادة للاستثمار، والقلق إلى وسيلة للإقناع، وكثرة الفحوصات إلى بديل عن التفكير السريري، والعلاقات والمصالح إلى عاملٍ يؤثر في اختيار المختبر أو مركز التصوير أو المؤسسة الاستشفائية.

المشكلة ليست في أن يكسب الطبيب أو المستشفى أو المختبر المال. الطب مهنة ورسالة، لكنه أيضاً عمل مشروع يجب أن يوفّر للعاملين فيه حياة كريمة وعائداً عادلاً ولائقاً. وتبدأ المشكلة عندما لا يعود المال نتيجةً للخدمة الطبية الجيدة، بل يصبح هو الذي يحدد شكل هذه الخدمة وحجمها واتجاهها.

وهنا يصبح الفرق كبيراً بين الربح من الطب والمتاجرة بالطب.

مستشفيات عالمية… وأخرى تحتاج إلى مراجعة ضميرها قبل ميزانيتها

في لبنان مؤسسات استشفائية عريقة، بنت سمعتها عبر عقود من العمل، وتضم أطباء وممرضين وتقنيين وإداريين على مستوى رفيع، وتستطيع في اختصاصات عديدة أن تنافس مراكز طبية عالمية.

لكن الاسم الكبير، والمبنى الفخم، والتجهيزات الحديثة لا تكفي وحدها لصناعة الطب المحترم.

القيمة الحقيقية للمستشفى تظهر في طريقة تعامله مع الإنسان عندما يكون ضعيفاً وخائفاً ومتألماً. تظهر في شفافية الفاتورة، وفي عدم استغلال حاجة المريض، وفي احترام حقه في المعرفة والاختيار، وفي عدم إجراء ما لا يحتاج إليه، وفي عدم تحويل سريره إلى عدّاد مالي لا يتوقف إلا عند الخروج.

وأي مؤسسة استشفائية، مهما كان اسمها أو حجمها، تضع المردود المالي فوق المصلحة الطبية للمريض، تكون قد ابتعدت عن جوهر الرسالة التي يفترض أن تحملها.

فالطب بلا أخلاق قد يكون متطوراً تقنياً، لكنه يبقى طباً ناقصاً.

مختبرات ومراكز تشخيصية: الجودة أم عمولة الإحالة؟

ومن الظواهر التي تستحق نقاشاً جدياً الانتشار الكبير للمختبرات ومراكز الأشعة والتشخيص، في سوق أصبحت فيه المنافسة شديدة.

المنافسة بحد ذاتها ليست مشكلة؛ بل قد تكون مفيدة إذا كانت المنافسة على الدقة، والجودة، والتكنولوجيا، وسرعة الخدمة، وكفاءة التقرير، واحترام المريض.

أما عندما تصبح وسيلة المنافسة الأساسية هي تقديم نسبة مالية أو منفعة مقابل إحالة المرضى، فنحن أمام خلل أخلاقي خطير.

لماذا يُحال المريض إلى هذا المختبر تحديداً؟

هل لأنه الأدق؟

هل لأن ضبط الجودة فيه أفضل؟

هل لأن اختصاصيي الأشعة أو المختبر أكثر كفاءة؟

أم لأن هناك منفعة مالية خلف ورقة الإحالة؟

هذه الأسئلة يجب أن تُطرح بوضوح، لأن المريض عندما يختار طبيبه يمنحه ثقته، ولا يتوقع أن تتحول هذه الثقة إلى سلعة تُتداول بين العيادة والمختبر ومركز الأشعة.

المختبر المحترم لا يحتاج إلى شراء الإحالات. يبني اسمه بدقة نتائجه.

ومركز الأشعة المحترم لا يحتاج إلى استمالة الأطباء بالنسب. يبني سمعته بجودة الصورة، وكفاءة الطبيب، ودقة التقرير.

والطبيب الواثق من نفسه لا يحتاج إلى بيع ثقة مرضاه لأحد.

أخطر تجارة هي التجارة بالخوف

للطبيب سلطة معنوية هائلة أمام المريض. جملة واحدة منه قد تطمئن إنساناً، وقد تحرمه من النوم أياماً.

ولهذا فإن استغلال خوف المريض لتحقيق منفعة مالية من أكثر صور الانحراف المهني قسوة.

ليس كل ألم يحتاج إلى سلسلة طويلة من الصور.

وليس كل ارتفاع بسيط في نتيجة تحليل يحتاج إلى عشرات الفحوصات.

وليس كل مريض يحتاج إلى دخول المستشفى.

وفي الاتجاه المعاكس، ليس الاقتصاد في الفحوصات فضيلة عندما تكون ضرورية.

القاعدة بسيطة: نطلب ما يحتاج إليه المريض، لا أكثر ولا أقل.

هنا تحديداً تظهر قيمة الطبيب الحقيقي؛ فالمعرفة ليست في طلب كل شيء، بل في معرفة ما نطلبه، ولماذا، وماذا سنفعل بالنتيجة.

المال النظيف ليس عدو الطب

هناك فكرة ينبغي تأكيدها: لا عيب إطلاقاً في أن ينجح الطبيب مادياً، أو أن يحقق المستشفى أرباحاً، أو أن يكون المختبر مؤسسة ناجحة.

بل على العكس، المؤسسة الطبية الممتازة تحتاج إلى المال لتوظيف الأفضل، وشراء الأجهزة الحديثة، وتطوير الجودة، وتدريب العاملين، والاستمرار.

لكن الطريق الشريف إلى الربح واضح:

خدمة ممتازة ← ثقة ← سمعة جيدة ← مرضى أكثر ← نجاح مالي مستدام.

أما الطريق الآخر فهو:

خوف المريض ← فحوصات غير مبررة ← إحالات مدفوعة ← تضخيم خدمات أو فواتير ← ربح سريع.

وقد يحقق الطريق الثاني مالاً أكثر في لحظة ما، لكنه يدمر أثمن رأس مال في الطب: الثقة.

بل إن الاعتقاد بأن النزاهة أقل ربحاً هو اعتقاد قصير النظر. الطبيب الذي يبني سمعته على العلم والصدق قد يحتاج إلى سنوات، لكن ما يبنيه يصبح رأس مال مهنياً حقيقياً. والمريض الذي يشعر بأن طبيبه لم يستغله يصبح أفضل دعايةً من ألف إعلان تجاري.

لسنا بحاجة إلى تقديس الطبيب… بل إلى استعادة معنى الطبيب

المطلوب ليس مهاجمة الجسم الطبي اللبناني، كما ليس المطلوب الدفاع عنه بصورة عمياء.

التعميم ظلم.

في هذا البلد أطباء يستحقون كل الاحترام، يعملون بصمت، يقرؤون ويتعلمون ويتابعون مرضاهم، ويرفضون الاستفادة غير المشروعة حتى عندما تكون متاحة أمامهم.

وفيه أيضاً ممرضون وتقنيون وموظفون ومختبرات ومراكز ومستشفيات يحافظون على مستوى مهني وأخلاقي مشرّف رغم الظروف الاقتصادية القاسية.

لكن حماية هؤلاء تحديداً تستوجب فضح السلوك المعاكس، لأن الطبيب النزيه هو أول من يدفع ثمن انهيار ثقة المجتمع بالمهنة.

المطلوب منظومة يكون فيها المريض قادراً على السؤال، والطبيب ملزماً بالتفسير، والمختبر محكوماً بمعايير جودة حقيقية، والمستشفى مطالباً بشفافية مالية، وتكون فيها الإحالات الطبية قائمة على الكفاءة لا على المصالح الخفية.

في النهاية… الطب تجارة من نوع مختلف

نعم، في الطب مال.

ونعم، من حق الطبيب أن يعيش بكرامة، ومن حق المستشفى أن يربح، ومن حق المختبر ومركز الأشعة أن ينجحا.

لكن هناك فرقاً أخلاقياً هائلاً بين أن تربح لأنك قدّمت لإنسانٍ علاجاً جيداً، وأن تربح لأنك استغللت خوف إنسان مريض.

الخدمة الطبية الصادقة والدقيقة ليست عملاً خيرياً، بل هي في ذاتها طريق مشروع وقوي للنجاح المالي. وقد يكون مردودها على المدى الطويل أكبر بكثير من أرباح الحيل والعمولات والخدمات غير الضرورية؛ لأنها تبني شيئاً لا يُشترى بالإعلانات ولا بالنسب المئوية: ثقة الناس.

فالطبيب لا يحتاج إلى خداع المريض كي ينجح.

والمختبر لا يحتاج إلى شراء الإحالة كي يثبت جودته.

والمستشفى لا يحتاج إلى تضخيم الفاتورة كي يكون مؤسسة رابحة.

اكسبوا المال، ولكن اكسبوه لأنكم الأفضل في خدمة المريض، لا لأن المريض كان خائفاً أو عاجزاً عن معرفة ما يجري خلف الكواليس.

فالمال الذي يأتي نتيجة العلم والجهد والصدق مالٌ نظيف وحق مشروع.

أما حين يتحول المرض إلى فرصة للاستغلال، والخوف إلى وسيلة للبيع، والثقة إلى عمولة، فالمشكلة لم تعد طبية ولا مالية فقط.

إنها أزمة   أخلاق وضمير.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *